
أكّد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع “ان لبنان هو وطن الحريات، وطن الشعوب المقهورة، وطن كل باحثٍ عن الأمن والحرية، ولن نرضى عن هذا اللبنان بديلاً. لبنان نريده ان يبقى واحةً للحرية وموئلاً للقيم الإنسانية، لا متراساً متقدماً للقمع والظلم والظلامية. لبنان نريده ان يبقى ساريةً ترتفع عليها رايات الحق والحرية والإنسان، لا سرايا مسلّحين ومستودعات ذخيرةٍ تستخدم لقمع الحرية وقتل الإنسان في هذا الشرق. لبنان نريده ان يبقى مستودعاً للعلم والنور والحضارة والإنسانية، لا مُصدّراً للأزمات وداعماً للكيماويين”.
وذكّر ان “الشعب الأرمني وصل الى لبنان، عشية المجازر، بأوضاعٍ مأساويةٍ صعبة، ولكنه مع ذلك حافظ على طابعه المسالم، فلم يتخذّ من هذا الواقع مطيّةً للتمرّد وإثارة القلاقل، وإنما اتخذّه حافزاً لتحسين اوضاعه بالطرق النبيلة والمشروعة، ولم يحاول تقويض مقومات الدولة اللبنانية، وإنما آمن بلبنان سيدٍ حر مستقل، ولم يحاول سرقة مقدرات الدولة وإنما اعطاها من لحمه الحي، ولم يأكل خبزه بعرق غيره، وإنما بعرق تعبه وكدّه ومثابرته. ولقد كان للقوات اللبنانية شرف انضمام العديد من الشبّان الأرمن الى صفوفها دفاعاً عن القضية اللبنانية، ومنهم من آمن بهذه القضية حتى الإستشهاد، فالى ارواحهم الطاهرة في هذه المناسبة، الف تحية وتحية. صحيح ان وطناً إسمه ارمينيا خسر عدداً كبيراً من شعبه جرّاء المجازر الوحشية البشعة، إلاّ ان وطناً آخر إسمه لبنان ربح بعضاً من هذا الشعب. فهنيئاً للبنان بأبنائه اللبنانيين الأرمن وهنيئاً لوطن يوحنا مارون بابناء الشهيد وارطان”.
كلام جعجع جاء خلال احتفال الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية الذي أقيم في معراب تحت عنوان: “الحق حق ولو عمرو فوق الـ100“، في حضور النواب: هاغوب بقرادونيان، جان أوغاسبيان، شانت جنجنيان، النائب السابق هاغوب قصرجيان، ممثل بطريرك الأرمن الكاثوليك الأب فارتان كزنجيان، امين عام حزب الطاشناق السابق هوفيك مختريان، رئيس حزب الرامغافار ميكانيل واجيان، نائب رئيس حزب الطاشناق افيديس غيدانيان، عضوا الأمانة العامة لقوى 14 آذار العميد ناريك ابراهيميان وفاتشي نوربتليان، نائب سفير أرمينيا في لبنان اشتون فارتانيان، رئيس نادي الهومينتمن فاركس خاتشيكيان، رئيس نادي الهنشاق ساكو نزريان، عضو اللجنة العالمية في حزب الرمغافار هراير هوفيفيان، رئيس بلدية برج حمود انطونيك مصرليان، رئيس لجنة الهومنتمن العالمية كارنيك مكروبشيان، رئيس جمعية تجار برج حمود بول اينيان، رئيس الجمعية اللبنانية الأرمنية بوغوص كورديان، رئيس حزب الاتحاد السرياني العالمي ابراهيم مراد، حشد من المخاتير وأعضاء البلديات الأرمن من مختلف المناطق اللبنانية، وفعاليات فنية وإعلامية واقتصادية ودينية وحزبية أرمنية ولبنانية، حيث قال رئيس القوات:” ترك كيفورك، ابن السبعة أعوام عائلته، بعد أن قضى جميع أفرادها تعباً، عطشاً وجوعاً… وتابع السير المضني وحيداً مع من تبقّى من قافلة الموت على قيد الحياة… فوصل الى دير الزور، ثمّ الى حلب ، ثمّ الى لبنان، لبنان الذي ما كان ليشبه لبنان لولا وجود الأرمن وتضحياتهم وعطاءاتهم…”
ورأى جعجع “ان 24 نيسان ليس مجرّد وقفةٍ سنوية نستذكر فيها ضحايا المجازر الأرمنية فحسب، بل مناسبة نحيي فيها ذكرى جميع شهداء المسيحية المشرقية، من سريان وكلدان واشوريين وأرثوذكس وموارنة وكاثوليك، ومحطّةٌ اساسية من محطّات الجلجلة الطويلة التي سارت عليها الإنسانية في صراعها المرير مع الشر والإستبداد والطغيان والعبودية، والتي لم تنتهِ فصولاً حتى اليوم، 24 نيسان ليس تاريخاً محفوراً في ذاكرة اخوتنا الأرمن فحسب، وإنما هو محطة في مسيرة معاناة المسيحية المشرقية برمتّها، من جبل لبنان الى جبل ارارات، ومن اضنة الى ديار بكر وطور عبدين، ومن الدامور وبيت ملات وزحلة الى الموصل ونينوى والحسكة وكَسَب. شرقنا لو حكى، لروت كل حبّة ترابٍ فيه، عن الحرية والعزة والكرامة، حكاياتٍ وحكاياتٍ لا تنتهي”.
