#adsense

الرئاسة تُحوّل عون من رأس حربة إلى وسيط

حجم الخط
إقتنع الجنرال ميشال عون بأنّ وصوله إلى الرئاسة في ظل الانقسام بين 8 و14 آذار، وبين السنة والشيعة، وبين السعوديين والإيرانيين، يتطلب منه التخلّي عن دور رأس الحربة، الذي مَكّنه من مراكمة شعبيته وتثبيت حيثيته، إلى دور الوسيط… أو اللادَور عملياً…
المسيحيون عموماً والموارنة تحديداً لا يجدون أنفسهم في دور «بيضة القبّان» والوسيط بين المختلفين والمتخاصمين، لا لشيء إلّا لكونهم أصحاب دور تاريخي انقسمت حولهم الآراء والأحزاب والمجموعات بين مؤيّدين لرؤيتهم المتصلة بفلسفة لبنان ومعترضين عليها. وبالتالي، أيّ تراجع عن تشكيلهم الرافعة للقضية اللبنانية يعني استقالتهم وخروجهم من التاريخ.

فاستمرار المسيحيين في هذه البقعة من الشرق مردّه بشكل أساسي إلى دورهم المشارك في صناعة القرار الوطني، لا المتفرّج على الأحداث والخائف والمهادن، والذي يضع أولويته حماية رأسه، وإذا لم يحافظ المسيحيون على هذه الميزة فعلى الوجود المسيحي في لبنان السلام.

وإذا كان الرئيس ميشال سليمان نجح بنقل الرئاسة من الموقع الخاضع للوصاية السورية إلى الموقع اللبناني المستقِل، فالمطلوب اليوم إعادة الفرز في لبنان ليس بين 8 و14 آذار، إنما بين مَن مع بعبدا ومَن ضدها، وذلك باستعادة دورها التاريخي حين كانت المدافع الأول عن سيادة لبنان واستقلاله ومنظومة قيَمه والضامنة للفكرة اللبنانية.

وإذا كان من غير المقبول إعادة إخضاع بعبدا للوصاية، غير وصاية الدستور كما قال الرئيس سعد الحريري، فإنه من غير المقبول أيضاً إخضاعها للترهيب والتخويف وجَعل أقصى طموحها تدوير الزوايا وتأدية دور الوسيط، ومَن يريد في هذا السياق استنساخ التجربة الجنبلاطية التي لا تشبه الزعيم كمال جنبلاط ولا تاريخ الدروز ولا الموارنة، فليستنسخها في حزبه وتياره، لا في بعبدا التي يجب أن تؤدي دور القاطرة الوطنية لا المقطورة.

فالرهان على بعبدا هو لتجعل الدفة تميل الى مصلحة الخيار السيادي، وليس ليقتصر دورها على التوفيق بين «المستقبل» و»حزب الله». فبعبدا ليست جسراً بين السنة والشيعة، أو «المستقبل» والحزب، إنما هي جسر عبور إلى معنى لبنان ودوره.

وأمّا على مستوى الجنرال عون فلا يجوز أن يُسخِّر كل شيء في سبيل الرئاسة التي يحوّلها تارة إلى معركة في مواجهة المحور السوري، وطوراً الى معركة إلى جانب هذا المحور، وأخيراً إلى معركة للتوفيق بين المحاور، الأمر الذي يطرح جدياً كيفية التعامل مع هذا الرجل الذي يتحوّل بين ليلة وضحاها من رأس حربة في مواجهة «المستقبل»، إلى دور الوسيط بين الضاحية و»بيت الوسط».

فأيّ مشروع يحمل عون لرئاسة الجمهورية؟ مشروع السيادة والاستقلال بين عامي 1988 و2005؟ أم مشروع التحالف مع «حزب الله» منذ العام 2006 والدفاع عن سلاحه ومقاومته؟ أم مشروع الوقوف على مسافة واحدة بين «المستقبل» والحزب؟

ومَن قال إنّ هذا المشروع سيصمد ولن يستبدله بعد الدخول إلى القصر الجمهوري بمشروع آخر؟ وبالتالي، المشكلة الأساسية مع الجنرال ليست متأتية من تمثيله المسيحي الفعلي، إنما هي مشكلة مزدوجة: الانقلاب على خياراته لا فقط تحالفاته، والعجز عن تصوّر ردّ فِعله أو تقدير طبيعته لدى استلامه السلطة.

وأما لجهة «المستقبل» فالمطلوب من تكتّله النيابي ورئيسه تسجيل موقف واضح ينفي فيه جملة وتفصيلاً كل الكلام عن اتفاق سياسي رئاسي بينه وبين «التيار الوطني الحر»، لأنه إذا كان مناورة لإرباك «حزب الله»، فالجنرال أكد أن انفتاحه على «المستقبل» تمّ بعِلم الحزب، وإذا كان رسالة الى «القوات» رداً على رفضها الدخول في الحكومة، فإنها رسالة في غير محلها. أمّا إذا كان الانفتاح جدياً فيعني أنّ على 14 آذار السلام، ولا يبدو أن «المستقبل» في هذا الوارد، ولذلك التوضيح واجب… وعلى جناح السرعة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

One response to “الرئاسة تُحوّل عون من رأس حربة إلى وسيط”

خبر عاجل