#adsense

زمن براءة الحداثة من دم رفيق الحريري

حجم الخط

متابعة النقل الحيّ لجلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي تقنية علاجية بامتياز، لنا كأفراد، ولنا كجماعات، في هذا البلد. النفس التي أرهقتها هستيريا الحياة «اللا»سياسية الداخلية، والذاكرة المنتفخة بتاريخ من الاغتيالات وأصناف أخرى من جرائم القتل يراد تمريرها كما لو كانت شربة ماء، تستتبع بقصيدة بكماء، واسم يطلق على شارع ليس الا، هذه النفس التي ضاقت ذرعاً من نوبات «الصعود والهبوط» المتتابعة في ايقاع العنف الأهلي وغير الأهلي بعد الحرب، غدت تجد ضالتها في جلسات المحكمة، بالانتقال الى فضاء آخر، حيث التنبه أولاً بأوّل للفاصل الذي يحول بيننا وبين الحداثة السياسية والقانونية والأخلاقية، وبيننا وبين العقل الإستدلاليّ والتحليليّ، والتنبه ثانياً الى الجسر، الذي كافح لبنانيون كثر لأجل ارسائه، بيننا وبين هذا التطبيع للكائن البشري مع نفسه في ظل الإحتكام لمرجعية القوانين، ولمنظومة إحقاق الحقوق، والذي عنوانه المحكمة الدولية لقتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وكشف المخفي واسناد المعلوم حول الحرب السرية التي خاضتها منظومة الممانعة وامتدادها الداخلي ضد مسيرة الاجماع الوطنية على استعادة لبنان كبلد قابل للحياة ومتفلت من قبضة الوصاية والقهر.

وليس أقلّ من ذلك أبداً، التنبه، ثالثاً، الى انّ قاتل رفيق الحريري ورفاقه، استغلّ هو أيضاً التقنيات الحديثة، مراقباً حركة الهدف، ومنظماً شبكة تواصله الداخلية لتنفيذ التفجير الارهابيّ، وعامداً من بعد ذلك الى اخفاء معالم الجريمة، والى محاولة قطع الطريق على التحقيق ثم المحكمة الدوليتين، وممارسة جرائم اغتيال متسلسلة أخرى ستوضح المحكمة كيفية اندراجها في السياق الاجراميّ العام لقتلة رفيق الحريري.

هي اذاً معركة استرداد الحداثة من القتلة. القتلة يقولون لنا إنه أمكنهم استغلال التقنيات الحديثة لأجل قتل رجل قاد مشروعاً تحديثياً عمرانياً انفتاحياً في البلد، والمحكمة الدولية هي عنوان أساسي للخيار الآخر: اظهار ان الحداثة يمكنها أن تسترد نفسها من براثن القاتل، وتثبت أنه مهما كانت «احترافيته» الاجرامية في تنفيذ الهجوم الارهابي، وفي متابعته بجرائم متسلسلة، وفي اخفاء معالم الجريمة ومحاولات خرق التحقيق الدولية والتحريض عليه، وصولاً حتى الى الخطط المعتمدة في مواجهة الادعاء الدولي قبل المحكمة، واكثر فأكثر مع تقدّم مسارها، انما سيظل احترافاً يعجز أمام العقل الاستدلالي، المنهجي، التحليلي، ومنظومة القانون المستندة الى الأدلة والبيّنات العلمية. لأنّ التحدّي هنا هو «علمي – تكنولوجي» بامتياز. بين «تكنولوجيا» تقتل رفيق الحريري ورفاقه، وبين «تكنولوجيا» مستعادة بجهود المحققين والقضاء اللبنانيين والدوليين، لمعرفة كيف خطط، وكيف نفّذت، وكامل خارطة الشبكة الارهابية الاجرامية التي أدارت ولا تزال، عملية اغتيال الرئيس الشهيد وتبعاتها المتواصلة.

زمن العدالة، هو اذاً زمن اعادة اعتبار الحداثة لنفسها، وتبرؤ المكتسبات العلمية والتقنية للانسان الحديث من مسلسل اجرامي من النوع الذي نكّل برجالات لبنان ومشروع الاستقلال الثاني. أن تكون المحكمة قائمة بالمراسلة في جانب ما، من خلال توكيل المتهمين لوكلاء الدفاع عنهم من بعد، فهذا، على تعقيده، باب لتعميق فهمنا لهذا البعد الأساسي في زمن العدالة: هو زمن تبرؤ الحداثة والتقنية الحديثة ممن استخدم منجزاتها لقتل رجل أراد تحديث بلده واعادة اعماره بعد الحرب، بالشكل الذي رآه مناسباً لروح العصر، ولإمكانات البلد ودوره، وهو على أي حال المشروع التحديثي التي استمرت منظومة الشرّ الممانعة في التحريض عليه بشكل أكثر ضراوة وعدوانية بعد اغتيال الرئيس الشهيد، هذا قبل أن نصحو على يوم صارت فيه سوريا بدورها شهيدة، في ظل استشراس النظام البعثي البورنو – دموي في تدمير بنيانها، الى الدرجة التي صارت فيه حاجة سوريا ما بعد البعث، وهي لا بدّ آتية، وزمن العدالة متقاطع مع زمن ثورتها، الى استلهام الرؤى التحديثية والعمرانية التي صار اسمها الحركي، في الذاكرة كما في العقل كما في المخيلة المستقبلية: رفيق الحريري.

