الجامعة اليسوعية: 140 عاما من النجاح

في إطار التعاون المستمر بين موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني ومجلة “المسيرة”، ننشر على حلقات الملف الذي تتابعه “المسيرة” تحت عنوان  “الجامعات الخاصة: 150 عامًا … 190 ألف طالب”.

أسس الآباء اليسوعيّون الجامعة اليسوعية في بيروت في العام 1875، بعدما لمسوا فراغًا كبيرًا في مجال الدراسات العليا والمتخصّصة في تلك الحقبة

140 عامًا ولا تزال جامعة القديس يوسف، تخرّج أجيالاً من الشباب ليس فقط عن طريق العلم إنما عبر إنماء الحوار والفكر أيضا

البروفسور رزق: يعود سبب النجاح الى قدرتها على المشاركة في مراحل بناء البلد وكانت لها بصمات عديدة في هذا الخصوص

الأب أسود: المرشدية هي حضور روحي مسيحي منفتح للجميع، ولديه جانب ثقافي اجتماعي

هي من أرقى الجامعات في لبنان والعالم العربي وأفضلها، وهي بحقّ كما وصفها رئيس جامعة القدّيس يوسف في بيروت، البروفسور سليم دكّاش “صرح تاريخيّ، جامعة يسوعيّة وإنسانويّة، جامعة لبنانيّة شابّة، ذات بعد إقليميّ، إنّها جامعة تعطي القيم معناها، تنقل رسالتها إلى  طلاّبها حيث الطالب هو مركز التعليم والبحث”.

أسّس الآباء اليسوعيّون الجامعة اليسوعيّة في بيروت في العام 1875، بعدما لمسوا فراغًا كبيرًا في مجال الدراسات العليا والمتخصّصة في تلك الحقبة، فحملت الجامعة شعارهم “من أجل مجد الله الأسمى”.

ومنذ ذلك الحين تطوّرت الجامعة، وتميّزت مع الأعوام لتصبح جامعة تعليم وأبحاث، تتطلّع إلى  التميّز وإعداد أفضل الطلاّب في لبنان والمنطقة، وتزويدهم بجواز عبور إلى  سوق العمل.

140 عامًا ولا تزال “جامعة القدّيس يوسف”، تخرّج أجيالاً من الشباب في ميادين الآداب والعلوم الإنسانيّة والدينيّة، والعلوم الطبيّة والرعاية الصحيّة، والعلوم القانونيّة وإدارة الأعمال والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا العالية والهندسة، ليس فقط عن طريق العلم إنما عبر إنماء الحوار والفكر أيضًا، من خلال الثنائيّة الثقافيّة وتعدّد اللغات والتنشئة المتكاملة.

وتحتفل جامعة القدّيس يوسف هذه السنة بعيدها الـ 140 ولهذه المناسبة التقت “المسيرة” نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديميّة البروفسور توفيق رزق، في حوار حول دور الجامعة الرياديّ ونجاحاتها ومميّزاتها، واختصاصاتها الجديدة، إضافة إلى دورها الفعّال في دعم الوجود المسيحيّ في الشرق وتطلعاتها المستقبليّة.

ما هو سرّ نجاح الجامعة اليسوعيّة واستمراريتها؟

يعود سبب النجاح إلى قدرتها على المشاركة في مراحل بناء الوطن إذ كانت لها بصمات عديدة في هذا الخصوص، كما ساهمت أيضًا في تأسيس الكوادر. مثال على ذلك في المجال الصحيّ، نشأ عنها أهم المؤسّسات الطبيّة، وكذلك الأمر على صعيد الحقوق والآداب والفكر أيضًا. فالنجاح ارتبط باسم الجامعة وإنجازاتها في وقت لم تكن الدولة  قد تأسّست بعد. أما سبب استمراريتها فيعود إلى الجدّية في الالتزام من قبل الآباء اليسوعيّين، على الصعيد التربوي والتنشئة الوطنيّة والاجتماعيّة المستمدة من المبادئ المسيحيّة الأساسيّة.

ما هو دور الجامعة الرياديّ؟

هناك مرحلتان تختصران دورها الرياديّ: ما قبل الحرب اللبنانية وما بعدها. قبل العام 1975 شاركت الجامعة بشكل فعلي في بناء كادرات الدولة والمجتمع، وساهمت في بناء الوطن في نواحٍ عديدة. وفي تلك الفترة لم يكن هناك انتشار للصروح الجامعيّة كما هي الحال اليوم، وكان يقتصر الأمر على ثلاث جامعات هي: اليسوعيّة والأميركيّة واللبنانيّة.

