يسجل الاهتمام الدولي والعربي بالوضع اللبناني تراجعاً محزناً. حتى أنه بلغ أدنى درجاته. بل صار الموضوع اللبناني مُستهلكاً، سياسياً وإعلامياً. ولولا الحوادث الأمنية التي تحصل بين يوم وآخر لكان اسم لبنان غاب عن الصحافة العالمية وعن شبكات التلفزيون، وعن اللقاءات السياسية التي تجمع رؤساء ومسؤولين كباراً في عاصمة وأخرى.
وصل لبنان إلى هذا الدرك لأنه بات في حساب معظم زعمائه لا يساوي أكثر من حقيبة وزارية، وقد أثبت هؤلاء الزعماء هذا الواقع بالبرهان من خلال تعاملهم مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وتمام سلام، حين كانا يحاولان إرضاء الجميع لإخراج التشكيلة الحكومية من شبكة الدوائر والزوايا.
وإذا كانت هناك عبرة مما جرى، فهي أن معضلة لبنان باقية ومستمرة، وهي معضلة وُلدت مع ولادة الكيان اللبناني الذي تشارف ذكرى مئويته الأولى بعد ست سنوات، أي في العام 2020.
ما من وطن في العالم اكتسب ما اكتسبه لبنان من أوصاف وشعارات. وإذ يراجع باحث مجلدات الصحف ودواوين الشعراء، يكتشف أن هذا الوطن «معجزة» الجغرافيا والتاريخ. لكن الأعجوبة هي أنه لا يزال صامداً يقاوم الزلازل والأعاصير التي تهب عليه من حوله، ومن بُعد.
وإذا كان يحق للمواطن اللبناني أن يقدم نفسه على أنه من وطن الاستقلال والحرية والكرامة والثقافة والجمال والإبداع، فمن حق مواطن من بلد آخر أن يسأله: ماذا فعلتم بوطنكم؟
أسهل الأجوبة وأسرعها عن هذا السؤال يأتي السؤال الآخر. وهو: ماذا فعل الآخرون بلبنان؟… و «الآخرون» هم الحكام السوريون، وبعض العرب، وفي مقدمهم قادة وأفراد من منظمات فلسطينية. أما الأعداء فإنهم في خانة أخرى، وأولهم إسرائيل وأميركا، وسواهما من دول الهيمنة والاحتلال من بُعد، وآخرها إيران.
لكن المسؤولية الأولى تبقى على اللبنانيين الممثلين بقيادات ذهبت بهم، وبلبنان، إلى عواصم القرار، وإلى مصادر المال، والسلاح والنفوذ. فمنذ أن فقد لبنان قراره الوطني فقد استقلاله ودوره وسيادته، وفقد خصوصياته السياسية والاجتماعية والمدنية، ثم بدأت تتداعى ركائز إمكاناته الاقتصادية والصناعية والزراعية، ثم بارت مواسمه السياحية والفنية، وهاجرت نخبه العلمية من مختلف المهن الحرة، كما توزعت عائلاته بين أقطار الاغتراب في دول الخليج العربية، وفي مغارب الشمس وأقاصي الأرض، شرقاً وشمالاً وجنوباً، كأنما لبنان عاد إلى مطلع القرن التاسع عشر في زمن الجوع والعوز.
لم يعد أمراً يهم اللبنانيين إن استقالت حكومة أو تألفت حكومة جديدة طالما أن القرار الوطني مجزّأ ومرهون لدى أوصياء ووكلاء خارج البلاد.
هناك كلام صريح ومهم قاله الطيب الذكر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، لرئيس جمهورية لبنان، الطيب الذكر أيضاً، الياس سركيس، وكلاهما صار في عالم الرحمة.
كان اللقاء بين الرجلين في إطار ما سمّي «القمة العربية» التي اجتمع أقطابها في بغداد بين 27 و29 آذار (مارس) 1979. يومها دعا الشيخ زايد الرئيس سركيس إلى غداء خاص في مقر إقامته في ضاحية راقية من العاصمة العراقية التي استضافت قمة لم تلتئم، لأن مصر لم تتمثل فيها، وكان رئيسها في ذلك الزمن أنور السادات، الذي ارتكب خطيئة لا تُغتفر بزيارته دولة إسرائيل في القدس المحتلة، وهي الزيارة التي سبقت عقد اتفاقية «صلح وسلام» بين مصر وإسرائيل.
وإذ كلفت تلك القمة وفداً من أقطابها للسفر إلى القاهرة في محاولة لإقناع السادات بإلغاء الاتفاقية التي سمّيت «اتفاقية كمب ديفيد» مقابل عروض باهظة من المساعدات العربية لمصر، فقد رفض السادات مسبقاً استقبال الوفد الذي عاد غاضباً.
في فسحة الفراغ بين سفر وفد القمة إلى القاهرة وعودته من مطارها، تم الغداء الثنائي بين الشيخ زايد وإلياس سركيس، وكان الطبق الرئيس فيه كلاماً من الرجل الذي كان يحب لبنان كأي مسؤول عربي يحترم سيادة الوطن الصغير وكرامة شعبه.
قال الشيخ زايد ذلك الكلام الصريح الذي لم ينشر:
«أنا كنت أفضّل لبنان على كل بلدان العالم لتمضية فترة من فصل الصيف كل عام. كنت أنزل في بلدة «حمانا»، ومنها كنت أذهب بين وقت وآخر إلى «بحمدون»، نزولاً إلى «عاليه»، أو صعوداً نحو «صوفر»، وفي طريقي كنت أقرأ لافتات مثبتة على شرفات بعض البيوت، وكانت العبارة المكتوبة واحدة: شقة للإيجار».
كان الرئيس سركيس متربعاً على الأرض، كما الشيخ زايد قبالته، وبينهما الطعام الذي كان كثيراً ومتنوعاً، ولم ينقص إلا القليل القليل منه.
وإذ توقف الشيخ زايد عن الكلام راح يهز رأسه آسفاً ثم قال لسركيس:
«يا أخ الياس… اللي بيكتب على باب داره كلمة «للإيجار» يلاقي مين يستأجر»!
ثم أردف، وهو يؤشر بسُبابته: «وهذا ما فعلتموه أنتم ببلادكم…».
كان الياس سركيس يعاني من بحة دائمة في صوته، وقد أطرق صامتاً، متأثراً بما سمع، وتمهل قبل أن يقول للشيخ زايد:
«لا أظن أن سموّك تحمّلني مسؤولية ما جرى للبنان خلال ثلاث سنوات مضت (1976 – 1979)». وأضاف: «أنا تسلمت بلداً متفجراً، ومنذ أن أقسمت اليمين أحاول أن أسترد للبنان أمنه وحريته ودوره، ولذلك جعلت شعاري «الأمن قبل الرغيف».
وأردف الياس سركيس بصراحة وشجاعة: «أنا أملك لقب الرئاسة، ولكنني لا أملك كامل سلطة اتخاذ القرار الرئاسي لدولة مستقلة، فالدولة اللبنانية في وضعها الراهن غير مستقلة».
ولفت سركيس الشيخ زايد إلى القرار الذي اتخذه الأقطاب العرب في قمة الرياض (1976) يوم وافقوا على تشكيل «قوات الردع العربية» لفرض الأمن والاستقرار على لبنان، وكانت الحصة الكبرى فيها لسورية، وكانت لدولة الإمارات حصة كسواها من دول الخليج، لكن خطة القيادة السورية نجحت بإخراج كل القوى العربية من لبنان لتبقى وحدها المسيطرة، فصادرت قرار الدولة اللبنانية، ووضعت يدها على مفاصل السلطات السياسية والأمنية والإدارية والاقتصادية، وتحكّمت بمواقف معظم رجال السياسة والأحزاب والجمعيات الأهلية والنقابات، وخصوصاً النقابات العمالية.
لم يشأ الياس سركيس في ذلك اللقاء مع الشيخ زايد أن يصارحه بأنه هو، شخصياً، لم يكن ليصل إلى رئاسة الجمهورية لولا وجود القوات السورية في لبنان بموافقة واشنطن وموسكو.
صحيح أنه فاز بأصوات كتلة «النهج الشهابي» التي كانت تمثل الأكثرية في مجلس النواب، لكن الصحيح أيضاً، بل الأهم، هو أن ذلك المجلس ما كان ليلتئم بأكثريته خارج مقره الرسمي لولا حماية قوات الردع السورية التي أمّنت الطريق للنواب المدعوين إلى الانتخاب في «قصر منصور» قرب المتحف في بيروت.
القيادة في دمشق هي التي كانت قررت تعيين موعد انتخاب رئيس الجمهورية قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية الرئيس السابق سليمان فرنجية، الذي أُرغم على مغادرة قصر بعبدا إلى مركز بلدية «الكفور» على ساحل كسروان.
في ذلك اليوم (8 أيار – مايو 1976)، كان الياس سركيس في الطابق السفلي من فندق «كارلتون» في بيروت يتابع مع بضعة أصدقاء مجريات جلسة انتخابه رئيساً عبر الإذاعة. كان يذرع الفسحة شابكاً ذراعيه خلف ظهره، وعندما أُعلن فوزه صفق أصدقاؤه وبقي هو متابعاً خطواته البطيئة، وكأن الفائز الذي سمع اسمه رئيس لجمهورية «جزر القمر».
لم يتمكن الياس سركيس من حماية سيادة الجمهورية اللبنانية، لكنه امتلك من القدرة على الصبر حتى تمكن من تسليم الرئاسة في موعدها الدستوري عام 1982. ولعله في تلك اللحظة شعر بالفوز.
38 سنة بين عامي 1976 و 2014. هل تغير الوضع اللبناني؟
وهل تمكن لبنان من فسخ «عقد الإيجار» وتعطيل جميع أحكامه؟
سؤال تتضارب الأجوبة عنه، ويبقى مسلسل «الوضع اللبناني» مستمراً.
والله مقاله كتير مهمة والله يرحم هيديكي الأيام كانت خير وبركة اتذكرنا الرئيس سركيس
Nation for rent is a great article to be read by the Lebanese Leaders. Only I would like to note that the mentioned election took place in 1976 in Chtaura- Bekaa Valley.