#adsense

راهبات معلولا: مع المسيح

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة“: لا مع النظام ولا مع المعارضة. المسيحيون في سوريا كما في العالم العربي وفي الشرق كله مع المسيح. تهمّهم السياسة بقدر ما تهمهم القيم المسيحية من حرية وعدالة وأخوّة ومساواة. معاناتهم مستمرة منذ المسيحية الأولى ومنذ بداية انتشارها. إنها قضية الشهادة للمسيح والعيش في ظل هذه الشهادة بكل أبعادها الروحية والزمنية. تجربة راهبات معلولا تعيد القضية المسيحية في الشرق إلى جذورها التاريخية. إلى بداياتها الأولى. إلى تجارب كثيرة على طريق القداسة. تلك التجارب التي تعمّدت بأكثر من جلجلة وبأكثر من معمودية وبأكثر من بولس وبأكثر من شهيد. إنها الرسالة من أجل أن تبقى أجراسنا تدق.

  مسألة راهبات معلولا لا تتعلق بأسماء محددة. تكاد أسماء الراهبات تتماهى مع الوجوه لتذوب في ثوب من المعاناة يمتد من دير معلولا إلى دير صيدنايا إلى كنائس الرقة وكل القرى السورية إلى دير النطرون والقديسة كاترين في مصر إلى أورشليم القدس ونهر الأردن وإلى كنيسة سيدة النجاة في العراق وكنائس أنطاكيا المحفورة في الصخر.

وتجربة راهبات معلولا تحاكي تجارب راهبات ورهبان وناس عاديين عاشوا الحياة المسيحية في هذا الشرق في أزمان اعتقد البعض أنها ولّت ولكنها عادت لتطل برأسها من جديد لتعود معها القضية المسيحية في أبعادها كلها. لا لتطرح بعدها الأسئلة: الراهبات والمسيحيون السوريون مع النظام أم مع المعارضة؟ المسألة تتخطى هذا السؤال إلى بعد آخر وإلى سؤال آخر: هل النظام مع المسيحيين السوريين أم ضدهم وهل المعارضة معهم أم ضدهم؟

الأم بيلاجيا سيّاف. الأخت أغاتي. الأخت إيمان. الأخت مارينا. الأخت تقلا. الأخت مريم. الأخت فبرونيا. الأخت آجيا. الأخت فيرونيك. الأخت يوستينيا. الأخت إغناطيا. الأخت إيريني. الأخت تيودوسيا. راهبات دير القديسة تقلا في معلولا. كأنهن صورة عن أي مسيحي أو أي مسيحية في هذا الشرق. صحيح أنهن سرن مع أخوات سبقنهنّ الى أحضان الآب السماوي على خطى القديسة تقلا الشهيدة الأولى والشاهدة على حبّ المسيح لكنيسته وبذله ذاته من أجلها. ولكنهن في تجربتهن الأخيرة قدمن شهادة عن التمسك بهذه الكنيسة وبالرسالة التي نذرن أنفسهن من أجلها.

تكاد تحضر الأسماء والصور وحدها. منذ نذرت الراهبات أنفسهن لخدمة المسيح صرن بنات الدير. لا يهم أي دير. لا يهم من أين أتين. وأين ولدن. ومن هم أهلهن. إنهن بنات المسيح وبنات الكنيسة. ولا يهم أيضا من أي دير وفي أي دير. في بيت كل مسيحي في هذا الشرق دير صغير وكنيسة صغيرة وصليب وتمثال وشهادة وعمادة لا تنتهي وتنتقل من جيل إلى جيل.

كان كل مسيحي في لبنان أو في سوريا أو في العراق ومصر يشعر وكأنه مخطوف مع الراهبات. عاش معهن كل لحظة ألم وانتظار. شاهدناهن من دون صلبان ولكن الصلبان تبقى في القلب. تلك هي الإشارة. وشاهدناهن حزينات قلقات في لحظات الخوف وهن يقلن أنهن غير خائفات عندما كن لا تزلن في الأسر وعندما كنّ يتحمّلن عناء الإنتقال إلى الحرية. ولكن أي حرية؟ كثير منا عاش تلك التجربة من قبل. شعرنا بالخوف وبأننا مهددون ومخطوفون. أفرادا وجماعات. نحن وآباؤنا وأجدادنا. ولكن كما الراهبات بقي إيماننا كبيرا.

حرية راهبات معلولا تكون في دير معلولا. هي حرية الدير أولا وحرية المسيحيين في سوريا وفي هذا الشرق من أجل أن يعيشوا إيمانهم من دون خوف. ومن دون أن يخشوا عملية خطف أو تهديد. ما يمارسه النظام في سوريا لا يختلف عما تمارسه التنظيمات الأصولية. بمعنى ما يريد النظام أن يخطف الكنائس السورية كلها لا الراهبات وحدهن. كأنه يريد أن ينقلهن من سجن “جبهة النصرة” إلى سجنه هو من أجل أن تخرج تلك الوجوه لتمدح رأس النظام.

ينسى البعض ربما أن هذا النظام نشأ من حرم حزب “البعث”. وينسى أن مؤسس هذا الحزب هو ميشال عفلق المسيحي السوري الذي اعتقد في يوم من الأيام أن المسيحيين في هذا الشرق لهم دور الريادة وأنه من خلال حزبه يمكنه أن يحكم العراق وسوريا. ولكن عفلق تحوّل إلى هارب من نظام الحزب الذي أوصله إلى السلطة في سوريا وإلى لاجئ لدى نظام الحزب نفسه في العراق. هرب من حافظ الأسد ولجأ إلى صدام حسين. حافظ وصدام كان لكل منهما “بعثه” الخاص الذي لا يتسع لميشال عفلق ولغيرهما في السلطة.

قبل ميشال عفلق كان أنطون سعاده يسير على الطريق نفسها. في حزبه “السوري القومي الإجتماعي” اعتقد أيضا أنه يمكنه أن يحكم لبنان وسوريا والعراق. في العام 1949 جرب الثورة في لبنان وانتهى لاجئا في سوريا وبعدما حاول الفرار إلى الأردن سلمه حسني الزعيم رئيس سوريا إلى لبنان ليعدم في 8 تموز من العام نفسه تائها في قوميّته السورية بين قوميتين: القومية اللبنانية والقومية العربية. بعده حاول “القوميون” أن يمشوا على الطريق نفسه فانتهوا إلى ما يشبه الإعدام السياسي في سوريا بعد اغتيال العقيد عدنان المالكي في العام 1955 وفي لبنان بعد محاولة الإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب في العام 1961.

من هذه الخلفية يمكن فهم أهمية الدور المسيحي في لبنان. ومن هذه الخلفية أيضا يمكن فهم الحرب التي تشن على هذا الدور. ومن هذه الخلفية يمكن فهم أهمية دور الكنيسة في لبنان ودور بكركي ودور رئاسة الجمهورية ويمكن النظر أيضا إلى ما يتعرض له المسيحيون في سوريا وإلى ما تعرّضت له راهبات معلولا.

أن تكون مسيحيا في هذا الشرق يعني أن تستطيع أن تعيش مسيحيتك وحريتك ووطنيتك بأمان وفي ظل نظام الدولة لا أن تكون حريتك أو مسيحيتك ثمنا على مذبح الولاء للنظام، أي نظام.

لقد حاول نظام الأسد في سوريا أن يجعل من الكنيسة في لبنان كما الكنائس في سوريا. هذه هي خلفية الصراع الذي كان قائما بينه وبين المسيحيين في لبنان. وهذا هو سر المقاومة المسيحية لهذا الدور السوري في لبنان. كان الأسد يريد من الكنائس في سوريا أن تكون صدى له. وأن يتدخل في تعيين رؤساء الكنائس وأساقفتها وأن تكون بكركي كأنها في دمشق. ولكن بكركي كانت دائما في بكركي. وسر الكنائس الأخرى كان يتجسد في لبنان لا في سوريا من البلمند إلى الربوة وإلى حريصا.