بعد الحرب بدأت عملية تأسيس جامعات خاصّة جديدة، وحاليًا هنالك حوالى  52 ترخيصًا تقريبًا لمؤسّسات التعليم العالي، لكن المؤسّسات التي تقوم بدورها في شكل أكاديميّ صحيح يراوح عددها بين 8 و 14 مؤسّسة فقط باعتراف وزارة التربية.

من جهة أخرى، تغيّر مفهوم دور الجامعة بعد الحرب، ولا نزال نشارك في البناء وبعملية المواطنة أيّ خلق مسؤولية الالتزام بالوطن عند اللبنانيين عمومًا والطلّاب خصوصًا. المهمة ليست سهلة، نظراً للاوضاع التي نمرّ بها والتخبطات والانقسامات على الصعيد السياسيّ والإقليميّ، لكن على الرغم  من ذلك لا تزال الجامعة اليسوعيّة تؤدي دورها في هذا المجال.

ما الذي يميّز الجامعة اليسوعيّة عن غيرها من مؤسّسات التعليم العالي؟

تتميّز الجامعة اليسوعيّة بنقاط عديدة، منها الالتزام بالطالب منذ انضمامه إليها ومتابعته، وتقديم مستوى يضاهي المستويّات الأوروبية. فالجامعة اليسوعيّة ملتزمة بواقع علميّ ثقافيّ وأكاديميّ واضح، وهذا الالتزام أساسيّ على رغم تكلفته الباهظة على صعيد الجهد والتقنيات المقدّمة والمال والسمعة، وهذا ما يمكّن طلاّبنا من المنافسة، ليس فقط على الصعيد المحلي، إنّما في الخارج أيضًا.

وتتميّز جامعتنا بمساندة الطالب ومساعدته عن طريق المكتب الخاصّ للشؤون الاجتماعيّة، فنحن لا نرضى أن يشكّل المال عائقًا أمام التحصيل العلميّ لأيّ طالب. من هنا نساهم في شكل كبير بدعم الطلّاب ونحرص على تقديم منحٍ جامعيّة.. كما نسعى دائمًا إلى  تطوير مناهجنا وتحديث وسائلنا، لتتوفّر بشكل دائم للطالب، حتى أن الأساتذة يخضعون بشكل دائم لبرامج تدريبيّة ليواكبوا التطوّر.

هل من اختصاصات جديدة تضاف إلى المتوفّرة الآن في الجامعة؟

الكليّات تواكب الحاجة بشكل دائم وتجد الحلول. فكليّة الهندسة مثلاً خرجّت الدفعة الأولى من طلاّب الماستر في مجال النفط والغاز تماشيًّا مع التطوّر الذي حدث في لبنان في هذا المجال، وقد تعاونت الكليّة  مع اختصاصيّين فرنسيّين لاستحداث هذه الشهادة.

أما على صعيد المعلوماتيّة فنحن  نعمل على ما يُعرف بالمهن المتعلقة بالشبكة العنكبوتيّة “Les métiers du web” التي تواكب التطوّر المعلوماتيّ وتلبي الحاجات إلى أنواع جديدة من الاختصصاصات في هذا المجال، إضافة إلى  ذلك يتمّ العمل في معهد العلوم السياسيّة على استحداث ماستر في مادة “حقوق الإنسان”، وفي كليّة الطبّ تمّ تطبيق طريقة حديثة في التعليم تُعرف باسم (APP)- L’aprentissage par problème أيّ طرح المشكلة وتدريب الطلّاب على أساسها. وفي كليّة الصيدلة  ايضًا هناك تعاون مع مختبرات “ميريو” الفرنسيّة، أما في كليّة العلوم فقد بدأنا تطوير دراسة تصنيع النبيذ… كما أطلقنا العديد من الشهادات الجديدة.

إلى  ذلك، طبّقنا في كلّ مناهج التعليم في الجامعة مفهوم القدرات العلميّة وكيفيّة تبيان نتيجة هذا التدريب من قبل الطلّاب. وتمّ فتح فروع جديدة واختصاصات جديدة في كليّات الآداب والعلوم وإدارة الأعمال واللغات، في مناطق الشمال والجنوب وتحديدًا في صيدا.

ما هو دور الجامعة في دعم الوجود المسيحيّ في الشرق؟

من أجل تحقيق هذه المهمة، تحثّ الجامعة طلّابها على الانفتاح على الحياة الروحيّة الالتزام بالمفاهيم الدينيّة ضمن سياق المواطنة الصالحة والمسؤولة، والتمسّك بالوطن والحفاظ على وجوده وعلى دورهم فيه كعناصر فاعلة وأساسيّة في عملية البناء والتطوير. كما تسعى إلى توعيتهم على أهميّة الحوار والمشاركة، فتعدّدية مجتمعنا وتنوّعه الطائفيّ، هما وسيلتان ناجحتان للعيش في تناغم وتسامح واحترام متبادل.

