الجنوب اللبناني ذو الأكثرية الاسلامية الشيعية والتاريخ القائم على التعدد والحرية والتضحية والصبر في طريق الحق والحقيقة وفلسطين، والمصرّ على المواطنة والاندماج، وأفضلية الدولة على الدويلات، والوحدة على التجزئة، والتنازل على الاستئثار، والمطالبة بالحقوق والإصرار عليها، الى أن تصبح الدولة ومؤسساتها في خطر.. فتؤجل المطالب لصالح سلامة الدولة ومؤسساتها، كما فعل الإمام السيد موسى الصدر ممثلاً لأهل الجنوب وللشيعة في لبنان وبلاد العرب، في مسلكه الحكيم، عندما قام بحركة المطالبة بحقوق المحرومين، من الشيعة وغيرهم، الى أن كانت الحرب وأصبحت الدولة ومؤسساتها، وخاصة الجيش، في خطر.. فصرف الإمام الصدر نظره عن المطالب، أو أجّلها، لأن هناك أولى منها، وهي على كل تقتضي وجود دولة قوية يطالبها صاحب الحق كجهة قادرة على تحقيق المطالب.. ولم تعوزه الشجاعة، ولا تأييد محبيه (الأكثرية الساحقة) في إعلان حرصه على الدولة والسعي مع شركاء عقلاء من كل الطوائف، لإيقاف الحرب من أجل استعادة الدولة وعودتها.
هذا الجنوب، ومعه الشيعة عموماً على مساحة الوطن اللبناني، أخذوا منذ سنوات يظهرون كلون واحد، أو لون غالب على ألوان مغيبة لا غائبة.. ما بدا وكأنه تنصل أو انقطاع عن سيرة الجنوب والشيعة، وبقائهم، سواء كان هناك عدل في حقهم أو جور عليهم، منفتحين قلباً وقالباً، موصولين بذاكرة وطنية اندماجية عربية النكهة من دون عنصرية، ينقونها باستمرار من الشوائب والبثور والدمامل، مرتكزين عليها في أحلامهم المشروطة بالشراكة.. كان الشيعة والجنوب، أجمل، ما جعله بالتحرير الذي شارك المتصدين له في إنجازه بهمة عالية وصبر عظيم على الضرائب والخسائر.. يزداد جمالاً مع دهشة وتعجب من كل الطيبين وحسني النوايا والطوايا، من تحول الجمال الجنوبي والشيعي الوطني، الى إشكال مفصولة عن مضامينها.. في حين كانت الشراكة في رصيد التحرير على أساس وطني من شأنها أن تضيف الى الجمال بهاءً وسحراً.
وفي عمق التاريخ الحديث لهذه الحالة وهذه الصورة، كانت المدرسة الرسمية، الفارضة ظلها على المدارس الخاصة، معهد الاجتماع ومصنع الدولة وقيمها وشعاراتها ولغتها، فقد جمعتنا وحثتنا وأتاحت لنا أن نتواصل ونتثاقف ونتعارف ونختلف ونأتلف ونخطئ ونتراجع على الخطأ وننسى ونساعد على النسيان، على أساس أن النسيان هو التاريخ، وأن من لا ينسى لا يتقدم، لأن بصره وبصيرته وراء قلبه وعينيه.. وهكذا كنا، تلامذة، يقدسون من يفك أسرهم بالمعرفة، ومعلمين من كل المناطق والطوائف والحساسيات، ونثق بهم أكثر عندما يكاشفوننا بمعتقداتهم ويواظبون على طقوسهم. ويحبون تلامذتهم أكثر عندما يلاحظون أنهم يتحرون على عباداتهم.
العصبية لقاحاً
نشأت في هذا المناخ المرطب بالحب والحوار والعيش المشترك وقبول الآخر كما هو، من دون أن تكون لدينا صورة نريد أن يكون عليها أو نفرضها عليه، وتعرفت أكثر الى أبناء الطوائف والمذاهب في عز الحرب التي أريد لها أن تكون ذات سمعة دينية مزورة، فكان رد رهطنا من المواطنين المؤمنين عليها بالتحول الى ورشة حوار ميداني، تتحاور وتحاور وترعى حوارات الأهل، بالقول والعمل الميداني، وترميم نظام العلائق، كلما سقطت عليه قذيفة مدفعية أو طائفية. وأصبحنا، في زمن التصحر الروحي أيام الحرب، أكثر روحانية وأغنى فكرياً وأدبياً، وصار اسلام المسلم ومسيحية المسيحي، أعمق وأجمل على موجب الشراكة في القيم والهموم.
