كتبنا ذات مرة على يافطة “ارحل”، ووضعنا تحت الكلمة صورة رئيس البلاد المكاوم انذاك. كانت أيام مجد لا تنتسى. كان رحيله ضرورياً لتعود الينا كرامة البلاد. قلنا له ارحل حين كان مشغّلوه في نظام بشار الاسد، يقتلوننا في قلب بيتنا، وعندما حوّلوا البيت الى معتقلهم يملأونه من أحرارنا ومقاومينا، وهو كان يضحك لهم ويسبح معهم في حمّام دمنا ولم يبال! صرخنا في وجهه “ارحل”، وفعل ورحل بعدما كان أصبح وحيداً في القصر، لا سفيراً يزوره، لا رئيساً يلقي عليه تحية من بلاده، لا وفوداً ترسم بسمة على القصر العابس المتجهّم من فرط العبودية، والتاريخ سيكتب كل هذا.
لم يشهد موقع الرئاسة من بعد الراحل الياس سركيس (مع اختلاف الظروف بالتأكيد)، والرئيس الشهيد بشير الجميل، رئيساً كالعماد سليمان، جعل من الكلمة الموقف أبرز سلاح حق يُشهره في وجه من يحاول تحجيم موقع الرئاسة، وبالتالي حجب دور رئيس البلاد ليكون كمن سبقه، مجرّد ناطق بلسان الاحتلال. وهذه خطيئة كبيرة تقارب الجرم بالنسبة لحزب السلاح وأعوانه وإعلامه وحلفائه والناطقين السياسيين وغير السياسيين باسمه.
لا يبالي الرئيس سليمان بالرغبات الدفينة الخاصة لكل حزب في لبنان، اذ ينظر الى الامور من منظارها الوطني العام، ويتخذ مواقفه بناء على ذلك. طبعاً هو أمر لا يعجب من يريد أن يحوّل مقام الرئاسة الى كرسي استعباد، شي يشبه الرئيس المكاوم ما غيره، هذه الصورة النمطية التي اعتادها هؤلاء والتي يسعون جاهدين لتكرارها.
حتى الآن، عجز حزب السلاح عن تطويع الرئيس الذي تمايزت مواقفه خصوصا في السنتين الاخيرتين بالنبرة العالية، بحيث ما عاد الرئيس ينام على ضيم حين يشعر أن الوطن صار عند الهاوية تماماً، بفضل حزب حوّله الى ممر للارهاب من ناحية، والى دويلة تزرع الخراب في الجمهورية من كل النواحي.
بالنسبة لحزب السلاح الرئيس خان خطاب القسم، علماً انه وحين ضمّن خطابه تلك الثلاثية، اعتبر انذاك ان “المقاومة” كانت حاجة في وقت معين، لكن البلاد الان يحتاج الى استراتيجية دفاعية حقيقية تستفيد من هذه المقاومة وكل الجهود، لتدعيم قوة الجيش وتوحيد هذه القوى ليصبح الدفاع عن الوطن من مسؤولية الجيش وحده، وعلى فكرة، أليس من يوافق بداية على اعلان بعبدا فوق طاولة الحوار ما غيرها، ثم يعلن وبكل وقاحة أن “بلّو الاعلان واشربو ميتو” اليس هو الخائن؟!
ثم بالمناسبة، أي مقاومة يجب أن يسكت الرئيس عن أفعالها، مقاومة 7 آيار المجيد، أم مقاومة من قتل الضابط الشهيد وسام حنا؟ أم من افتعل حرباً ضروساً كحرب تموز وهو لا يعلم، أم من توّرط في دماء الرئيس الحريري وشهداء ثورة الارز، أم وأم وأم…
أم المقاومة اياها التي رفست وبسخرية واستخفاف كل مقومات الجمهورية وقرارات الحكومة، وتحدّت سياسة النأي بالنفس لناحية الثورة السورية، وأغرقت البلاد بالارهاب والدماء والشهداء والخراب بسبب تورطها الدموي بدم الثوار والاطفال في سوريا؟!
لم يعتد هؤلاء رئيساً يرفع الرأس والجبين عالياً ليقول لهم لا وكفى، ويواجه بالفم الملآن والموقف الوطني الواضح، ذاك الخراب المنهمر علينا جحيماً. حتى نحن كنا بدأنا ننسى كيف يتزيّن رئيس البلاد ببذة الكرامة تلك، والكرامة هي عمر الاخلاقيات وقلبها، والاخلاق هي عمق الايمان ولا تهم الطائفة. لا يعرفون كل هذا ولن يعرفوه مدى العمر، لأن من يدعم نظاماً مجرماً لا يمكن أن يرى ضوء المحبة والعنفوان في الضفة الاخرى. هذه هي، يقف الرئيس الى تلك الضفة الاخرى ونحن معه. هذه هي “الخيانة الاخلاقية” التي يرتكبها رئيس البلاد، حماية كرامة لبنان ونحن سنبقى نرتكب معه هذه “الخيانة” الاخلاقية العظمى.
طبعاً بالنسبة اليهم الرئيس ما عاد صالحاً للبقاء في قصر بعبدا، فالكرسي تغيّر، تغيّر عليهم كثيرا، عاد له لونه الاحمر القرمزي القاني، عاد وزنه ثقيلاً بحمل أثقال البلاد وليس خفيفاً كحمل العملاء الذين أتعبوه طويلا بخفّتهم وفراغهم. يجب اذن أن يرحل ذاك الرجل، كي يعود الى الكرسي مجد الذل!
لا شك ان المعاناة أخذت هؤلاء الى البعيد البعيد، هي نوبات الغضب والتعصيب والكراهية التي لا تقتل الا أصحابها، فمن يقول إن رئيس البلاد هو الخشب، لا يعرف أولاً انه ان كان كذلك، فالسيد المسيح صُلب على خشبة وتحولّت نصال الخشبة الى ايقونات توزّع على المقهورين في العالم كله ومن كل الطوائف، ولبنان بفضلهم وبفضل الانظمة المجرمة التي يدعمون، ما زال مصلوباً على خشبة، وهذا امتياز من المصلوب لارض القديسين والشهداء، لنشهد معه وله على القيامة. طبعاً هذا كلام كبير على من جعل من الوطن انشودة ضعيفة صغيرة بحجم ما يكتبون ويفعلون.
في لبنان ليس وحده الاعتداء الاسرائيلي ينتهك القلب والعمر والحدود، ثمة انتهاك أعنف وأخطر، النظام السوري، ثمة انتهاك بعد أبشع من الاثنين معاً لانه نابع من قلب هذه الارض، حزب السلاح. الى أي أرض ينتمي؟ من يكتب عنه بإسمه بقلمه بسلاحه ويقول اننا عملاء لاميركا واسرائيل، ويرمي رئيس البلاد في الخانة اياها، لمجرّد أنه يرفض أن يرفع غير علم لبنان فوق الارض، وان كانت مستباحة، لكنه بالمستحيل يخترق الاستباحات ليغرز الكرامة، هؤلاء الى أي أرض ينتمون، من شهداؤهم، ما هي قضيتهم، ما هو علمهم…
بكل فخر نرفع صورة الرئيس سليمان فوق صورة الوطن، ومن لا يتحمل لبنان تحت شرف الكرامة، فليحمل ذلّه معه وليرحل الى أرض العبيد، فلنا وللرئيس مساحات الحرية التي ولو كانت زنزانة فلا حدود لها الا الفضاء وعيون الله…

مهما اشتدت الرياح
فسنظل شامخين في وجه الأعداء
مهما أشتدت المعاصي