#dfp #adsense

إيبول عطالله (2): ليش إنت حلو هالقدّ؟

حجم الخط

قبل أن “نخربش” في ذاكرة إيبول عطالله كان الماضي ومعاناته مجرد صفحة مطوية، حكاية بطولة لم يبق منها إلا التزامه بحزب “القوات اللبنانية”. كان قطع على نفسه عهدا بأنه لن يعود إلى هذا الماضي، إلى البوم الصور التي تضعه امام مرآة عمره إلى صفحات هذا الماضي ووجعه، لأنه ببساطة قرر ان يعيش الحياة بجرأة وسعادة.  أكثر من مرة طَلب منه ان يكتب قصته. لكنه رفض على اعتبار انها تجربة شخصية. “بس المسيرة إلها مكانة خاصة بقلبي”. هكذا كانت البداية. وعندما قرأ الجزء الأول من قصته قالها بصوت خافت:”حطيتيني قدام مرايتي وشفت قدامي إيبول خلال 26 سنة”. وعلى رغم الورشة التي اربكت ذاكرته لا يزال مصمما على إكمال حكاية البطولة التي سطرها بإيمانه وعزمه على تحدي زفرات الموت والألم.

في الجزء الثاني الذي يفترض ان يكون الأخير يروي إيبول رحلة العلاج وجلسات إعادة التأهيل الجسدي والنفسي ولقاءه بشريكة العمر كريستينا التي تعرفت إليه قبل ان تكتمل معالم الوجه المرمم يتزوجا وينجب منها ولديه: سمير وأندريه. رحلة بدأت بعمليات إعادة تركيب عظام وجلد الوجه وانتهت بـ”كدشة” خيار بلدي وقرقشة جزرة  بعد  26 عاما!

 

 

 

48 عملية حفرت في جسم إيبول بهدف إعادة ترميم الوجه الذي تشوهت ملامحه واختفى بعضها بفعل تلك القديفة التي اصابته في ملالته على رشاش ال7/12. 48 عملية ولا يزال ينتظره الكثير بعد حتى يتمكن من استعادة جزء من نظام الحياة البشرية. لكن إيبول قرر ان يرتاح قليلا من مبضع الجراحين وغرفة العمليات ورائحة “البنج” والمورفين الذي خدَر وجعه على مدى ليال وأيام لكن وجع الروح بقي حاضرا إلى اليوم.

26 عاما كانت بمثابة المطهر لكنه عاشها برضى وإيمان وقناعة . لم ينس قضيته، فعاد إلى ممارسة نشاطه الحزبي في “القوات اللبنانية” وكان في طليعة وفد “القوات” الذي توجه الى “فينيسيا” لاستقبال البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في العام 2010. لكن الوصول إلى هذه المحطة سبقتها محطات كثيرة. يرويها إيبول.

“عملتيلي ورشة براسي. ورشة تعبتلي ذاكرتي ” يبادرنا إيبول بعدما كنا طلبنا منه تحضير مجموعة من الصور الموضبة في البوم أيام “الأسود والأبيض”. ويتابع”ما تخايلت إنو راح إرجع اتوجع هلقد وإتأثر بس إقرا قصتي… حسيت حالي قدام مرايتي اللي كسرتا بس شفت وجي صدفة لأول مرة . إمي اتصلت فيي وكانت عم تبكي، إخواتي، رفقاتي…” ربما تكون هذه الدموع التي لم يجرؤوا يوما على ذرفها أمامه. وقد تكون دموع الفرح بعودته إلى الحياة. لكن بالنسبة إلى إيبول هي ليست إلا مرآة لذاك الماضي الذي تأكد اليوم انه لا يزال ينبض في خلاياه .لكنه يصر على مواجهة هذا الماضي بنفس التحدي على إرادة الحياة. ويروي:

“عندما وصلت إلى مستشفى “سان فورتولو” كنت اعاني من إلتهابات حادة بسبب عدم التمكن من تطهير نربيج الطعام الموصول مباشرة المعدة. واستمرت فترة العلاج نحو 3 أشهر امضيتها على المضادات الحيوية وحقن المورفين ولم اكن قادرا على التواصل مع اهلي في لبنان لأن وجهي كان مغطى بالشاش ولا استطيع الكلام. وكنت أنتظر اللحظة التي يعلن فيها الأطباء انطلاق الورشة لإعادة تركيب وجهي”.  إلى أن تم ذلك وبدأت رحلة الترميم والعمليات بعد 4 أشهر من وصوله إلى إيطاليا.

