سرّ الطائرة فوق معراب

لماذا هذا التركيز على سمير جعجع؟ لماذا محاولة اغتياله وشطبه من المعادلة وكأنه هدف دائم يجب التخلص منه؟ على مدى أعوام طويلة تعرّض الرجل لأكثر من محاولة اغتيال ولأكثر من محاولة شطب من المعادلة السياسية. ولكنه دائما كان يبدأ من جديد. لم تنفع محاولات ترهيبه وتخويفه وتدجينه في ظل عهد الوصاية السورية فعادت هذه المحاولات تتكرّر اليوم في ظل عهد الوصاية البديلة. بين الوصايتين لم تتبدل الخطة ولم تتغيّر. من محاولة اغتياله بالقنص إلى التحضير لمحاولة اغتياله بأسلوب جديد بواسطة طائرة من دون طيار. محاولتان خلال عامين فقط. ولكن رئيس حزب “القوات اللبنانية” الذي يعرف أنه هدف دائم يعرف أيضا كيف يتحدى وكيف يرد على محاولات اغتياله واغتيال “القوات اللبنانية” بتكثيف حضوره السياسي وتمسّكه بالمبادئ التي يؤمن بها ومن أجلها كانت “القوات”، وبمفاجأة من يريدون اغتياله بأنه غير قابل للترهيب والحصار والعزل.

عندما حوصر سمير جعجع في دير القمر في العام 1983 اعتقد كثيرون أنه انتهى. ولكنه كان يخرج من الحصار إلى بداية جديدة وإلى قيادة جديدة وإلى “قوات لبنانية” متجددة وقوية وقادرة على امتلاك مشروع سياسي غير قابل للكسر.

وعندما حوصر في حرب الإلغاء نجح في فك الحصار وقلب المعادلة وساهم مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في عملية إخراج لبنان من الحرب إلى السلم ولم يتردد في تسليم السلاح لبدء مرحلة جديدة من النضال.

وعندما تحوّل الطائف اللبناني إلى طائف سوري بعد اغتيال الرئيس رينيه معوّض استمر في المقاومة ورفض التسليم بالأمر الواقع ولم يتنازل ولم يقبل بتقاسم الحصص وبقي مشروعه مشروع الدولة القوية القادرة وقال لا لدولة الوصاية وللإنقلاب على الطائف ولدولة حزب الله التي كانت تولد بديلا عن الدولة اللبنانية وعن الجيش اللبناني.

وعندما اشتد الحصار عليه في غدراس بعد إبعاده بالقوة من المجلس الحربي في الكرنتينا لم يتبدل وواجه حتى اعتقاله وحل حزب “القوات اللبنانية”.

وعندما اعتقد كثيرون أنه سينتهي في السجن جعل من سجنه حرية جديدة وبقي يقاوم أحد عشر عاما ولم يتبدل ورفض كل محاولات المساومة على حريته ولم يتنازل وخرج من السجن إلى انتصار جديد وإلى بداية جديدة بعدما انتصرت خياراته وخيارات “القوات اللبنانية” وتوسعت لتنضم إليها قوى أخرى تطالب بالدولة القوية القادرة. كان الثمن باهظا ولكن النتيجة كانت حاسمة أيضا. اغتيال الرئيس رفيق الحريري فجّر انتفاضة جديدة والصمت الذي لف الجميع في 21 نيسان 1994 يوم اعتقال سمير جعجع تحوَّل إلى ثورة الأرز في 14 آذار 2005.

بعد اغتيال الرئيس الحريري كرّت سبحة الإغتيالات وكان سمير جعجع دائما على رأس اللائحة. من الأرز إلى بزمّار إلى معراب تبدّلت أماكن الإقامة ولم تتبدل الخطط التي ترسم طرقا مختلفة للتخلص منه.

في 4 نيسان 2012 فشلت المحاولة الجدية. لم يكن ممكنا اغتياله بسيارة مفخخة أو بانفجار يستهدفه. درست الخطط البديلة وكان القنص إحداها. استمرت عمليات المراقبة طويلا وعندما رصدوه في مقر إقامته أطلقوا عليه النار ولكن الرصاصات لم تصب الهدف.

تم العاطي الرسمي مع هذه المحاولة باستخفاف. كأن هناك مناطق أمنية لا يمكن الدخول إليها ولو من خلال التفكير فقط. وكأن هناك فريقا ينفذ عمليات الإغتيال وكأنه ينفذ أحكاما لا جرائم. لا يمكن مساءلته ولا يمكن التحقيق معه حتى ولو كان المنفذون معرفين بالهوية. أكثر من ذلك كأن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن الإقتراب منها. تضاف إلى كل ذلك عملية التغطية على محاولة الإغتيال من خلال إنكار حصولها على رغم كل الأدلة التي ضُبطت في مسرح الجريمة من مكان التحضير لها عبر عمليات الرصد إلى الرصاصات التي استقرت في جدران مقر معراب.