مثلما يكمن دورنا في توعية الطلّاب على مسؤولياتهم وإبراز أهمية وجودهم ودورهم في هذا الشرق، كما نسعى إلى  تعليم الطالب مفاهيم جديدة وحديثة، تجعله يطرح تساؤلات عديدة، تسمح له في خلاصة الموضوع بالتمييز ما بين الصحّ والخطأ، والوصول إلى  فهم حقيقة دوره ووجوده.

إلى  ذلك، تلعب كلية اللاهوت دورًا مهمًا في هذا المجال، خصوصًا في اللقاءات المسيحيّة الإسلاميّة التي تنظّمها الجامعة، وفي مواضيع العيش المشترك التي تطرحها، وقد لاحظنا فرقًا كبيرًا في الحوار والتعاطي في هذا المجال.

ونحن نعزو هذا الانفتاح إلى كون الجامعة اليسوعيّة هي جامعة مسيحيّة، كاثوليكيّة، تعمل بحسب المبادئ المسيحيّة،  وبما يتلائم مع شرعتها وتاريخها العريق وثقافتها وخبراتها التي تراكمت طيلة مائة وأربعين عامًا.

ما هي تطلعات الجامعة المستقبليّة؟

تطلعاتنا كبيرة، ونحن في صدد وضع خطّة مستقبليّة لسنة 2025. وعليه عمدت كلّ كليّة إلى  تقديم اقتراحاتها ورؤيتها، على أن يتمّ جمعها ووضعها ضمن خطة مستقبليّة واعدة. بالمقابل تسعى الجامعة إلى  تطوير ذاتها عن طريق التعاطي مع الخارج، والانفتاح على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ،  لذا فإنها تملك شبكة واسعة من الاتفاقيات والمبادلات مع كبريات الجامعات في مختلف أنحاء العالم خصوصًا أنها ومنذ العام 2003 تعتمد النظام الأوروبيّ  لاحتساب الأرصدة المتراكمة ECTS  ما يمكن طلاّبها من إكمال دروسهم في جامعات خارج لبنان، ويمكّنها من استقبال الطلاّب الأجانب.

ولا يغيب عن بالنا أبدًا أن جامعتنا هي جامعة فرنكوفونيّة، ولكن تعطى الدروس فيها باللغات الثلاث: العربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة، وكما ذكرت سابقًا  نعزّز انفتاحنا على الخارج، من خلال التبادل والمشاركة مع غالبية الجامعات من فرنسا إلى كندا وبلجيكا وانكلترا وسويسرا وأميركا وغيرها، إضافة الى فرعنا في الإمارات العربية المتحدة الذي ينمو ويتوسّع. من جهة أخرى  نعمل للانتقال إلى التطبيق العملانيّ في طرق التدريس.

في النهاية لا بدّ من القول إن جامعة القدّيس يوسف تنظر إلى مستقبلها من خلال تاريخ يمتدّ على مائة وأربعين سنة من العطاء وخدمة هذا المجتمع، وهي ما تزال ملتزمةً به، إذ سبق لها أن خرّجت النخب والكوادر التي  بنت الوطن، ما تزال تتابع رسالتها وعيش قيمها المنصوص عليها في بنود شرعتها والتي تعيشها في مختلف كليّاتها وأحرامها.

الأب فيكتور أسود اليسوعيّ: رسالتنا وإيماننا يدفعان بنا نحو الانفتاح

داخل أحرام جامعة القدّيس يوسف نجد العديد من الأقسام التي تعمل على تعزير الانفتاح والحوار في الجامعة اليسوعيّة، منها “المرشديّة” التي تلعب دورًا أساسيًا وفاعلاً في الإرشاد العامّ والروحيّ. “المسيرة” التقت مرشد الجامعة، الأب فيكتور أسود اليسوعيّ، في حوار عن دور المرشديّة ونشاطاتها.

ما هي المرشديّة وكيف تأسّست؟

المرشديّة هي مكان  داخل صرح الجامعة يعرض خدمات روحيّة أو ثقافيّة واجتماعيّة على الطلبة والموظفين والهيئة التعليميّة في الجامعة. فنحن جامعة كاثوليكيّة ومن البديهي أن تقوم المرشديّة بدورها الذي يتولّاه كاهن يسوعيّ مع فريق عمل يساعده.