في المرحلة الأولى اقتصرت عمليات الترميم على إعادة تركيب قاعدتي الوجه وتثبيت العينين من خلال عظام الخاصرة ويروي ايبول:”بتذكر إنو عيني بقيت مربوطة بشريط حديد مدة 3 اشهر قبل ما ترجع تثبت بالحدقة”. ويعود إلى صوره في تلك المرحلة عله يضيف شيئا. فجأة يختفي صوته ويعود هامسا:” شي بيخوف . لأ ما راح ابعتلك هالصور. بفضل ما فوت بالتفاصيل اكتر لأنو برفض كون مصدر شفقة لحدا او إسمع كلمة “يا حرام”.

نقلب الصفحة؟ “اتكلي ع الله” ويتابع: بعد عمليات ترميم الفك العلوي بواسطة زرع عظام من الأضلع قاربت الخمس، بدأت ورشة تركيب أنف جديد مع الفك السفلي والزلعوم وسقف الحلق “كانوا يقصقصوا من عظام جسمي تا يركبولي معالم وجِّي. سنتين و3 أشهر وأنا على هالحالة بالمستشفى”. في هذه الفترة بدأ يتعرف إلى أصدقاء جدد من الجنسيتين اللبنانية والإيطالية فكانوا يعودونه في المستشفى ومنهم من كان يمضي  ساعات النهار معه مما ساعده على تخطي رهبة الوحدة.

بعد تأكد الفريق الطبي أن حال إيبول تستوجب الكثير من العمليات قرروا إخراجه من المستشفى وإرساله إلى مركز “ترينتو” للرعاية والتأهيل. فانتقل الى هناك ولم يكن يخرج منه إلا إلى غرفة العمليات في “سان فورتولو”. لكن لقاءه بوالدته لم يتم إلا بعد عامين ونصف العام من وصوله إلى إيطاليا ولا يزال يتذكر تفاصيله حتى اليوم “كانت أول مرة بشوف إمي بعد ما جيت ع إيطاليا. وقفت ع باب غرفتي. ما حكينا ولا كلمة. تطلعنا ببعض هيي تبكي وأنا إبكي. بقينا شي ساعة على هالحالة. بس نحنا ولاد ضيعة ومؤمنين بالله وبسيدة بشوات. بس خلص البكي كانت الكلمات الوحيدة ع لسان إمي “كتر خير الله. كتر خير الله”… وأنا كنت كل ما بدي سمعا صوتي إكبس على زر الجهاز الموصول بزلاعيمي تا يطلع منو شي كلمة او صوت”.

شهران أمضتهما نزيهة العاقوري والدة إيبول قرب سريره في المستشفى وكانت ترفض حتى ان تغادره ليلا على رغم إلحاح الأطباء بضرورة ذلك لأن قانون المستشفى يمنع ملازمة اي مريض ليلا. وعندما كان يغادرها لإجراء عملية  تجميل كانت تنتظره في مركز الرعاية او عند أحد الأصدقاء ومنهم فادي حمامة الذي كان يخضع للعلاج في إيطاليا إثر إصابته البليغة في قدمه والتي أدت إلى بترها. وبفضل صغر سنه وبنيته القوية استطاع إيبول ان يتخطى الكثير من التداعيات التي كان من الممكن ان تستجد بعد كل عملية ويقول “كان عمري 22 سنة وبنيتي قوية وهيدا اللي ساعد على التحام الجروج بعد كل عملية”. لكن ليس في كل مرة كانت تسلم الجرة. ففي العام 2006 كان الموعد مع تركيب أنف جديد “حطولي بالونات بلاستيك تحت الجلد وكل أسبوع كنت روح عالمستشفى تا ينفخون بالماء حتى يتمدد الجلد. وبس فتت على غرفة العمليات ب”فيشينسا” بيسألني الحكيم: “لشو حطينالك البالونات؟”. حسيت إنو راح إرتكب أول جريمة بحياتي وطلعت من غرفة العمليات من دون نتيجة”. وليس هذا وحسب. فالخيبات التي تلقاها إيبول على يد بعض الأطباء كانت عديدة ولا يزال يتلقاها كما يقول.

بعد خروجه من تلك العملية التي لم تسفر عن أية نتيجة باستثناء مضاعفة اوجاعه الجسدية والنفسية قرر إيبول ان لا يخضع لمبضع جراح. “تركت حالي تا صحيت وقررت اتصل بالوزير السابق الدكتور طوني كرم كونو كان مرافقني بأول مراحل الإصابة وطلبت منو المساعدة. وبعد أيام معدودة اتصل فيي وبلغني انو حكي مع الإختصاصي بطب التجميل الدكتور نبيل حكيم بس لازم إنزل ع لبنان “. كان ذلك في العام 2007. فوافقت لكنها لم تكن المرة الأولى التي يزور فيها إيبول لبنان.