كان المطلوب قتل سمير جعجع بأي وسيلة. وإذا لم تنجح المحاولة كان الهدف إسكاته. هذا ما حصل معه في المرحلة الفاصلة بين إخراجه من المجلس الحربي وبين اعتقاله. كانت رسائل سلطة الوصاية الأمنية السورية اللبنانية واضحة: ممنوع من الكلام. ممنوع من الحركة. ممنوع من التعاطي في السياسة. إما تقبل بسلطة الوصاية وتكف عن المطالبة بانسحاب الجيش السوري من لبنان وبتسليم سلاح “حزب الله” وتتحول إلى مجرّد مقيم في غدراس إما نلغيك نهائيا من المعادلة.

ولكن كما واجه جعجع عهد تلك الوصاية لا يزال يواجه عهد الوصاية البديلة. عندما اغتيل اللواء وسام الحسن وصل فجأة إلى مكان الإغتيال في الأشرفية. وعندما اغتيل الوزير السابق محمد شطح نزل إلى مسجد محمد الأمين معزيا. حضوره كان تعبيرا عن حرب معاكسة ضد الإغتيالات وضد منع محاولة قيام الدولة وضد السلاح غير الشرعي.

بعد خروج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار في العام 2009 على أثر محاولة إلغائه عسكريًا وسياسيًا في عملية 7 أيار 2008 وبعد تهديده بالقمصان السود، بقي سمير جعجع.

وبعد تهديد الرئيس سعد الحريري وتكرار محاولات اغتياله واضطراره إلى الخروج من لبنان، بقي سمير جعجع. وكأن المطلوب منه ألا يبقى. الترهيب سيّد الموقف وهناك مراهنة أكيدة على أن إزاحته من الخريطة السياسية بالإبعاد أو بالإغتيال تنهي 14 آذار وثورة الأرز. الأمانة العامة لقوى 14 آذار انتقلت من مقر الأمانة العامة. نواب وقيادات 14 آذار معرّضون للإغتيال وحركتهم مضبوطة. لا احتفالات هذه السنة في ذكرى 14 شباط تاريخ اغتيال الرئيس الحريري. ولا احتفالات شعبية في 14 آذار بعد تسعة أعوام على  الإغتيال والثورة. خرج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 وبعد سبعة أعوام ذهب “حزب الله” للقتال في سوريا دفاعا عن نظام يتداعى وعن جيش احتل لبنان بالترهيب والقتل ثلاثين عاما. كل يوم تظهر أكثر وحدة المسار والمصير بين النظام وبين الحزب وتتوضح أكثر معركة الفصل بين المسارين. على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، منذ العام 1991 لم تتوقف محاولة سيطرة “حزب الله” على المسار اللبناني لضمّه إلى المسار السوري. النتيجة أن المسارين، مسار الحزب ومسار النظام يقاتلان عبثا للبقاء ولا يتوانيان عن استخدام كل الوسائل الممكنة لتغيير مسار التاريخ من السلاح الكيميائي إلى البراميل المتفجّرة إلى الإغتيالات والطائرات.

فجر الثامن من كانون الثاني 2014 سمعت في أجواء معراب أصوات طائرة من دون طيار تحلق. ساد اعتقاد في البداية أنها أصوات لطائرة عابرة. أخذت المسألة في الإعتبار ولكن لم تدخل مرحلة القلق. في الأيام التالية تكرّرت العملية. الطائرة تأتي وتحلق. يسمع صوتها بوضوح. هي ليست طائرة عابرة إذاً. ثمة شيء يتم تحضيره. كانت طائرة “أيوب” اشتهرت بعد تحليقها في الأجواء الإسرائيلية وبعده جرت أكثر من محاولة في ذلك الإتجاه واغتيل أيضا حسان اللقيس القيادي في “حزب الله” الذي ارتبط اسمه بملف الطائرات من دون طيار التي بات “حزب الله” يمتلكها.

لم تعد المسألة مجرّد عملية عبور في الأجواء. ولم تقتصر عمليات التحليق على ساعات الصباح. تكرّرت في أوقات متفاوتة خلال النهار وفي ساعات الليل الأولى. اقتربت الطائرة أكثر حتى تمّت رؤيتها بالعين المجردة. في 18 كانون الثاني حلقت على علو منخفض جدًا وتابعت تحليقها حتى بداية شهر شباط.

