وقالَ لَهم:»… فما مِن خَفِيٍّ إِلاَّ سَيُظهَر، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَن. مَن كانَ له أُذُنانِ تَسْمَعان فَلْيَسْمَعْ!». [إنجيل القدّيس مرقس .25-21:4 ].
في 1 حزيران العام 1987 اغتيل الرئيس الشهيد رشيد كرامي بتفجير ذو نمطٍ غير مسبوق خلال الحرب اللبنانية عبر تفخيخ مقعده في الطوافة العسكرية التي تقلّه إلى بيروت، عام 2005 شهد اللبنانيّون هذا النوع من الاغتيال يتكرّر مع سمير قصير وجورج حاوي ومي شدياق!!
ثمّة أسئلة يجب أن تُطرح لنبدأ منها وهي خلاصة المشهد اللبناني عشية اغتيال الرئيس كرامي، وهذه الأسئلة «أجوبتها منها وفيها»: لماذا يغتال سمير جعجع قائد القوات اللبنانيّة آنذاك رئيس حكومة أُسْقطتْ وتقدّم رئيسها باستقالته في 4 أيار 1987 ـ أي قبل قُبيْل اغتياله بأيام قليلةـ تحت وطأة تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار الأميركي بشكل جنوني من ليرتيْن ونصف الليرة بُعيد بدء ولاية الرئيس أمين الجميّل وبلغ حافة الـ 2500 ليرة لبنانية؟! بل لماذا يغتال رئيس الحكومة في عزّ انصرافه لفتح البوابة بين المنطقتيْن الشرقية والغربيّة فبتنا نغادر إلى جونية لنتنزّه ونشعر بمعنى كلمة «مناطق محرّرة»؟ وفي عزّ انتصاره وانتزاعه لبنان من فم الأسد الأب بعدما أنقذ سمير جعجع لبنان من اتفاق ابتلاع النظام السوري له عبر ثلاثي «حبيقة ـ بري ـ جنبلاط»، يومها وفي 15 كانون الثاني قاطع الرئيس الشهيد رشيد كرامي الرئيس أمين الجميّل ، وعاد عن اعتكافه في 17 حزيران 1986… ولماذا يغتال سمير جعجع رئيس حكومة لبنان في عزّ عودة الاحتلال السوري إلى بيروت أواخر شباط العام 1987 بعد معارك دامية أحرقتها بين الحليفين نبيه بري ووليد جنبلاط اللذين أعادوا الجيش السوري إلى بيروت بعلى رغم أنف أهلها بعدما أحرقوا بيوتها فوق رؤوس أهلها؟!
بل أكثر من ذلك، في 17 نيسان العام 1985 تقدم الرئيس رشيد كرامي وسليم الحص باستقالتيهما بعد الاشتباكات الدامية التي اجتاحت فيها حركة أمل بيروت للمرة الأولى، وعاد الاثنان عن استقالتهما بعد أسبوع واحد، وبعد لقاء موسع عقد في «دمشق» لما كان يُسمّى حينها بالقوى الوطنيّة والإسلاميّة!! بل من مصلحة من أن يُغتال الرئيس رشيد كرامي الذي انطلقت في عهد حكومته التي انعقدت كـ»هيئة حوار وطني» في ميدان سباق الخيل عند منطقة المتحف وانعقد الاجتماع الأول في 2 أيلول 1986 وانبثقت عنه لجنة وزارية لوضع مشروع لصيغة ميثاق وطني، ثم انقطعت هذه الاجتماعات بعد اللقاء الخامس في 23 أيلول 1986.
وفي 10 شباط وقبل أن تندلع اشتباكات الحليفين بري ـ جنبلاط وتحرق وجه بيروت في الأسبوع الأخير من الشهر نفسه، في 10 شباط هذا ألقيت قنبلة يدويّة على القصر الحكومي في منطقة الصنائع [وزارة الداخلية حالياً] أثناء اجتماع ضمّ الرئيس رشيد كرامي والوزير عادل عسيران، وفي نفس اليوم مساء أطلقت قذيفة في محيط منزل رشيد كرامي في تلة الخياط، هل كانت هذه مثلاً رسالة من سمير جعجع أم من ذئاب النظام السوري المتربصة للانقضاض على بيروت؟! وفي 23 نيسان 1987 أي قبل اغتيال الرئيس كرامي بشهرين فقط، اجتمعت حكومته كهيئة حوار وطني في مجلس النواب بحضور رئيس المجلس النيابي حسين الحسيني، يومها قاطع جنبلاط اللقاء وهاجم الجميّل والحسيني وكرامي في مهرجان عيد العمال في 1 أيار 1987 أي قبل شهر واحد من اغتيال كرامي.
وبُعيْد غتيال الرئيس رشيد كرامي قطع مفتي الجمهورية الشهيد حسن خالد زيارته إلى السعودية وتم الاتفاق بين قيادات الطائفة السُنيّة على تسمية سليم الحص رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية والمغتربين بالوكالة لتأمين تصريف الأعمال بموجب المرسوم رقم 3936 في 1 حزيران 1987، وجُنّ جنون عبد الحليم خدام الذي وصل إلى طرابلس وفي مجلس العزاء بدأ بتوبيخ رؤساء الحكومات السابقين لإقدامهم على هذه الخطوة وليقول لهم بالحرف: «الفراغ يُناسبنا»!!
ثمّ لماذا يُصرّ المفتي الشهيد حسن خالد على الذهاب إلى طرابلس بسيارته لا عبر طوافة كما ألحّ النظام السوري ليؤكد القطيعة بين المسلمين والمسيحيين، فيما أصر الشهيد حسن خالد على قطع المسافة بسيارته ليؤكد «أن كل اللبنانيين المتقاتلين هم أبنائي وهم إخواني وأنا على استعداد لمواجهتهم ولأثبت للعالم بأن اللبنانيين هم في صف واحد وإنما بحاجة إلى من يدفع هذه المسيرة إلى الوحدة» [من حوار مع نجل المفتي الشهيد سعد الدين خالد نشرته جريدة الشراع عام 2005]. يومها فوجئ المفتي الشهيد على الطريق بعكس ما صور له، في كل منطقة كان يمر بها، كانت الميليشيات المتحاربة تقف وتؤدي له التحية وتنزله بالقوة من سيارته وتكرمه أشد التكريم،وهذا الأمر أثار حفيظة النظام السوري وذئابه في لبنان، الذين سينفذّون اغتيالاً مفجعاً للمفتي حسن خالد في 16 أيار 1989!!
كلّ هذه الأسئلة، تحمل إجابات واضحة لا لبس فيها عن هويّة القاتل الحقيقي للرئيس الشهيد رشيد كرامي، ولئن زايد مدّعو أنهم «الورثة الصغار» للشهيد رشيد كرامي على اللبنانيين، وعلى الطائفة السُنيّة، فإنهم يدركون تمام الإدراك أنهم لا يستطيعون أن يزايدوا على المفتي الشهيد حسن خالد الذي أصر على العبور لإقامة صلاة الجنازة عن روح الشهيد في طرابلس من بوابة المتحف مروراً بالدورة وجلّ الديب وضبيّة وجونية و»حالات حتماً» وجبيل وحواحز المدفون والبربارة وصولاً إلى طرابلس، كانت رسالته عمليّة وصامتة تنطق بملء شجاعته بهويّة القاتل الحقيقي للرئيس رشيد كرامي، النظام السوري .. قاتل كلّ القيادات اللبنانيّة منذ الرئيس رياض الصلح وحتى الرئيس رفيق الحريري.