من دون أن يخلو الأمر من تورط بعضنا ببعض العصبية، التي عاجلناها بالتوبة، ما جعل لحظات التعصب في حياتنا وأبداننا وأرواحنا وكأنها ضرورات عافية وسلامة وحصانة ضد الوباء، فكانت بمثابة لقاحات علاجية ووقائية.
ومع الطائف اجترحنا أو اخترعنا أو دبرنا لنا ولأولادنا وأحفادنا وعموم أهلنا وبلدنا ومستقبلنا فيه ومستقبله فينا، صيغاً عبرت حدود الطائفة والمنطقة الى الوطن.. حملت على عاتقها إحياء إرادة وأسباب وأشكال التضامن الاجتماعي، ومنها المؤتمر الدائم للحوار، الذي اشتغل لعدة سنوات، كانت كافية لأن تتكون عليه جماعة وطنية أرقى من حزب ديني أو علماني، يساري أو يميني. واجهنا صعوبة في الاستمرار ولكن عقدنا ونظامنا لم ينفرط، بل حافظنا على شهادات الاستحقاق التي حصلنا عليها في سنوات تدارسنا وبحثنا عن الصواب والحق والحقيقة والتسوية، على اختيار نهائي للنسبية والوسطية وجدل الخاص والعام.
واتفقنا وما زلنا متفقين، على أنه ليس هناك إسلام واحد ولا تسنن واحد ولا تشيع أو درزية واحدة، ولا مسيحية ولا مارونية ولا كثلكة ولا أرثوذكسية واحدة، وهذه ميزة لا نقيصة، والنقص في العكس.. واتفقنا على أن هناك توحيداً ووحدة غير إلغائية، وحدة متعدد، وأن التوحيد والوحدة بحاجة الى صيانة وتعبيرات ملائمة وحرية ودولة وقانون وحقوق.. وسجلنا على أوراقنا الثبوتية وجوازات سفرنا وشهادات ميلاد أولادنا وأحفادنا، طموحنا النهائي والدائم، الى لبنانية تجمع بمنهجية عميقة ومرنة واستيعابية، ومن دون تلفيق بين الأديان أو المذاهب.. ورأينا أن ذلك لا يتم إلا من خلال دولة مدنية أي عصرية أو حديثة وديموقراطية، نتشارك في تجديدها والتجدد بها.. بدوام الحوار. وتنبيه حراس الهيكل وإلزامهم بأن يحرسوه ممن يتسلل الى صفوفهم، ويغلب على إرادتهم إن تغافلوا عنه، من السحرة والكهان والمنجمين وضاربي الرمل واللاعبين مع القردة والسعادين أو بالكشاتبين والثلاثة أوراق وأرواح الناس ورؤوس المواطنين ورؤوس الأموال الحرام، ومن زبائن هذه الفئة من الجهال والمتخرصين، من الطبقة السياسية التي تعتمد الخرافة لتثبيت خرافيتها وفرضها على الوطن والمواطن.. الى ضرورة اليقظة على أحابيل احتيالات ومراوغات المضاربين والمقاولين على الدين والديان، مع لزوم السهر لمنع عبث الذئاب في ثياب الخراف، والأسود بعقول الأرانب.. مع الإيمان بأن الهيكل ليس المكان الوحيد لإبراز الإيمان وترسيخه، لأن هناك دروباً عديدة تفضي الى الطاحونة أو السماء.. حيث الحَب للطحن والحُب للحياة، والعزة لله وعباده الذين لا يريدون علواً في الارض.. ويتعالون.
Kalam jawhari ya Sayyedna. .. allah yakhod bi yaddak w yadd koll man ya3mal Li sale7 Lubnan watan Li jamee3 abna2ihi moutasawee ta7ta shi3ar alwatan wal Dawla al qawiyya