وأكّد “ان التضحية الكبيرة التي بذلها المسيحيون المشرقيون، والأرمن في صلبهم، اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، هي واحدةٌ من ضرائب كثيرة تسدّدها الحرية بمواجهة العبودية، والديموقراطية بمواجهة الديكتاتورية، والتعددية بمواجهة الآحادية. إنها ضريبةٌ، على قساوتها، ومرارتها، ودمويتها، لم تذهب هدراً، وإنما عبدّت الطريق امام ظهور قيمٍ عالميةٍ اكثر إنسانيةً وعدالةً ورقياً. إن هذه المذابح قد طبعت بحرارة دمائها احرف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومهدّت السبيل امام نضوج وعيٍ إنساني جامع، تجسّد من خلال ولادة مبدأ “التدخل الإنساني”، الذي عرفته الأمم المتحدة في ما بعد”.
وأشار الى أنه “صحيحٌ ان المثالية التي عبّرت عنها المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان لا تتطابق دائماً مع الواقع المصلحي لبعض الدول، وصحيحٌ ان العدالة لم تتحقق بعد في العديد من القضايا الإنسانية، ومنها “القضية الأرمنية”، إلاّ ان الصحيح ايضاً هو ان الحقيقة تنتهي دائماً بالظهور، والعدالة تنتهي دائماً بالتحقق. إن العراقيل مهما كثرت، ومهما طال الزمن، ستزول حتماً وسيصل كل صاحب حق الى حقّه في نهاية المطاف ولن يصح إلاّ الصحيح”.
وذكّر جعجع أنه “عندما كان الأرمن والسريان والأشوريون يتعرضون للإبادة الجماعية في اضنة وماردين وديار بكر واورفا وسنجار ونصّيبين والمئات من المدن والبلدات الأخرى، كان سكان جبل لبنان، وبالأخص مسيحيوه، يتعرّضون للحصار والإضطهاد والقتل تجويعاً. وعندما كانت مدن وبلدات كثيرة من الامبراطورية العثمانية السابقة تفقد مئات الآلاف من ابنائها الأصليين، ذبحاً وقتلاً وتهجيراً، كانت مدن وبلدات وقرى جبل لبنان تخسر اكثر من نصف ابنائها قتلاً تجويعاً وتهجيراً، وعندما كان اكثر من 250 مفكراً ارمنياً يتعرضون للإغتيال والإعدام في موطنهم الأصلي، كانت المشانق المنصوبة في ساحة الشهداء في بيروت تُجهِز على عشرات المفكرين والصحافيين اللبنانيين، المسيحيون منهم والمسلمون. إنها حكايةٌ واحدة للكرامة والحرية والعنفوان، تنوعّت فصولها من ارمينيا الى جبل لبنان، انه الشعور بالقلق والرعب والخوف، الذي ينتاب كل “رجلٍ مريض” ، وانتاب السلطنة في تلك الأيام، فدفعها لاستخدام الإجرام والإرهاب، كأفضل وسيلةٍ لمواجهة حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتأخير دُنّو أجلها لأطول فترة ممكنة. إن المفاهيم الإنسانية قد سطّرت تاريخنا وخطّت مسار تطورّه من سخاء دماء اجدادنا، فما من فخرٍ اعظم من هذا. إن مصير القمع والطغيان والإرهاب والديكتاتورية هو الزوال دائماً. هكذا كان وهكذا سيكون”.