لم يعد الأمر سرًا ولكنه تحوّل إلى مسألة خطيرة. عندما تم تسريبه إلى الإعلام للكشف عنه لم يتم التعاطي معه بجدية. ردّة الفعل الأولى كانت مشابهة لما حصل بعد محاولة الإغتيال بالقنص. على رغم أن الرصاصات وصلت والرسالة أيضا تم تسخيف المحاولة وكأن هناك خدمة مجانية للتغطية على محاولة الإغتيال.

هذه المرة وصلت الطائرة والرسالة أيضا وتكررت عملية التغطية على التحضير لمحاولة الإغتيال. وفد من “القوات اللبنانية” أبلغ قيادة الجيش. النائب أيلي كيروز نقل المعلومات إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي اعتبر أن الطائرة فوق معراب عدوّة مهما كانت هويتها ويجب إسقاطها. الرئيس يعرف أن القصر الجمهوري كان مستهدفا أيضا بالصواريخ ليل الثاني من آب 2013 وبعد شهر تقريبا كان الدكتور جعجع في القصر يزور الرئيس سليمان. وزير الداخلية قال إن عناصر قوى الأمن المولجين حماية مقر “القوات اللبنانية” في معراب شاهدوا الطائرة.

كما الصواريخ التي اطلقت على القصر لا توجد احتمالات كثيرة عن هوية الطائرات التي تحلق فوق معراب. اسمها “ياسر” أم غير ياسر، ليس الأمر مهما. ربما هي من طرازات مختلفة وربما هناك عملية مركبة تشارك فيها أكثر من طائرة. واحدة ترصد وأخرى تهاجم. ربما هناك تحديد للهدف وربما كان سيتم استخدام صواريخ موجهة من أماكن مشرفة على المقر. هل هو “حزب الله” أم جهات أخرى؟ على الحزب أن يوضح وعلى أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية أن توقف هذه العملية وأن تكشف هوية الطائرات وتسقطها وأن تعرف من أين يتم إطلاقها وإلى أين تعود.

عندما كانت الطائرة تحلق فوق معراب كانت العمليات الإنتحارية تحصل في قلب الضاحية وفي الهرمل وعلى طريق الشويفات وأمام السفارة الإيرانية في بئر حسن، وكان العدو الجديد لـ”حزب الله” يهاجمه في عقر داره الأمر الذي لم يحصل منذ العام 1989 تاريخ انتهاء المعارك بين “حزب الله” وبين حركة “أمل”. فلماذا مراقبة معراب ولماذا التحضير لاغتيال الدكتور سمير جعجع؟ ولماذا الإصرار على هذا الإغتيال بأي ثمن، تماما كما كان الإصرار على اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟

منذ العام 2004 غرق “حزب الله” في مغامراته الأمنية والعسكرية رفضا لتطبيق القرار 1559 محاولا أن يفعل المستحيل من أجل الإحتفاظ بسلاحه. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ حرب مستحيلة في سوريا. حرب اغتيالات وعمليات تفجير انتحارية في قلب المناطق الشيعية. أقفال هذه المناطق على نفسها بحيث بات السلاح يتعبها أكثر مما يحميها وبدل أن يدمجها بالنسيج اللبناني كله يجعلها في مواجهة معه. هذه النتائج تفترض من الحزب أن يعيد حساباته الأمنية والعسكرية والسياسية التي تبقى أبعد من القبول السطحي بحكومة المثالثة وبالتحايل على المعادلة الثلاثية وبالعودة إلى “إعلان بعبدا” وإلى الدولة التي تحمي الجميع والخضوع إلى منطق العدالة الدولية. ربما المطلوب من الحزب اليوم قرار بحجم القرار الذي اتخذته “القوات اللبنانية” في العام 1990 بالتخلي عن السلاح من أجل مشروع الدولة وبالتخلي عن حلم الوصاية الذي يحاول تجديده من نسخة العام 1991 إلى نسخة العام 2007 بعد 7 أيار. لا الشاحنة التي اغتالت الرئيس رفيق الحريري حققت الهدف من الإغتيال ولا الطائرة المحلقة فوق معراب يمكن أن تعيد عقارب الزمن إلى الوراء.

المصدر:
المسيرة

4 responses to “سرّ الطائرة فوق معراب”

  1. Elle elo 3omor mabte2tlo shedde..w ma ba3da saber ella el faraj.Allah y2aderkon wetwaslo safinet lebnan la bar el aman..le ano el 3asfe ad ma kanet 2awiye bel akher ella matentehi w tetkasar amwaja 3al sa5ret lebnan,allah ye7milna el 7akim

  2. ان الحاجز الكبير لا ولن يسقط فمن كان الله معه والقديسين لا خوف عليه ابدا مقال رائع

خبر عاجل