لم يكد ميشال عون يصدّق نفسه بأنّه الرئيس “الوسطي” المقبل لرئاسة الجمهوريّة، حتّى جاءته الضربة من حيث لم يتوقّع. من حليفيه: بشّار الأسد الذي استعجل إعلان رغبته في وصول رئيس “ممانع”، ومن “حزب الله” الذي أوعز إلى وسائطه الإعلاميّة فتح حملة دعم عون، بمقالات وترويجات وتقارير.
لم ينتبه الثلاثة إلى الحكمة القائلة: ” من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”.
وحسناً فعلوا في كشف نيّاتهم، كي تنقشع عن عيون الآخرين غمامة الخدعة التي تمّ تكليف عون تسويقها عبر طرح نفسه كواسطة ربط وحوار بين “حزب الله” ومرجعيّته من جهة، و” وتيّار “المستقبل” ومَنْ إلى جانبه ووراءه، من جهة أُخرى.
في الأساس، لم تخدع هذه الخدعة أحداً، لا في تيّار “المستقبل”، ولا في “14 آذار”، ولا في باريس والرياض وواشنطن وسائر مرجعيّات العالم الحرّ المناقض لما يُعرف ب”جبهة الممانعة والمقاومة”.
وقد جاءت الذكرى التاسعة ل”14 آذار” كي تُثبت متانة الأسس التي تنهض عليها هذه الحالة الاستقلاليّة التاريخيّة، خلافاً لكلّ الرغبات في شقّها وشرذمتها، وبرغم كلّ المناورات قبل تشكيل الحكومة وخلاله وبعده، وفي لعبة الكلمات المتقاطعة حول بيانها الوزاري.
ومَنْ يقرأ جيّداً بين سطور لقاء سعد الحريري – ميشال عون إلى مائدة الأوّل في باريس، بعد هرولة الثاني لاحساً كلّ شتائمه وتحريضه واتهاماته وحقده، يدرك ميزان الربح والخسارة بوضوح:
فليس في الحساب السياسي شيء خسره الحريري، لا في الثوابت ولا في الأهداف، ولا في الالتزام أو التعهّد بموقف ما في الاستحقاق الرئاسي. وقد تكون الخسارة الوحيدة في الشكل، من خلال مأخذ حلفائه على سريّة اللقاء ومحاولة التستّر عليه. وقد كانت الثقة العميقة في أسس التحالف وأهدافة كفيلة بتجاوز المأخذ إلى آفاق أعمق وأصدق.
الحساب السياسي نفسه يكشف مدى الخسارة التي لحقت بعون، وهي أشدّ أذى لأنّها داخل بيته.
ولم يعد ممكناً التستّر على حالة الاستياء الشديد داخل تيّاره من انزلاقه وراء الذين بنى خطابه السياسي على أبلستهم وتخوينهم و”تكفيرهم” وإدانتهم ب”استحالة إبرائهم”.
وفي صفوف الناقمين مَنْ يربطون بين تحوّل عون سابقاً للتحالف مع النظام السوري وسلاح “حزب الله” رغم عدائيّته لهما، وبين تهافته الراهن نحو تيّار “المستقبل”. ويقولون إنّه لا يعتمد مقياساً سياسيّاً وطنيّاً في تحالفاته، بل إنّ مقياسه الوحيد هو الانتهازيّة لبلوغ السلطة على حساب المبادىء.
ولا يملك عون وبطانته حيلة أو حجّة لمواجهة هؤلاء واحتوائهم سوى القول إنّ كلّ الاحتجاجات والنقمات ستسقط حين يدركون أنه واصل حتماً إلى كرسي بعبدا!
يحاول أن يغريهم ويُغويهم مرةً أخرى بوعد هوائي لا يملك منه بين يديه سوى الأمنية الحارقة.
أمّا الذين يراقبون حركة الريح السياسيّة برأس بارد، فيعلمون أنّ فرصة عون في الوصول إلى الرئاسة محكومة بقدرته على فكّ التحاقه غير المشروط بالمشروع الذي ينفّذه “حزب الله”. وليس وارداً في أجندا أيّ طرف سياسي معني بالاستحقاق الرئاسي، في الداخل والخارج، القبول به رئيساً إذا لم يسحب توقيعه عن ورقة “التفاهم” في نصّها على “قدسيّة” السلاح غير الشرعي وعدم ربطه بأيّ مدى أو ظرف.
فهل يستطيع هذا الطامح الدهري أن يفكّ هذا العقد الملزم، وهذه القيود عن يديه وقدميه؟ وهل “وسطيّته” المستجدّة والصوريّة تستطيع التحرّر من مكلّفيه الذين يزدادون تشدّداً، كما فعل “حزب الله” في رفضه المفضوح والفجّ لمرجعيّة الدولة، وكما فعلت إيران في رفضها خطاب وزير الداخليّة في المغرب ومحاولة سفيرها دقّ إسفين بين الوزير المشنوق والرئيس سلام والرئيس سليمان؟
ساعتئذٍ، لا يعود عون حجراً في بناء “8 آذار” أو جسماً ملحقاً بـ”حزب الله”، بل يعود جزءاً من “14 آذار” كما كان في البداية، ولو مكرهاً وعلى مضض.
ولكنْ، مَنْ يضمن عدم قفزته من جديد إلى حضن “8 آذار” بعد تحقيقه الحلم الرئاسي؟ ألم يفعل ذلك غير مرّة؟
واحدة سنة 1990 في شنّه حرباً تدميريّة في البيئة المسيحيّة لإرضاء حافظ الأسد لعلّه يختاره رئيساً.
وثانية سنة 2005 بعودته إلى بيت طاعة النظام وغلبة السلاح، لعلّهما يفرضانه رئيساً.
والثالثة، رقصة على الحبال الآن، وفي توهّمه أنّه من حبل إلى حبل يصل إلى بعبدا!
فمن يكفل عدم سقوط البهلوان في أيّ لحظة؟
تلهّف حلفائه عليه لم يُمهله كي يتابع تكليفه مهمّة الرقص. أسقطوه من فرط محبّتهم. ومن الحبّ ما قتل.
أمّا خصومه، فيجلسون بهدوء على ضفّة النهر.
alrajol ghaawi khyaana, laqd rada3ahaa m3 al7aliib minz tfoulatih …