وشدد جعجع على أنه “لم يسقط اجدادنا ضحية مذابح طلعت باشا في اسطنبول وجمال باشا في بيروت، حتى نقف اليوم موقف المتفرّج على جرائمٍ يرتكبها “طلعت باشا” آخر في الرقة ونينوى والموصل وليبيا، ومذابح يقترفها “جمال باشا” ثانٍ، في الغوطة الشرقية ودرعا وريف دمشق”، مشيراً الى “أن مسؤولية الأحفاد تكمن في عدم التفريط بتضحية الأجداد، والتمسّك بالقيم والمبادىء التي سقط هؤلاء في سبيلها، والعمل على إيصال هذه التضحيات الى غايتها الإنسانية النهائية الكامنة في قيام شرقٍ تسوده الحرية والعدالة والمساواة والتعددية، وتتحقق فيه كرامة الإنسان”.
وأضاف:”صحيح أنّ المجازر الأرمنية بلغت حداً فريداً من الوحشية والهمجية لكن الصحيح أيضاً أنّها خلقت تماهياً بين لبنان وأهلها الأرمن، إذ كرّست لبنان وطناً ملجأ يوفّر الأمن والحرية للمضطهدين والمناضلين في سبيل الحرية في أرجاء هذا الشرق، وسمحت للمجتمع الأرمني النشيط والحيّ أن يضيف قيمة اجتماعية وثقافية وإنسانية وصناعية واقتصادية على الرصيد الوطني اللبناني”.
وأكّد جعجع “ان لبنان هو وطن الحريات، وطن الشعوب المقهورة، وطن كل باحثٍ عن الأمن والحرية، ولن نرضى عن هذا اللبنان بديلاً. لبنان نريده ان يبقى واحةً للحرية وموئلاً للقيم الإنسانية، لا متراساً متقدماً للقمع والظلم والظلامية. لبنان نريده ان يبقى ساريةً ترتفع عليها رايات الحق والحرية والإنسان، لا سرايا مسلّحين ومستودعات ذخيرةٍ تستخدم لقمع الحرية وقتل الإنسان في هذا الشرق. لبنان نريده ان يبقى مستودعاً للعلم والنور والحضارة والإنسانية، لا مُصدّراً للأزمات وداعماً للكيماويين أو الداعشيين”.
وتابع:” لقد وصل الشعب الأرمني الى لبنان، عشية الجريمة الكبرى، بأوضاعٍ مأساويةٍ صعبة، ولكنه مع ذلك حافظ على طابعه المسالم، فلم يتخذّ من هذا الواقع مطيّةً للتمرّد وإثارة القلاقل، وإنما اتخذّه حافزاً لتحسين اوضاعه بالطرق النبيلة والمشروعة، ولم يحاول تقويض مقومات الدولة اللبنانية، وإنما آمن بلبنان سيدٍ حر مستقل، ولم يحاول سرقة مقدرات الدولة وإنما اعطاها من لحمه الحي، ولم يأكل خبزه بعرق غيره، وإنما بعرق تعبه وكدّه ومثابرته.ولقد كان للقوات اللبنانية شرف انضمام العديد من الشبّان الأرمن الى صفوفها دفاعاً عن القضية اللبنانية، ومنهم من آمن بهذه القضية حتى الإستشهاد، فالى ارواحهم الطاهرة في هذه المناسبة، الف تحية وتحية. صحيح ان وطناً إسمه ارمينيا خسر عدداً كبيراً من شعبه جرّاء المجازر الوحشية البشعة، إلاّ ان وطناً آخر إسمه لبنان ربح بعضاً من هذا الشعب. فهنيئاً للبنان بأبنائه اللبنانيين الأرمن وهنيئاً لوطن يوحنا مارون بأحفاد الشهيد وارطان”.