في خلال الحرب كان مسيحيون سوريون منخرطين إلى حدود الشهادة في المقاومة المسيحية في لبنان ضد الإحتلال السوري. لم يكن يهمهم نظام البلد الذي ولدوا فيه بقدر ما كانت تهمهم حرية البلد الذي يعيشون فيه. هذا النضال ربما يختصر البعد المسيحي في شكل عام ومعاناة المسيحيين في سوريا اليوم كما كانت معاناة المسيحيين في العراق ومصر. كان المطلوب استثمار هذه المعاناة في الصراع الدائر وليس أكثر من ذلك. من هنا تنطلق مقولات الأقليات والنظام الذي يحميها. ومن هنا تنطلق الحملات حول موضوع فرض “داعش” الجزية على المسيحيين في الرقة وخطف المطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم وصولا إلى خطف الراهبات.

تبدأ مسألة راهبات معلولا منذ أول اشتباك حصل في معلولا ومنذ أول انسحاب للجيش السوري منها ودخول المسلحين إليها بالتزامن مع طرح مسألة السلاح الكيميائي السوري وتهديد الولايات المتحدة الأميركية لنظام الأسد. بعد ذلك فتح الباب على هذه القضية. منذ تلك اللحظة برز دور الراهبات، وبرزت مسألة الإستغلال السياسي للوجود المسيحي في سوريا. الراهبات يردن البقاء في الدير على رغم القصف والمخاطر الأمنية لأنهن أمينات على هذه الرسالة وعلى هذا الدور، وقد نجحن في هذا الأمر على مدى أشهر عدة حتى وقعن في الأسر. النظام أراد أن يقول أنظروا ماذا يفعل التكفيريون. والخاطفون يريدون أن يقولوا أنهم لم يخطفوا الراهبات ولكن في الواقع كانت الراهبات أسيرات اللعبة وضحاياها قبل الأسر وبعده وكأن لا وظيفة لهن ولا دور إلا في إعلان الولاء والمديح والشكر.

لقد قدمت الأم بيلاجيا سياف والأخوات كلهن درسا جديدا في السير على خطى المسيح وفي عيش التجربة المسيحية في هذا الشرق. وهي تجربة لم تنته بعد. ولذلك يستحقنّ أن يكنّ بطلات وشاهدات على أن الرسالة المسيحية في هذا الشرق على صورتهن ومثالهن. رسالة عاش شهادتها رهبان دير عشاش في شمال لبنان الذين استشهدوا في 9 أيلول 1975: الأب بطرس ساسين والأب أنطونيوس تمينة والأخ يوحنا مقصود. رسالة لا تزال تستحق الحياة من أجلها والإستشهاد أيضا من أجل أن تبقى أجراس الكنيسة تدق في هذا الشرق على مذبح سيّد الكنيسة لا على مذابح أسياد الأنظمة والتنظيمات. شهادة تحيا في الإيمان الذي تحمله راهبات معلولا. الإيمان الذي يتجدد مع آلام يسوع وفي زمن الصوم والصلب والقيامة.

المصدر:
المسيرة

One response to “راهبات معلولا: مع المسيح”

  1. ya msi7iyi loubnen wa souriya fhamo ba2a. ma 7ada kasar daher lmasi7iye bi alchar2 ger nizam mafiet bet al assad bi souriya. hayda l nizam darab al moukawame al masi7iye mn senit 1975 moubacharatan aw ger moubachar… sta3mal 7oulafa2o alloubneniyin wa al falastiniyin lidared al masi7iye fi loubnen. li2ano al moukawame almasi7iye 3atoul kenit al 7agar fi 7ize2 al nizam al asade yale man3eto wa ba3da 3am temna3o ynafiz moukhatatato fi loubnen. bisoukout al kouwat al loubnaniya sawfa taskot akher kal3at soumoud li masi7iyi al chark, wa 3indaha satounafaz nazariyat wilayat al fakih…

خبر عاجل