كيف تعمل المرشديّة؟

تعرض المرشديّة مجموعة من النشاطات على مدار السنة من محاضرات وخلوات روحيّة وأعمال اجتماعيّة مختلفة. كما نصرّ على لا تقتصر المشاركة على المسيحيين فقط، بل تنفتح على الجميع من الطوائف كافّة. الجميع مدعوون للمشاركة معًا في مختلف النشاطات خصوصًا أن نسبة الطلّاب غير المسيحيين في الجامعة اليسوعيّة تتراوح بين 35 في المائة و40 في المائة. فنقصد أن نعتمد البرامج الأشدّ انفتاحًا والتي تخوّل الطلّاب ممارسة العيش المشترك.

ما هو دور المرشديّة في تعزيز الانفتاح؟

لا يقتصر دورنا كمرشديّة في الجامعة على النشاطات المسيحيّة وحسب، كما سبق أن ذكرت، فالجامعة منفتحة على الجميع، ونحن نؤمن بالتعدديّة التي تعتبر واحدة من سمات المجتمع اللبنانيّ. كما نلتزم بشرعة جامعة القدّيس يوسف التي ترفض أن تكون في خدمة طبقة اجتماعيّة أو جماعة عرقيّة بصورة حصريّة، لذا تولي الجامعة اهتمامًا خاصًّا بالتنوّع في جهازها التعليميّ والطلابيّ. وهي ترفض أن تخضع لإيديولوجيّة معينة، وتسعى الى المحافظة داخل حرمها على حريّة التواصل والحوار. ونحن نعمل على تطبيق ذلك من خلال بناء مواطن منخرط في المجتمع، وملتزم في بناء وخدمة مجتمعه المدنيّ.

ما الذي يميّز الجامعة اليسوعيّة بهذا الدور عن غيرها من الجامعات؟

غالبية فروع الجامعات الكاثوليكيّة في لبنان تقع في مناطق مسيحيّة عمومًا، في حين أن الجامعة اليسوعيّة أرادت منذ الأساس أن تبني جامعتها على خطوط لقاء، ولذلك فإن جامعتنا موجودة في مناطق فيها تعدّدية دينيّة. وخلال الحرب اللبنانيّة، ارتأت الجامعة مبدأ اللامركزيّة لكي تطال جميع المناطق والفئات اللبنانيّة بغية تعزيز التعليم الجامعيّ في مختلف المناطق. لذلك أسّست ثلاثة مراكز جديدة: مركز الدروس الجامعيّة في لبنان الشماليّ؛ مركز الدروس الجامعيّة في زحلة والبقاع؛ ومركز الدروس الجامعيّة في لبنان الجنوبيّ. صحيح أن جامعتنا مسيحيّة، إنما رسالتنا وإيماننا يدفعان بنا نحو الانفتاح واستقبال الجميع، والعمل على خلق ذهنيّة ذات رسالة وطنية.

ما هي أبرز النشاطات التي تقومون بها؟

تعرض المرشديّة على الطلّاب المشاركة في القداديس التي تُقام في مناسبات معينة، كما تنظّم رياضات روحيّة على المستوى الجامعيّ.  وتنظم المرشديّة لقاءً أسبوعيًا في كلّ صرح جامعيّ يناقش فيه الحاضرون موضوعًا معينًا تُعِدّه لجنة مؤلّفة من الطلّاب. وتسعى الى إشراكهم في العمل الاجتماعيّ، كزيارة العائلات الفقيرة والمرضى…

تتوقف المحاضرات في الجامعة من الساعة الثانية عشرة والربع ظهرًا  حتى الواحدة والربع بعد الظهر، إفساحًا في المجال أمام الطلّاب للتفاعل والمشاركة في النشاطات الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة وغيرها.

وفي أثناء “حرب تموز 2006″، تطوّعت مجموعة من الطلّاب كلّ بحسب اختصاصه، وتجمّعوا لتقديم المساعدة فولدتْ “عمليّة اليوم السابع”، وراحت كلّ مجموعة بحسب اختصاصها تقدّم عملاً اجتماعيًا تطوعيًّا، وبعد انتهاء الحرب استمّرت “عملية اليوم السابع” وما تزال تساهم في تنميّة الالتزام المواطنيّ لدى الطلاّب، وفي اكتسابهم للقيم الاجتماعيّة، والوطنيّة والإنسانيّة.

جامعة القدّيس يوسف كانت وما تزال، رائدةً بعملها الأكاديميّ والاجتماعيّ، ومواظبةً على تحقيق رسالتها وقِيَمها ورؤيتها، من حيث التعليم والبحث وخدمة المجتمع.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل