#adsense

سمير جعجع.. رئيسا

حجم الخط

«الرئيس سعد الحريري على علم بترشيحي للرئاسة»، حتى عندما تتسرّب روائح خلاف ما بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل، وعندما يلتزم الطرفان الصمت، تتوجسّ القاعدة خيفة، إلا أنّ تطميناً ما يأتي هذه المرّة عبر سمير جعجع، وكان دقيقاً للغاية في تطمينه، عندما اختصر تعاطي تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري مع انتخابات الرئاسة بأن هناك تنسيقاً دائماً كحليفين في القضايا اللبنانية العامة، و»علم وخبر واطّلاع» على ترشحه كشخصية مسيحيّة لها وزنها لانتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانيّة.

ومن دون أدنى شكّ اللبنانيّون مصابون بحيرة شديدة في هذه المرحلة، فالتحرك الانتخابي يخلط الأوراق دائماً ويُدوّر زوايا المواقف السياسيّة، إلا أنّهم ورغم بلبلة ارتفاع وتيرة الترشيحات لم يستطيعوا بعد أن يروا سمير جعجع في قصر بعبدا، ولا ميشال عون في قصر بعبدا، ولا أمين الجميّل في قصر بعبدا، ولا روبير غانم في قصر بعبدا، ولا بطرس حرب في قصر بعبدا، ولا العماد جان قهوجي في قصر بعبدا، ولا بقاء الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا، وهذا أول غيث المهلة الدستورية لإجراء انتخابات رئاسية لبنانيّة، ستة مرشحين لمنصب رئيس الجمهوريّة، وقد اعتاد اللبنانيون على هذه الإندفاعة المارونيّة الرئاسيّة عند كلّ الأسماء المذكورة أعلاه باستثناء سمير جعجع الذي يتقدّم لأول مرة لشغل منصب لبناني من عيار «رأس الجمهوريّة»، وقد قرأ البعض في هذا تنفيذاً لسياسة «أحرجوه فاخرجوه» وردّاً على الغزل واللقاءات السريّة بين الرئيس سعد الحريري والجنرال ميشال عون، والتي عنونها الحريري بشعار: «أقبل بالرئيس الذي يقبل به المسيحيّون»، والأمر البديهي أن الموارنة لن يتفقوا على رئيس لأنهم طامحون بأجمعهم للرئاسة، ولكن هل يحتمل لبنان تنازعاً مسيحياً كالذي عاشه لبنان في العامين 1989 و1990، نشكّ في ذلك؟!

ثمّة حقيقة لا بدّ لنا من التوقّف عندها، انه وإن كان هناك انقسام في الشارع المسيحي على اسم الرئيس المقبل، فإن هناك مزاجٌ عامٌ عند كثير من أبناء الطائفة السُنيّة يتمنّى وصول الدكتور سمير جعجع إلى قصر بعبدا، ومع هذا يُدرك هؤلاء ـ وأنا منهم ـ أنّ دون ذلك صعوبات جمّة، إن على مستوى الانقسام المسيحي الحاد، وتعدّد الترشيحات الأمر الذي سيشنّج الشارع المسيحي ويوقظ شبح مثلث منتصف ليل 23 أيلول العام 1989، ومثلّث الأقطاب الثلاثة أمين الجميل ـ رئيس الجمهورية حينها ـ وسمير جعجع ـ قائد القوات اللبنانية ـ وميشال عون ـ قائد الجيش آنذاك ـ أفضى حينها استهتار الرئيس الجميل مع انتهاء ولايته بمن يأتي وراءه فترك لبنان نهب فراغ دستوري أدّى إلى حرب طاحنة، مزّقت الشارع المسيحي وأفضت إلى سقوط لبنان في يد النظام السوري حتى العام 2005 ومغادرة الجيش الذي جثم على صدر لبنان واللبنانيين لمدة ثلاثين عاماً…

ثمّة مخاوف تقضّ مضاجع اللبنانيين وتعيد شبح معادلة: «مخايل الضاهر أو الفوضى»، وفي أحسن الأحوال «رئيس توافقي» وهذا يعني مراوحة سياسية واقتصادية واجتماعيّة لسنوات ستٍ أخرى، لبنان المقبل على مجهولٍ يغشاه ضباب يحجب وضوح الرؤية، يتوجّس خيفة من كلام تسويقي يقول تارة إن السعودية وأميركا وفرنسا تدعمان ترشيح ميشال عون رئيساً للجمهورية، فيتساءلون: «هم يختلفون على كلّ الأمور في المنطقة، فكيف اتفقوا على الإتيان بميشال عون رئيساً»؟! وهذا بحدّ ذاته يوقظ ذاكرة مخيفة عند المسلمين والمسيحيين، مع التساؤل:كيف نعيد تجربة قادت لبنان إلى الخراب ووقوعه بكامله تحت الاحتلال السوري؟!

وهنا لا بُدّ من مدخلٍ يُعيد تذكير اللبنانيين ـ لتشابه الحال وإن اختلف المقال ـ قبل الدخول في عنواننا الرئيس، في 14 تشرين الأول 1989 ألقى رئيس الحكومة العسكرية ـ غير الميثاقيّة ـ الجنرال ميشال عون خطاباً قال فيه: «قبل أن أصبح رئيس حكومة قلت إن لبنان لن ينتهي يوم 23 أيلول.لبنان شعب قبل كلّ شيء.فالشعب هو الذي يصنع الجمهوريات ورؤساء الدول والأنظمة(…)إذا كانت بعض المؤسسات لم تستطع الحفاظ على حيّويّتها ودورها، فليس هذا نهاية العالم(…)نحن لسنا مقيدين بتفاصيل. إن الشعب، والقوى الحيّة هي التي تضمن للبنان ديمومته، وليس بعض المناصب الرسميّة، خصوصاً عندما تفقد هذه الأخيرة صفتها التمثيليّة» [جنرال ورهان، كارول داغر، ص 120]، مجدداً وبعد مرور ما يقارب أربعاً وعشرين عاماً، هل نعيد تجربة إفراغ المؤسسات وتهديم الدولة»؟ وهل باستطاعتنا أن نتفاءل بوصول سمير جعجع الى قصر بعبدا وتجربة بشير الجميّل رئيساً ماثلة في الأذهان حتى اليوم منذ 14 أيلول العام 1982 ؟

وننقل هنا ـ وبالحرف ـ عن المؤلفة كارول داغر، وكتابها جنرال ورهان، ص 251، 252]هذا الحوار، لأن واقع المسيحيين اليوم يشبه بحذافيره فجاجة هذا الحوار:

يوم الجمعة 27 تموز 1989 وعند الرابعة عصراً كان موعد لقاء طلبه بشكل عاجل القاصد الرسولي بابلو وبين الجنرال ميشال عون، بادره بابلو بوانتي: «إنّي مُكلّف أن أنقل إليك رسالة عاجلة، سلّم كلّ شيء للشرعيّة: بعبدا واليرزة.تلك هي إرادتنا الرسمية والنهائية من أجل إنقاذ لبنان الذي نريده لبنان السيادة، والحرية والتعايش. وكذلك من أجل الحفاظ على دوره ورسالته في العالم العربي، إن الرحيل يستلزم شجاعة، فلتكن عندك هذه الشجاعة. ذلك أنّ الوقت لا يفتأ يطيل آلام الشعب ويُسرّع هجرة المسيحيين الذين ينبغي المحافظة على وجودهم. وإلا، فالبلاد مهددة بالتقسيم، والتفتت والزوال حتى.إذا كنتَ حريصاً على بقاء لبنان والمسيحيين، فاستقِلْ»/قطّب الجنرال جبينه وقال بلهجة تهجميّة: «ممّن هذه الرسالة؟»/ بوانتي: «إنني أتحدّث باسم البابا أيها الجنرال»/عون: «قُلْ للبابا إنه رئيس الكاثوليك في العالم، أما في لبنان، وفي الشرق الأوسط، فأنا رئيس المسيحيين»…

وبصدق شديد نقول:ثمة خوف كبير يجتاح اللبنانيين بصمت، لأنّ العقبات التي تحول دون الوصول إلى قصر بعبدا أكبر وأكثر بكثير من الرغبات الدوليّة، والمحاولات الإقليميّة، وأنّ تاريخ العام 1989 قد يُعيد نفسه وبصورة أبشع وأفظع في ظلّ ما يحدث في العالم العربي، ولكن ومن وسط كلّ المخاوف ثمّة تعويلٌ وثقة كبيرتان بحكمة الدكتور سمير جعجع، ومعرفته بدقائق الأمور وقدرته على تغليب مصلحة لبنان ووضعه فوق الجميع، في بازار وصل إلى سبعة أسماء ولن يلبث أن يتحول إلى سبعمائة أو سبعة آلالاف اسم ماروني مرشح لمنصب رئيس الجمهورية!!

المصدر:
الشرق

One response to “سمير جعجع.. رئيسا”

  1. ويعرف ماذا يطلب من الاخرين بان يفعلوا,

    صادق مع نفسه ومع الاخرين استراتيجي .

    انه سمير جعجع

خبر عاجل