ولفت جعجع الى “ان ما يُرتكب اليوم من مذابح في سوريا والعراق وليبيا يُعيد الى اذهاننا مشاهد من المجازر الأرمنية السابقة، كما ان الموقف الدولي المُتردد حيال المجازر السورية اليوم يُشبه بدوره الواقع الدولي الهّش المُرافق للمجازر الأرمنية حينها”، داعياً المجتمع الدولي وفي طليعته المجموعة العربية “الى الإلتزام ببنود الاتفاقات والإعلانات والمواثيق الصادرة عنه بالذات، وإتخاذ إجراءات ردعيةٍ حاسمة تضع الإلتزامات الدولية، التي تُعنى بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، موضع التنفيذ”.
وختم جعجع:” إذا كانت ارمينيا اول من اعتنق المسيحية كديانةٍ رسميةٍ في العالم، فإنّ لبنان اول من اعتنق الحرية كمذهبٍ إنساني في الشرق، وفي الوقت الذي كانت فيه جبال ارمينيا تبسط ذراعيها لتحتضن بينهما سفينة سفير الإنسانية الأول نوح، إيذاناً ببدء حقبةٍ إنسانيةٍ جديدة، كان جبل لبنان يوفد قدموس معلماً اولاً لهذه الإنسانية، إن ما يجمع اللبنانيين على مختلف ثقافاتهم ليس ماضي القهر والظلم والمعاناة فحسب، وإنما تاريخٌ حضاري مشرق ومستقبلٌ إنساني مُزهر، قدرنا ان نكون معاً، صامدين، مقاومين، متيقّيظين، موحدين، نواجه التحدياّت يداً واحدةً، في السرّاء والضراء، هذه ارادة التاريخ وهذه ضرورة الجغرافيا، هذه وصية شهدائنا من عليائهم. فالى ارواحهم الطاهرة الف تحيةٍ وسلام على الوفاء لشهدائنا في هذا المشرق باقون، ولإحقاق الحق والعدالة مناضلون، وللاعتراف بالحقيقة مطالبون”.
وكان الاحتفال، الذي استُهل بالنشيدين اللبناني والأرمني ونشيد حزب القوات، سبقه عرض للوحات ورسومات الرسام العالمي هرير ديربكريان مع بث أناشيد وأغانٍ أرمنية طوال النهار في المقر العام للحزب في معراب.
نص الكلمة كما جاء:
24 نيسان ليس مجرّد وقفةٍ سنوية نستذكر فيها ضحايا المجازر الأرمنية فحسب، بل مناسبة نحيي فيها ذكرى جميع شهداء المسيحية المشرقية، من سريان وكلدان واشوريين وأرثوذكس وموارنة وكاثوليك ، ومحطّةٌ اساسية من محطّات الجلجلة الطويلة التي سارت عليها الإنسانية في صراعها المرير مع الشر والإستبداد والطغيان والعبودية، والتي لم تنتهِ فصولاً حتى اليوم.
24 نيسان ليس تاريخاً محفوراً في ذاكرة اخوتنا الأرمن فحسب، وإنما هو محطة في مسيرة معاناة المسيحية المشرقية برمتّها، من جبل لبنان الى جبل ارارات، ومن اضنة الى ديار بكر وطور عبدين، ومن الدامور وبيت ملات وزحلة الى الموصل ونينوى والحسكة وكَسَب.
شرقنا لو حكى، لروت كل حبّة ترابٍ فيه، عن الحرية والعزة والكرامة، حكاياتٍ وحكاياتٍ لا تنتهي.
ايها الحفل الكريم…
إن التضحية الكبيرة التي بذلها المسيحيون المشرقيون، والأرمن في صلبهم، اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، هي واحدةٌ من ضرائب كثيرة تسدّدها الحرية بمواجهة العبودية، والديموقراطية بمواجهة الديكتاتورية، والتعددية بمواجهة الآحادية.
إنها ضريبةٌ، على قساوتها، ومرارتها، ودمويتها، لم تذهب هدراً، وإنما عبدّت الطريق امام ظهور قيمٍ عالميةٍ اكثر إنسانيةً وعدالةً ورقياً.
إن هذه المذابح قد طبعت بحرارة دمائها احرف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومهدّت السبيل امام نضوج وعيٍ إنساني جامع، تجسّد من خلال ولادة مبدأ “التدخل الإنساني”، الذي عرفته الأمم المتحدة في ما بعد.
