
كتب علي الحسيني في “المستقبل”: توصف المرحلة الحالية التي يمر بها “حزب الله” بأنها من أصعب المراحل منذ تأسيسه ولغاية اليوم، لدرجة أنه أصبح يستعطي فيها أو يستجدي اللبنانيين شرعيّة مقاومته بعدما كان اكتسبها لسنوات خلت بفعل إنجازات كان حققها على جبهات القتال في الجنوب اللبناني قبل أن تعود بندقيته وتنتقل الى الداخل في زمن أسود ما زال لونه راسخاً في أذهان اللبنانيين.
سقطت مقاومة “حزب الله” داخل الوطن قبل أن تعود وتسقط خارج حدوده، ولم يعد الحزب العقائدي قادراً على إقناع شركائه في البلد حتّى بإدراج اسم “المقاومة” ضمن بيان وزاري، ما يعني أن مقاومته هذه أصبحت عبئاً على البلد بأكمله بكل أطيافه وتلاوينه السياسية والمذهبية، وأن العودة الى زمن كان يفرض فيه الحزب قراراته بالقوة أصبحت مستحيلة إن لم تكن من عاشر المستحيلات وأصعبها.
ويصح القول أيضاً إن حجج الحزب اليوم قد وهنت وضعفت لكثرة إفراطه بها واستهلاكها بحيث لم يعد قادراً على إقناع جمهوره بصوابية قراراته لا في السياسة ولا حتى في العسكر، وما يُعانيه الحزب في هذه المرحلة مع هذا الجمهور يُترجم على أرض الواقع من خلال رفض الأهالي الكُلّي إرسال أولادهم الى جبهات الموت في سوريا، والآباء والأمهات الذين يقفون بالطابور على أبواب المراكز الأمنية والسياسية التابعة لـ”حزب الله” منتظرين دورهم للسؤال عن أبنائهم خير دليل على أن هذا الجمهور لم يعد يثق بقيادة هذا الحزب ولم يعد أيضاً يأتمنها على حياة أبنائه المغرر بهم.
الحاج حسين حمود، الرجل السبعيني، عيّنة من البيئة التي ما عادت تؤمن بمقاومة الحزب ولا بالنهج الذي يسير عليه بعد أن ضلّل بوصلة مقاومته وحرفها الى الداخل السوري، “لم أحصل على جواب شافٍ منذ أكثر من ثلاثة أشهر عن ابني الصغير يوسف، طلبت منهم أن أحدثه فقط عبر الهاتف لكي نطمئن أنا ووالدته واخوته عليه لكن من دون جدوى”. ويُخبر الرجل العجوز عن العديد من القصص التي تُشبه قصة ابنه الصغير ولذلك يخشى أن يأتي يوم ويعود فيه فلذة كبده مُحمّلاً داخل صندوق خشبي “مثلما عاد عدد كبير من رفقاتو، يا ويلي على هيديك الساعة”.
ومن بين بيئة الحزب وجمهوره هناك من يسأل على الدوام عن سبب إقحام المسؤولين الكبار في الطائفة الشيعية بالشباب الشيعي في كل الحروب سواء في لبنان أو الخارج ويتذكر هؤلاء حرب المخيمات و”حرب الأشقاء” بين الحزب وحركة “أمل”، ومنهم مَن يسأل أيضاً عن سبب عدم الدعوات في الماضي الى الجهاد لاسترجاع الإمام السيد موسى الصدر على سبيل المثال، أفلا يستأهل هذا الرجل الوطني الكبير برأيهم القيام بخطوات معينة بينما يستوجب القيام بها للإبقاء على بشار الأسد على كرسي الرئاسة، الأمر الذي يعني بالنسبة اليهم أن القضيّة التي يحملها الحزب اليوم أصبحت مُسيّسة، وأن دماء الشُبّان الذين يسقطون كل يوم في سوريا هي في رقبة كل شخص أيّد هذه الحرب ووقّع قرار الدخول فيها.
ويكتمل رفض الأهالي مشاركة أبنائهم في الحرب السورية مع والد الشاب العشريني داني ب. الذي غادر منزله منذ أسبوعين تقريباً من دون أن يُخبر أهله عن وجهته، إلى أن علموا من رفاقه أنه موجود على الجبهة في سوريا، “والله العظيم أنو أبني ما بيعرف يستعمل السلاح ولا بعمرو تدخل بهيك أمور”، ويقول الوالد إنه وابنته اضطروا الى الكذب على والدته وإخبارها بأنه سافر الى قبرص مع مجموعة من أصدقائه بالسر لعلمه بـ”أننا سنرفض”، إلا أن الوالدة لم تصدق خصوصاً أن شعوراً يُحدثها منذ غياب ولدها أن مكروهاً ما قد أصابه.
يُخبر أحد أصدقاء داني أنه منذ شهرين تقريباً دعاه أحد المسؤولين في “حزب الله” ضمن المنطقة التي يسكنها للذهاب معه الى مكان ما وبعد ساعات ثلاث من غيابه عاد داني الى المنزل من دون أن يُخبر أي شخص، وبدت عليه علامات التأثر الشديد، إلا أنه لم يُخبر أي شخص حول طبيعة مرافقته للمسؤول الحزبي، لكن في الليلة ذاتها تسلّمت عائلة أحد أقربائه خبراً يُفيد عن مقتل أحد أبنائها في سوريا وبعد عمليّة الدفن أخبر داني صديقه بأنه ذهب مع المسؤول الى مستشفى “الرسول الأعظم” وقد شاهد هناك جثّة قريبه مقطّعة فأقسم في تلك اللحظة على الانتقام له من “الكفّار” في سوريا.
جملة واحدة أرسلها داني الى صديقه عبر “الواتس اب” بعد محاولات عديدة قام بها الأخير للاتصال به، “طلبوني وما قدرت قول لأ”.
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