#adsense

جعجع رئيسًا من أجل الجمهورية (بقلم نجم الهاشم)

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة“: قبل مئة عام، في حزيران 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى. كان لبنان يعيش في ظل نظام المتصرفية فسارع الأتراك إلى إلغاء هذا النظام وأعادوا احتلال جبل لبنان. طوال أعوام الحرب الأربعة دفع مسيحيو لبنان الثمن. هاجر كثيرون. ومات كثيرون من الجوع. واقتيد كثيرون إلى السخرة في الجيش العثماني. ربع سكان جبل لبنان قضوا في هذه الحرب وربعهم هاجر ومن بقي منهم أعاد تأسيس لبنان في أول جمهورية في هذا الشرق. ولكن الحرب على لبنان وعلى المسيحيين فيه لم تنته. اليوم وبعد مئة عام يبدو لبنان وكأنه في حاجة إلى إعادة تأسيس جديدة وإلى جمهورية جديدة تبدأ من انتخاب رئيس جديد للجمهورية ليتولى هذه المهمة.

 أعطى الموارنة للبنان هويته الوطنية لا هويتهم. أرادوه وطنا للجميع ولم يعتبروا يوما أنه وطن لهم وحدهم. لم يحصروا أنفسهم في متصرفية جبل لبنان ولم يخشوا ضم الأقضية الأربعة في الجنوب والبقاع والشمال وبيروت. ولكنهم كانوا دائما في حالة حرب دفاعا عن الجمهورية التي بقيت تعبيرا عن قوة الرئاسة وعن الدور الذي يلعبه المسيحيون في لبنان. كان المطلوب إلغاء الرئاسة والدور وسرقة الجمهورية، لكن كان واضحا أن لا جمهورية خارج هذه الرئاسة وهذا الدور.

صحيح أن كل ماروني يحق له أن يكون رئيسا للجمهورية. ولكن ليس صحيحا أن كل ماروني مرشح للرئاسة. هذا الكلام يأتي دائما من ضمن الحرب على الجمهورية وعلى الموارنة ودور الرئيس الذي يحفظ الجمهورية.

عندما اختلف بشارة الخوري وإميل أده لم تتعطل الجمهورية. وعندما اختلف كميل شمعون وبشارة الخوري لم يخرب البلد. وعندما صار فؤاد شهاب رئيسا كان يمكن أن يترشح ضده بيار الجميل أو ريمون إده. وعندما وصل شارل حلو إلى الرئاسة لم يمنع قيام الحلف الثلاثي. وعندما ترشح الياس سركيس ضد سليمان فرنجية لم يتعطل النصاب. المسألة المارونية في رئاسة الجمهورية بقيت تعبيرا عن الديمقراطية. ولكن المشكلة كانت في مكان آخر.

بدأت الحرب على الرئاسة في لبنان منذ الإستقلال وتجلت في العام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون. ثورة الأشهر الستة بين أيار وأيلول ذلك العام كانت تهدف إلى كسر القاعدة المسيحية في رئاسة الجمهورية وإلى فرض شراكة من نوع آخر في الحكم. ومنذ ذلك التاريخ أخذت الجمهورية في الإنحدار بمقدار ما كان ينحدر الدور المسيحي.

بدأت المسألة مع عبد الناصر الذي صار شريكا في السلطة من خلال تأثيره على الشارع الإسلامي، ثم انتقلت اللعبة إلى ياسر عرفات الذي سعى إلى السيطرة على لبنان عسكريا وسياسيا ضمن برنامج عمل معلن عنوانه الإنقلاب على النفوذ المسيحي في لبنان بدأ تنفيذه في العام 1969 مع اتفاق القاهرة وتوالى مع أولى المعارك في العام 1973 ثم مع حرب 1975. كان الوجود المسيحي في لبنان في شكل عام هو المستهدف في هذه الحرب ولكن الهدف الأول كان رموز الدولة الثلاثة: رئيس الجمهورية وقصر بعبدا والجيش اللبناني. في خضم هذه المعركة وجد الرئيس سليمان فرنجية نفسه مهجرا من القصر وتم تقسيم الجيش اللبناني وفي خضم هذه المعركة أيضا كانت “الجبهة اللبنانية” و”القوات اللبنانية” خط الدفاع الأول عن لبنان وصورة الجمهورية.

في العام 1982 كان قائد المقاومة الشيخ بشير الجميل رئيس الإنقاذ واستعادة الجمهورية ولكنه اغتيل قبل أن يصل إلى قصر بعبدا. وبدأت بعده سلسلة معارك لتهديم ما تبقى من الجمهورية. معارك توجت بفراغ رئاسي وبمنع انتخاب رئيس وبحكومة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون الذي قاد الجمهورية إلى حربين مدمرتين حرب التحرير وحرب الإلغاء. لم تنته هذه المرحلة إلا باتفاق الطائف وبعملية 13 تشرين 1990. على رغم أن العماد عون أعلن عند الصباح الإستسلام ولجأ إلى السفارة الفرنسية إلا أن الهجوم الذي كان يقوده النظام السوري استمر وكان الهدف هذه المرة أيضا قصر بعبدا وقيادة الجيش في اليرزة. كان المطلوب تحطيم ما تبقى من صورة الجمهورية التي أرادها المسيحيون على قياس لبنان تتسع للجميع. ذلك اليوم خرج من يعلن “سقوط الطائفة العظمى”.

منذ ذلك التاريخ بدأ التأسيس لجمهورية أخرى لا تعكس أبدا صورة الجمهورية الأولى ووجه لبنان. أمسك النظام السوري باللعبة الداخلية. جعل من رئاسة الجمهورية مجرد وظيفة تابعة له بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض وحاول أن يجعل لبنان محافظة سورية إضافية وأسس لقيام الطائفة العظمى الجديدة التي كان يجب أن ترث الدور الماروني في لبنان وأن تبدل وجه الجمهورية. من هذه الخلفية كان يمكن فهم مسألة تلزيم عسكرة “حزب الله” بديلا عن مؤسسة الجيش اللبناني لتكون دولته بديلا عن الدولة اللبنانية. وضمن هذه الإستراتيجية كانت رئاستا الياس الهراوي وأميل لحود: مارونيان في رئاسة لا دور لها إلا المساهمة في تثبيت المعادلة الإنقلابية الجديدة. ومن ضمن هذه المعادلة يمكن فهم ما تعرضت له “القوات اللبنانية” منذ العام 1994 بعد حلها واعتقال الدكتور سمير جعجع حتى لا تكون في أي وقت من الأوقات خط الدفاع الجديد عن الجمهورية عندما تسقط هذه الجمهورية.

ولكن إلى ما انتهت هذه الإستراتيجة؟

  • لم تقم الطائفة العظمى الثانية التي تريد أن يكون الآخرون خاضعين لها لا شركاء في الوطنية كما كانت الحال مع الجمهورية الأولى.
  • اغتيل الرئيس رفيق الحريري في بيروت في 14 شباط 2005 وحصلت ثورة الأرز بعد شهر في 14 آذار وكان هذا الإغتيال تتويجا لصراع مذهبي بين السنة والشيعة امتد من إيران إلى اليمن والسعودية ودول الخليج والعراق وسوريا ولبنان ليتفجر لاحقا في أماكن كثيرة.
  • سقط النظام السوري داخل سوريا بعدما أجبر على الإنسحاب من لبنان بقرار دولي قضى باستعادة لبنان سيادته وكان بحجم القرار الدولي بقيام الجمهورية الأولى بعد الحرب العالمية الأولى.
  • تخلى “حزب الله” عن صراعه العسكري ضد العدو الإسرائيلي بعد حرب تموز 2006 والقرار 1701 الذي أكد أيضا على السيادة اللبنانية وانخرط في الفتنة السنية الشيعية في لبنان بعد حوادث 7 أيار 2008 ثم انخرط في الحرب الأهلية في سوريا.

لذلك كانت الفتنة هي البديل عن الدور المسيحي وعن رئاسة الجمهورية التي تعطي للجمهورية دورها الرائد، دور الحكم الراشد لا حُكم المرشد، دور الرئاسة القوية لا الرئيس الموظف الخاضع. ومن هنا بدأ البحث عن دور مسيحي جديد ولكن بحدود تم توصيفه على أنه الجسر الذي يردم الهوة بين السنة والشيعة أو دور الحاجز الذي يمنع الفتنة السنية الشيعية ويمنع انتقال الحرب السورية إلى لبنان.

ولكن في الواقع ثمة حاجة اليوم إلى إعادة الجمهورية الى ما كانت عليه وإلى إعادة رئاسة الجمهورية إلى ما كانت عليه. رئاسة على قياس لبنان الذي يحفظ الجميع ويتسع للجميع لا جسر عبور ولا حاجز مرور. ولذلك تحتاج الرئاسة اليوم إلى رئيس من هذا الوزن على قياس المرحلة التي يعاد فيها رسم خريطة الشرق الأوسط كما رسمت قبل مئة عام. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الرئيس من 14 آذار وعلى قدر آمال اللبنانيين الذين نزلوا في 14 آذار ليطالبوا بدولة قوية قادرة وباستقلال 2005. وإذا كان السؤال المطروح اليوم: استقلال 2005 متى؟ فالجواب محدّد: في رئاسة 2014.

لقد وضع الرئيس ميشال سليمان سقفا واضحا لهذه الرئاسة لا يمكن النزول تحته أو التراجع عنه ومن هنا يجب أن تستكمل المهمة. وأن يكون رئيس الحزب الماروني الأكثر تمثيلا في 14 آذار هو المرشح الطبيعي لرئاسة الجمهورية كما قال الدكتور سمير جعجع في انتظار اللحظة المؤاتية لإعلان ترشيحه.

مرة جديدة ينتظر لبنان رئيسا منقذا من رحم ثورة الأرز. رئيسا يكون عنوانا للمرحلة الجديدة يستطيع أن يبدأ من 25 أيار المقبل التأسيس للعام 2020 ذكرى مرور مئة عام على إعلان دولة لبنان الكبير. ولماذا لا يكون سمير جعجع هذا الرئيس؟

المصدر:
المسيرة

3 responses to “جعجع رئيسًا من أجل الجمهورية (بقلم نجم الهاشم)”

  1. مقال نادر يشرح كل شيء عن تاريخ الجمهوريه .
    شكرا استاذ هاشم,
    اما لماذا لا يكون هذا الرئيس سمير جعجع؟
    بالطبع سيكون لانه يستحقه كما تعرف وتعرفون,
    وأذا قدر للبنان ان يستفيق من هذه الكبوه,
    فمن دون الحكيم لا ولن يستفيق,
    فتحيه الى فخامه الحكيم

  2. كلام غير صحيح على الإطلاق ، فالموانة تحديد اتو الى لبنان مع نهايات حكم العسافين و من ثم تكاثروا مع مرحلة حكم الحمادية الشيعة الذي دام حكمهم لأكثر من ٥٠٠ عام و كان المسيحيون جزءأ من المنظومة الحمادية في جبل لبنان و من ثم و بمساعدة روما (طبعا بعد ان تحول الموارنة الى اتباع روما دينا ) و بمساعدة الفرنسين و بعض الدول الأوروبية استطاعوا ان يحصلوا بالاتفاق مع الأتراك على ما يسمى المتصرفية ، و الدليل ان ٩٠٪ من أملاك الكنيسة المارونية في لبنان هي أملاك الحمادية بعد الانقلاب الذي قام به الموارنة على الحماديين في جبل لبنان و ذلك بعد استغلال المرحلة الحمادية لحمايتهم لأكثر من ٢٠٠ عام ، و حتى اليوم لا يزال الكثير من أملاك الكنيسة موقع نزاع من الحماديين .. و الحماديين قاتلوا خمسة قرون و لم يرضوا بالحكم العثماني و هم اول من أسس لفصل الكيان اللبناني عن العثمانين …و المؤرخين الموارنة يذكرون ذلك في كتاباتهم …

  3. مات ثلث سكان جبل لبنان جوعاً في الحرب العالمية الأولى ولم تفكر الكنيسة حتى يومنا هذا بإحياء الذكرى. الأرمن يحيون ذكرى مجازر الإبادة بحقهم. اليهود يحيون ذكرى الهولوكوست. وكل شعب في المعمورة ذاق المجازر يحيي ذكراها كي تبقى راسخة في أذهان أبنائه. فمتى تلتفت الكنيسة المارونية والأحزاب المسيحية إلى هذه النقطة؟

خبر عاجل