رحل المواطن “اللبناني” هاني فحص. مواطن لبناني وليس أي مواطن، فالعلّامة الشيعي المذهب، ذهب بعيداً بانتمائه الطائفي الى حيث يجب أن يكون، اذ وضع الطائفة بخدمة الوطن وليس العكس.
خرج العلّامة عن السياق العام الذي كان مرسوماً له وللطائفة عموماً، تمرّد، زاح عن الزيح، غرّد خارج السرب، فتحوّل حكماً الى عميل حيناً، وهّابي حيناً آخر، وخائن في كل الاوقات، بعدما شنّ عليه اعلام “حزب الله” ومن لف لفيفه حملات شعواء بهدف تشويه صورة العلامة المنفتح، الرافض للتقوقع والمنادي بالاعتدال، والاهم من كل ذلك المؤمن بجمهورية الـ 10452 كلم مربعا وليس بولاية فقيه ما أو أي ولاية وامارة أو جزيرة.
هو من بين هؤلاء الشيعة اللبنانيين… أو الاصح، هو من بين اللبنانيين الشيعة الذين يريدون لبنان وطناً نهائياً لابنائه، وهذا جرم كبير في زمن الولايات والامارات والجزر الامنية وضواحي الجمهوريات المتمرّدة على الجمهورية، لم يكن رجلاً مقبولاً عند زعماء طائفته، وان كان القول ليس في مكانه اذ لطالما كانت طائفته مواطنيته اللبنانية، لانه طالب والحّ بالطلب ان تمّحى الهوية الدينية عن هوية الناس وانتمائهم للارض، كان يريد مد الجسور بين الشيعة والسنة في لبنان، تلك الجسور التي قطّع أوصالها “حزب الله” وجعل بين المذهبين جسوراً من الردم والدمار، فقطع الحزب جسوره بينه ومحبيه والمؤمنين بخطّه المعتدل، لكن ورغم الحملات المغرضة عليه بقي يصرخ وحيداً لانقاذ الحزب أولا من نفسه، وتالياَ لانقاذ ما دمّره في طريقه بهدف بناء تلك الولاية الموعودة…
لكن عبثا، ذهب صراخ العلاّمة في الهباء لكنه علّم في غير مكان وبقوة أيضا وحيث لم يتوقّع الحزب ولا مناصريه ولا اعلامه، علّم قلب العلامة وروحه وقلمه عند الناس البسطاء من أبناء الطائفة الشيعية وعند شريحة من العقلاء، وعلّم عندنا نحن اللبنانيين من غير طائفته، تعلّمنا منه ومعه ومن كثر يشبهونه ويتشبّهون به، ان الشيعة ليسوا جميعاً “حزب الله”، وان شيعة لبنان لبنانيون أيضا، وأن الشيعة في لبنان يريدون أيضاً وطناً حراً كريماً مستقلاً، ويرفضون سطوة السلاح ولغة الحروب وهيمنة القوة، لذلك هو علّامة بين الناس قبل أن يكون علّامة في الشهادات والفقه الديني وما شابه.
أنهك المرض الرجل الكبير، عانى كثيراً، دخل في غيبوبة الاحساس، لكنه بقي موجوداً في احساس وضمير الناس. ليس أجمل من ضمير الانقياء ليسكن فيه الكبار، يكونون كباراً لانهم يسكنون تلك الامكنة وما يشبهها.
“أرسلني أهلي ذات يوم ولداً عاملياً إلى حقول التبغ، فنسيتُ نفسي هناك ولم أرجع حتى الآن” قال ذات مرّة، لعل حقول التبغ في ذاك الجنوب الفسيح تتمايل الآن على نغمة الفراق، هو الحزن الحنون الهادئ المتمايل كسنبلة قمح فوق سهول الخير في بلادي. ما زال لنا في هذه الارض سهول خير، ناس يزرعون الحب ويحصدون الوفاء، العلاّمة الراحل زرع الكثير من بذور المحبة في حقولنا، هنا وهنالك، نحن نعرف كيف نحصد حبّة القمح لنحوّلها الى حنطة، له في معاجننا الكثير، حسبه انه ترك لنا خبزا ما، هو من خميرة صنعها من قمح روحه الحلوة، المحبة الانفتاح، حسبه انه لبناني ولا يهم شيعياً كان أم سنياً أم مسيحياً، له عندنا في الاحترام كل العلامات ايها العلّامة في الوطنية.