لقد انتظرنا طويلاً كي نتابع هذه الجلسات الطويلية، والتفصيلية، والعلاجية ذات الأثر اليومي في النفوس الى درجة صار الانتظار فيه اكثر تشويقاً، لكنه في الآن نفسه أجدى وأمتع ويزرع الثقة بالنفس، كأفراد وجماعات . ومجتمع.

تسع سنوات سبقت انطلاقة المحاكمة. او قل تسع سنوات على الاغتيال. عشنا فيها زمناً انتظارياً الى حد بعيد. الانتظار لم يكن موقفاً سلبياً، كان موقفاً نضالياً بامتياز، وبضريبة دموية، وحياكة ذاكرة وطنية مشتركة، في مقابل المشروع التفجيري للكيان والهيمني على اركانه، مشروع المتغلبين، مشروع القتلة.

فهل انه الزمن الخلاصي الآن من بعد زمن الانتظار؟ نعم ولا.

صحيح ان بلدنا الصغير مهجوسٌ بشكل مزمن بـ»نهاية التاريخ»، فكم من تصوّر «خلاصيّ» تعاقب أو اشتبك بتصور مناقض له على هذه الأرض في العقود الأخيرة، وكم من مهوار وكم من خيبة.

وكم من وعد بتبديل زمن اللبنانيين رأساً على عقب قد تهافت، من يذكر «دولة العام ألفين» و»الحكم الوطني الديموقراطي» والأحلام الرديفة على يمين هذا ويسار ذاك؟ فمن أين لنا أن نرتجي، حتى، مجرّد ارتجاء، أن يحلّ فينا زمن آخر، ونعدّه فوق ذلك، زمن الحق، زمن العدالة؟

نعم، ليس ثمة شكّ ان ثمة مؤثرات ارادوية، بل خلاصية، وحتى مسيحانية او مهدوية خفية، اسندت انتظارنا لبدء المحاكمة، وتسند اليوم انتظارنا لبلوغها خواتيمها، ويمكن ان تتجاوز ذلك للحلم بعقد جديد بين اللبنانيين تحرسه العدالة وأحكامها وتبعاتها، بحيث تكون الفاتحة الى توسيع ورشة تنقية الذات اللبنانية الى حيث التأسيس لتوسيع شبكة الحقيقة سواء في النظر الى تاريخ العقود الماضية او في تشخيص الحاضر والأيام الآتية.

في الوقت نفسه، هذا الزمن لا يفهم، الا بمناقضة الزمن الخلاصيّ الآخر، الذي لا يكل ولا يملّ وهو سائر من حرب الى حرب، ومن استكبار داخلي على اللبنانيين الآخرين الى استكبار في الإقليم، والذي يخضع لمخيلة أسطورية محتقنة بالرموز والمشاهد ومساعي تطبيقها الأهوج على أرض الواقع. هذا الزمن الخلاصي الآخر يرى تعجيل علامات الخلاصات بالامعان في الكارثة. يخلط بين درء الفتنة وبين تأجيجها ومدّها بالمواد المتفجرة المستجلبة من كهوف التاريخ. يقسّم كل شيء الى طاهر ونجس، وخير وشر، ويسوغ مع ذلك حربه في سوريا بمحاكمة «التكفيريين«.

زمن العدالة قد يكون بدوره بحاجة الى مؤثرات واندفاعات ارادوية، وخلاصوية، ورؤيوية أو مهدوية، ترفده. لكنه يبقى أساساً زمن استعادة الحداثة اعتبارها في مرآة نفسها، في مرآة المتابعة اليومية لجلسات المحاكمة الدولية، والتفكيك اليومي، المنهجي، لمشروع طاووسي في «خلاصيته» الكارثية، من أجل التأسيس المنهجي، الصبور، التراكمي، لخلاص واقعي لجميع اللبنانيين، دون استثناء، ولوجوب اختتام مرحلة الصراع على الهيمنة بين الطوائف فيه، صراع القرنين الماضيين، تأسيساً لزمن الاقتناع الشامل والمتبادل بأنّه قد انتهى عهد الهيمنة الفئوية ان في لبنان أو في سوريا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل