في ما يلي القسم الثاني الاخير من مقالة الدكتور عصام خليفة حول اوضاع الجامعة اللبنانية. وكان تناول في القسم الاول (19/7/2014) قضية التفرغ في الجامعة من حيث مرتكزاتها القانونية وأهميتها وأخطاء رئيس الجامعة في هذا الملف.
رابعاً: مجلس الجامعة والهروب من قيامه: لقد وضح القانون 66 آلية تشكيل مجلس الجامعة من العمداء ومن ممثلي الاساتذة ومن شخصيتين اكاديميتين مشهود لهما بالكفاءة. والتعاميم التي اصدرها رئيس الجامعة لتطبيق هذا القانون خالفت بشكل واضح روحية مضمونه. وكان هناك تنسيق بين اوركسترا من المصالح والاشخاص والمرجعيات الطائفية التي حرصت ان تفرغ الهدفية التي وضع من اجلها القانون. لقد عمل رئيس الجامعة والبطانة المحيطة به لتعطيل مجيء عمداء لهم استقلاليتهم وشفافيتهم وشخصيتهم الصارمة في تطبيق القوانين (للمناسبة اقيلت الدكتورة ليلى سعاده من عمادة دكتوراه الحقوق لانها لم ترضخ لطلبات الرئيس المخالفة للقانون؟!) وكان توزيع “الكليات الدسمة” على اهل الحل والربط. وكان هناك تسويات بعيدة عن هاجس جودة التعليم والتفتيش عن عمداء يعملون للتجديد. كان هناك تجاهل لتأمين الادارة الرشيدة الملائمة والمتسمة ببعد النظر والتحلي بروح التجاوب والكفاءة، واعتماد اساليب للادارة تجمع بين الرؤية الاجتماعية، بما في ذلك ادراك القضايا العالمية، وبين المهارات الادارية الفعالة. كان هناك حرص على ايجاد اشخاص يدينون بالولاء لـ”الرئيس” ومَن وراءَه، اكثر من ايلاء العناية لمشاركة هيئات التدريس في اعمال مجالس الاقسام والفروع والوحدات في اطار تنمية قدرات واستراتيجيات ملائمة في مجال التخطيط وتحليل السياسات، وان يكون الهدف النهائي لادارة التعليم العالي متمثلا في تعزيز المهمة المؤسسية من خلال تأمين الجودة العالية في التعليم والتدريب والبحوث وفي الخدمات المقدمة للمجتمع. ان قيام مجلس الجامعة هو السبيل الوحيد للتسيير الذاتي والادارة الجماعية والقيادة الاكاديمية المناسبة. بينما سلوك الرئيس عدنان السيد حسين هو التسلط والتفرد بالقرار وتنفيذ تعليمات جهات معروفة عملت ولا تزال في تعميم الفساد في الجامعة وفي غيرها من ادارات الدولة.
المطلوب عمداء يمارسون الاستقلال الذاتي في تسييرهم للجامعة، ويتخذون قراراتهم بمعزل عن توجيه شبكة المصالح والاحزاب، ويكون نشاطهم الاكاديمي ومعايير عملهم وادارتهم منسجمة مع نظم المحاسبة العامة لاسيما في ما يتعلق بالاموال التي توفرها الدولة.
عمداء يرحبون بالمساءلة، ولا يهاجمون رابطة الاساتذة ويحاولون الحلول مكانها، عمداء يعيدون سلطة القانون الى الجامعة.
ان رئيس الجامعة عدنان السيد حسين ووزير التربية والتعليم العالي، وكل الوزراء الذين تدخلوا بتفاصيل الجامعة خالفوا توصية الاونيسكو في المادة 19 بصدد هيئات التدريس (ان الدول الاعضاء ملزمة بحماية مؤسسات التعليم العالي من التهديدات التي قد يتعرض لها استقلالها اياً كان مصدرها).
ان ممارسة الدكتور عدنان السيد حسين والذين استطابوا التدخل في تفاصيل شؤون وشجون الجامعة لا يريدون قيام مجلس لهذه المؤسسة يحافظ على استقلاليتها انهم يريدون هيئة تعليمية مدجنة امام زعاماتهم وانتماؤها الاول يكون لخدمة هذه الزعامات وليس للجامعة: او للأداة النقابية (الرابطة). هذا هو جوهر التدخل الحاصل في ملفي التفرغ ومجلس الجامعة. وجود جيل من الاساتذة التابعين الذين لا يتمتعون بالتحليل الابداعي النقدي والتفكير المستقل، جيل من الاساتذة لا يمارس مسؤولياته في اطار المجالس الاكاديمية والفروع والاقسام.
منذ عشر سنوات لم يزد عدد طلاب الجامعة اللبنانية عن 72 ألفاً بينما الجامعات الخاصة يتزايد عدد طلابها سنة بعد أخرى. وبينما كانت الجامعة اللبنانية تضم 60% من طلاب التعليم العالي في لبنان اصبحت لا تضم أكثر من 37%.
لا حل لوضع الجامعة ضمن البنية القائمة. وربما يكون الحل بقيام جامعات لبنانية متعددة تدار من خلال مجلس أعلى للتعليم العالي الرسمي، واللامركزية في التعليم العالي أوصى بها تقرير جاك ديلور حول التربية في القرن الحادي والعشرين. والاصوات التي تزعم انها حريصة على وحدة الجامعة هي اصوات المستفيدين الذين يتحكمون بكل شاردة وواردة فيها، وليس همهم الاندماج الوطني ولا المواطنية الحقة.
واننا نقترح على مجلس الوزراء، اذا كان شجاعاً في أخذ القرارات الجريئة، اقالة الدكتور عدنان السيد حسين من منصبه والإتيان برئيس مستقل حقاً واكاديمي حقاً.