#adsense

الى ام المعتقل…

حجم الخط

نحن نكتب وانت تنتظرين. صار للانتظار الف عائلة، صار للوقت ملايين الازمان الاخرى، تغيرت الدنيا آلاف آلاف المرات، هرب الصبر متخفياً باليأس، خجلت الانسانية فتقنعت بالنسيان… وانت تنتظرين.

انت ام المعتقل الحي الميت المعروف المجهول، تقفين على قارعة الامل، تتلين الصلاة. كم صلاة، كم مزمور، كم ترتيلة، كم آية قرانية تلوتِ من عشرات السنين حتى الساعة؟ الم تتعب منك الصلوات والاناشيد والتراتيل والتبهيلات؟ وما زلت تفعلين.

لم تقطع طريقاً يوماً، ولا حرقتِ دولاباً، ولا هددتِ كيان الدولة ورجالاتها، ولا صنعت لك جمهورية تتحدى الجمهورية – واتمنى لو تفعلين –  كل ما فعلته الانتظار على قارعة هذا العالم الاطرش الاخرس المتفرّج الابله العاجز الخائن.

 21 آذار وراء 21 آذار آخر وهكذا دواليك، ولا من يأبه لا لعيدك، ولا لوقوفك تحت الشمس والمطر في جحيم الانتظار. نصبت خيمة متواضعة ووضعت صورة “المعتقل” علّ الفرج يأتي من أي جهة حتى ولو من قعر الجحيم، حتى الجحيم تراجع عندما لم يتمكن من قهر قوة الصبر لديك، ونعمة الايمان بلقاء سيحصل حتماً.

صارت الصورة هويتك، صارت انت وكل يوم تمحو الشمس خيوطاً من معالمها… العام الماضي رحلت الست اوديت، ماتت المنتظرة وهي تقف عند باب الخيمة، ربما حصل لقاء بينها وبين ابنها. ربما حسبها الآن انها صارت في اللقاء، تقبل وجه ابنها وتلثم رائحته وتمسح وجهه بيديها المرتجفتين وتبكي فرحا.

 للمرة الاولى من ثلاثين عاما صارت تعرف الست اوديت طعم الفرح ربما إحتضنته أو على الاقل صارت تعرف أين ابنها وتحرسه بجناحيها وتلاحقه برحمة السماء، ولو كان لا يزال في قعر قعر حفر التعذيب.

لكن لا نريد لك يا أم المعتق أو المفقود أن تموتي لتعيشي فرح اللقاء، نريد لك الحق هنا على الارض لنروي غليل الانسان المعذب فينا، لننتقم للحزن الذي دمّر كل ما فيك الا تلك القوة الجبارة اللامتناهية التي اسمها الحنان.

نحن أعجز من أن نعايدك، نعايدك بماذا “تنعاد عليكي بسنة انتظار جديدة؟” نحن أعجز من أن نعدك بشيء، أي شيء هو فوق طاقتنا وقدرتنا، لا نحن قادرون على الانتظار مثلك ولا نحن قادرون على انتشال الايام المجنونة العابرة لنفلش لك الوعود الخائبة، يكفيكِ وعوداً خائبة.

كلهم مجرمون لانهم تورطوا في تجاهلك، كلهم كلهم مذنبون لانهم لم ينموا ليلة في خيمة اللوعة تلك، وصاروا يعبرون من أمامها وكأنها كيس رمل مرمي في منتزه، يزعجهم المشهد فيديرون الوجوه ويدبرون…

اليكن ايتها الامهات المنتظرات منذ أعوام الانتظار، خبرا عنهم، نقدّم خجلنا وعارنا وذلّنا وتخاذلنا وخطيئتنا ونضعها باقة سوداء أمام الخيمة، لان لا نستحق أن نقدم لكن باقة توليب ملونة، ولا الورد الابيض، ولا زهور الربيع الفواحة، لانكن ستقبلنها وتبتسمن لنا بعيون الدمع الحنون الرقراق المشبع بالمحبة، وستشكروننا، وهذا تكريم لا نستحقه على الاطلاق…

اما الى ام ذاك المجرم الذي حوّل امهاتنا الى كتلة من جمر حارق وهو يتمتع ضاحكاً بتعاقب الفصول والمجازر، لك ايتها السيدة القابعة في قصور الظلام، التي تعيشين رفاهية الموت وتلبسين حريراً من خدود الاطفال الذائبة تحت براميل النار، انت التي ربّيت عائلة مماثلة، اليك باقة من جمر حارق مماثل علّك تعرفين يوماً، ما معنى أن تكون امرأة امّاً، والله سيتكفل حتماً ويوماً ما بالباقي…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

2 responses to “الى ام المعتقل…”

  1. لاننا لا نستطيع فعل اي شيئ لكم ايتها الامهات الجبارات بما اننا لسنا في موقع يخولنا الاقدام على اي خطوة تساعد , لكم منا الوف التحيات والتقدير والاحترام لما انتم تناضلون في سبيله

خبر عاجل