صحيحٌ ان المثالية التي عبّرت عنها المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان لا تتطابق دائماً مع الواقع المصلحي لبعض الدول، وصحيحٌ ان العدالة لم تتحقق بعد في العديد من القضايا الإنسانية، ومنها “المسألة الأرمنية”، إلاّ ان الصحيح ايضاً هو ان الحقيقة تنتهي دائماً بالظهور، والعدالة تنتهي دائماً بالتحقق.
إن العراقيل مهما كثرت، ومهما طال الزمن، ستزول حتماً وسيصل كل صاحب حق الى حقّه في نهاية المطاف ولن يصح إلاّ الصحيح.
ايها الحفل الكريم…
عندما كان الأرمن والسريان والأشوريون يتعرضون للإبادة الجماعية في اضنة وماردين وديار بكر واورفا وسنجار ونصّيبين والمئات من المدن والبلدات الأخرى، كان سكان جبل لبنان، وبالأخص مسيحيوه، يتعرّضون للحصار والإضطهاد والقتل تجويعاً.
وعندما كانت مدن وبلدات كثيرة من الأمبراطورية العثمانية السابقة تفقد مئات الآلاف من ابنائها الأصليين، ذبحاً وقتلاً وتهجيراً، كانت مدن وبلدات وقرى جبل لبنان تخسر اكثر من نصف ابنائها قتلاً تجويعاً وتهجيراً.
وعندما كان اكثر من 250 مفكراً ارمنياً يتعرضون للإغتيال والإعدام في موطنهم الأصلي، كانت المشانق المنصوبة في ساحة الشهداء في بيروت تُجهِز على عشرات المفكرين والصحافيين اللبنانيين، المسيحيون منهم والمسلمون.
إنها حكايةٌ واحدة للكرامة والحرية والعنفوان، تنوعّت فصولها من ارمينيا الى جبل لبنان.
انه الشعور بالقلق والرعب والخوف، الذي ينتاب كل “رجلٍ مريض”[1]، وانتاب السلطنة في تلك الأيام، فدفعها لاستخدام الإجرام والإرهاب، كأفضل وسيلةٍ لمواجهة حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتأخير دُنّو أجلها لأطول فترة ممكنة.
إن المفاهيم الإنسانية قد سطّرت تاريخنا وخطّت مسار تطورّه من سخاء دماء اجدادنا، فما من فخرٍ اعظم من هذا.
إن مصير القمع والطغيان والإرهاب والديكتاتورية هو الزوال دائماً. هكذا كان وهكذا سيكون.
ايها الحفل الكريم…
لم يسقط اجدادنا ضحية مذابح طلعت باشا[2] في اسطنبول وجمال باشا في بيروت، حتى نقف اليوم موقف المتفرّج على جرائمٍ يرتكبها “طلعت باشا” آخر في الرقة ونينوى والموصل وليبيا، ومذابح يقترفها “جمال باشا” ثانٍ، في الغوطة الشرقية ودرعا وريف دمشق.
إن مسؤولية الأحفاد تكمن في عدم التفريط بتضحية الأجداد، والتمسّك بالقيم والمبادىء التي سقط هؤلاء في سبيلها، والعمل على إيصال هذه التضحيات الى غايتها الإنسانية النهائية الكامنة في قيام شرقٍ تسوده الحرية والعدالة والمساواة والتعددية، وتتحقق فيه كرامة الإنسان.
ايها الحفل الكريم…
صحيح أنّ المجازر الأرمنية بلغت حداً فريداً من الوحشية والهمجية لكن الصحيح أيضاً أنّها خلقت تماهياً بين لبنان وأهلها الأرمن، إذ كرّست لبنان وطناً ملجأ يوفّر الأمن والحرية للمضطهدين والمناضلين في سبيل الحرية في أرجاء هذا الشرق، وسمحت للمجتمع الأرمني النشيط والحيّ أن يضيف قيمة اجتماعية وثقافية وإنسانية وصناعية واقتصادية على الرصيد الوطني اللبناني.
إن لبنان هو وطن الحريات، وطن الشعوب المقهورة، وطن كل باحثٍ عن الأمن والحرية، ولن نرضى عن هذا اللبنان بديلاً.
لبنان نريده ان يبقى واحةً للحرية وموئلاً للقيم الإنسانية، لا متراساً متقدماً للقمع والظلم والظلامية.
لبنان نريده ان يبقى ساريةً ترتفع عليها رايات الحق والحرية والإنسان، لا سرايا مسلّحين ومستودعات ذخيرةٍ تستخدم لقمع الحرية وقتل الإنسان في هذا الشرق.
لبنان نريده ان يبقى مستودعاً للعلم والنور والحضارة والإنسانية، لا مُصدّراً للأزمات وداعماً للكيماويين.
ايها الحفل الكريم…
لقد وصل الشعب الأرمني الى لبنان، عشية المجازر، بأوضاعٍ مأساويةٍ صعبة، ولكنه مع ذلك حافظ على طابعه المسالم، فلم يتخذّ من هذا الواقع مطيّةً للتمرّد وإثارة القلاقل، وإنما اتخذّه حافزاً لتحسين اوضاعه بالطرق النبيلة والمشروعة، ولم يحاول تقويض مقومات الدولة اللبنانية، وإنما آمن بلبنان سيدٍ حر مستقل، ولم يحاول سرقة مقدرات الدولة وإنما اعطاها من لحمه الحي، ولم يأكل خبزه بعرق غيره، وإنما بعرق تعبه وكدّه ومثابرته.
لقد كان للقوات اللبنانية شرف انضمام العديد من الشبّان الأرمن الى صفوفها دفاعاً عن القضية اللبنانية، ومنهم من آمن بهذه القضية حتى الإستشهاد، فالى ارواحهم الطاهرة في هذه المناسبة، الف تحية وتحية.
صحيح ان وطناً إسمه ارمينيا[3] خسر بعضاً من شعبه جرّاء المجازر الوحشية البشعة، إلاّ ان وطناً آخر إسمه لبنان ربح بعضاً من هذا الشعب. فهنيئاً للبنان بأبنائه اللبنانيين الأرمن.
وهنيئاً لوطن يوحنا مارون بابناء الشهيد وارطان[4].
ايها الحفل الكريم…
إن ما يُرتكب اليوم من مذابح في سوريا والعراق وليبيا يُعيد الى اذهاننا مشاهد من المجازر الأرمنية السابقة، كما ان الموقف الدولي المُتردد حيال المجازر السورية اليوم يُشبه بدوره الواقع الدولي الهّش المُرافق للمجازر الأرمنية حينها.
إن المجتمع الدولي مدعّوٌ اليوم الى الإلتزام ببنود الاتفاقات والإعلانات والمواثيق الصادرة عنه بالذات، وإتخاذ إجراءات ردعيةٍ حاسمة تضع الإلتزامات الدولية، التي تُعنى بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، موضع التنفيذ.
ايها الحفل الكريم…
إذا كانت ارمينيا اول من اعتنق المسيحية كديانةٍ رسميةٍ في العالم، فإنّ لبنان اول من اعتنق الحرية كمذهبٍ إنساني في الشرق.
وفي الوقت الذي كانت فيه جبال ارمينيا تبسط ذراعيها لتحتضن بينهما سفينة سفير الإنسانية الأول نوح، إيذاناً ببدء حقبةٍ إنسانيةٍ جديدة، كان جبل لبنان يوفد قدموس معلماً اولاً لهذه الإنسانية.
إن ما يجمع اللبنانيين على مختلف ثقافاتهم ليس ماضي القهر والظلم والمعاناة فحسب، وإنما تاريخٌ حضاري مشرق ومستقبلٌ إنساني مُزهر.
قدرنا ان نكون معاً، صامدين، مقاومين، متيقّيظين، موحدين، نواجه التحدياّت يداً واحدةً، في السرّاء والضراء.
هذه ارادة التاريخ وهذه ضرورة الجغرافيا.
هذه وصية شهدائنا من عليائهم. فالى ارواحهم الطاهرة الف تحيةٍ وسلام.
على الوفاء لشهدائنا في هذا المشرق باقون،
ولإحقاق الحق والعدالة مناضلون، وللاعتراف بالحقيقة مطالبون.
عاش شهداؤنا الأبرار
عاش اللبنانيون الأرمن
عاشت القوات اللبنانية
يحيا لبنان”.
بالفيديو: كلمة د.جعجع في الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية في معراب
