ككل عام، نُمشح بالرماد، يطبع الصليب على جباهنا، وندخل زمن الصوم… يبدأ الانسان منا بالتذكر أنه من التراب والى التراب يعود… يعود لو أن المسيح لم يقم… ولكن ننفض عنا التراب ونكلل هذه المسيرة بالرجاء لأن مسيحنا غلب الموت بالموت…
فعل الصوم قاسم مشترك عند معظم الاديان وليس بميزة أو إبتكار مسيحي. ولكن المسيح الذي كان قدوة في ممارسة الصوم، كما حوّل مفهوم علاقة الانسان بالله من خوف الى مخافة ومن سطوة الى أبوة، كذلك جعل من الصوم أداة لا غاية بنفسها.
حرر المسيح مفهوم الصوم الذي كان لردع غضب الالهة، الصوم المجبول بالتجهم والتأفؤف, معه أصبح مساحة صفاء للاختلاء بالذات والغوص في الاعماق والارتقاء الى الله، “وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (إنجيل متى 6: 16-18). كما جعل من الصوم اداة لخدمة الانسان وسلاحاً لبناء ارادته والتغلب على التجارب “هذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ“ (إنجيل متى 17: 21؛ إنجيل مرقس 9: 29).
وأدخل المسيح ثورة في مفهوم الصوم في عصره، منتفضاً على الفريسيين. “يا مراؤون حسنا تنبأ عنكم إشعيا قائلا “يقترب إلي هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيدا وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. ثم دعا الجمع وقال لهم: اسمعوا وافهموا: ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان”. متى (15: 7 -11). وهذا لا ينقض مفهوم الصوم عن الطعم الذي مارسه المسيح بذاته، ولكن يجعل منه الوسيلة لا الهدف.
الصوم تدرج بالايماتات كل حسب وزناته، قد يكون أفعالا بسيطة نابعة من رغبة حقيقة وهي كفيلة أن تتفوق بفعل حب الله على أفعال جبارة أحياناً. فالله يبحث في الاساس عن قلبك لا صومك. فلو أطل علينا الرب يسوع في هذه الالفية لتخايلته يسألنا بكل بساطة:
أصائمون عن تلف ساعات العمر أمام شاشة التلفاز، فتكرسون القليل للتأمل والغوص في سير ابائكم القديسين؟!
أصائمون عن إدمانكم على ادوات التواصل الاجتماعي، فأنا لست ضد الـFacebook أو WhatsApp، ولكن هل تتخلون عنها قليلاً لتتواصلوا مع بعضكم وتعيدوا للعائلة روحها، فتصغوا لبعضكم وتتقاسموا همومكم، وتنشروا البسمة والسعادة في ما بينكم؟!
أصائمون لبعض الوقت عن هاتفكم الخلوي، وأيضاً لست ضده، ولكن بعضكم يبدّيه علي خلال الذبيحة الالهية. انا أكون متشوقاً للقياكم، وانتم تتلهون بهواتفكم؟!
أصائمون عن نوبات الغضب التي تجتاحكم لمجرد تفصيل صغير يعترض سيركم على الطريق؟! فتتحول سياراتكم بركان كفر وسباب؟!
أصائمون عن عنجهيتكم القاتلة؟ أتعملون على ترويض جموح الانا فيكم، فتتذكرون ان تلقوا السلام على من تلتقونه، بعيداً عن الحقد والنميمة، وتذكرون قول أجدادكم أن “الصباح لـ الله”؟!
خمسة أسلحة تنصحكم بها أمي في مديوغوريه، للتصدي لصعوبات هذا الزمن: “الصوم، والمسبحة والاعتراف، وقراءة الانجيل، والمشاركة في الذبيحة”. وأنا أضيف مكرراً كما قبل ألفي عاماً: إني أبحث عن قلوبكم، ولا أريد منكم سوى أن تتنفسوا محبة، وتبضوا بالمحبة، لا شيء سوى المحبة…
Amen