ففي العام 2004 زار لبنان لإحضار أوراقه الثبوتية خصوصا أنه لم يتسجل كما باقي الرفاق الذين وصلوا معه او بعده تباعا إلى إيطاليا بحجة أنه سيموت غدا! ويتذكر إيبول تفاصيل اللقاء الأول بأفراد عائلته وأبناء الدير على أرض المطار: “كان هناك أكثر من 200 شخص من دير الأحمر في انتظاري. كان المشهد أشبه بتظاهرة. عندما أطليت ركضوا نحوي ومنهم من تجاوز الفواصل الحديدية. حسيت انو قلبي راح يطلع من صدري. بقينا ساعتين نحنا ونسلم ع بعض. بعدين طلعنا بالسيارة وعلى وجي ع سيدة بشوات. ومن هونيك ع بيتنا”.

المشهد في ساحة  دير الأحمر لم يكن عاديا. حشود بشرية من كل الأعمار كانت تنتظر وصوله. وما إن أطل حتى بدأ الإحتفال بالزمامير والمفرقعات النارية ونثر الأرز، وفي مكان آخر كانت أجراس الكنائس تقرع ترحيبا بعودة إبن البلدة او قل بولادة إيبول الثانية. صحيح ان وجهه كان لا يزال مغطى بالضمادات والشاش الأبيض لكن ما هم. المهم أن قلب إيبول لا يزال ينبض حياة وفرحا وإيمانا.

أسبوعان أمضاهما إيبول في لبنان لم يذق خلالهما النوم كما يجب، او قل كما كان يحلم في غرفته، على سريره. صحيح أنه كان مشتاقاً كما زواره لجلسات الأمس غير القريب، وصحيح أنه كان يثمّن فرحة الأهل والأقارب بعودته، لكنه كان يحتاج إلى الراحة ولو قليلا. وقبل ان يغادر أصر أن يزور رفاقه الذين واكبوه في إيطاليا ومنهم وليد خوري وفادي حمامة وإرنست يونس الذين كانوا يخضعون بدورهم للعلاج في إيطاليا من جراء إصاباتهم البليغة في حرب الإلغاء. لكن قبل زيارة الأصدقاء لا بد من تفقد ذاك الموقع الذي حول مسار حياته وعاش فيه لحظات الموت . فتوجه مع شقيقه وبعض الرفاق إلى مشروع الأرمن السكني. هناك وقف يتأمل في المكان. حاول أن يفهم شيئا ما،  أن يحلل كيف ومن أين أصابته تلك القذيفة التي طحنت عظام  وجهه وأطاحت بمعالمه، وللحظات كادت تقضي على حياته. لم يفهم شيئا. غاص أكثر في تأملاته. وشكر ربه على نعمة الولادة الثانية قبل ان يومئ لشقيقه طالبا منه مغادرة المكان، والرحيل. عاد إيبول إلى دير الأحمر وفي باله ألف سؤال وسؤال. لكنه لم يشكك للحظة “كنت عارف حالي من أول لحظة لبست فيا البدلة الكاكية وحملت البارودة إني راح كون مشروع شهيد. مشروع معوق. الحمدالله بشكر ربي إني بعدني عايش. رفاق غيري صاروا تحت التراب او حتى معوقين أو مفقودين. لكن بعد يومين وقبل ان يغادر لبنان أصيب بشبه انهيار عصبي “كنت حاسس حالي مزعوج بعد هالمشوار كان عندي تساؤلات بس تفاجأت إنو رفقاتي كانوا مفتكريني ميت وتفاجأوا بس ذكرتن انا وبالموقع نفسو اللي انصبت فيه بكلماتن. وخبرتن قصة جدي وكيف كنت مفتكر حالي انو ميت وراح ضل إسمع شو عم بيصير حولي لمدة ساعتين.. وما كانو يخلصوه الساعتين.. اضحكي… ساعات بضحك ع حالي”.

قبل ان يعود إلى إيطاليا كان لا بد من زيارة مفصلية ثانية. يسوع الملك “توجهنا إلى هناك لمقابلة ستريدا. هناك التقيت بعدد كبير من الشباب. شعرت بالفرح لكن مع غصة. فسمير جعجع ليس بيننا. سمير جعجع في سجن وزارة الدفاع. عندما دخلت ستريدا نظرت إليَ واغرورقت عيناها بالدموع. عرضت علي المساعدة. فأجبتها: “أنا جايي شوف شو بدكن تا ساعدكن. نحن انصبنا مرة واحدة بس الحكيم وستريدا والشباب اللي كانوا عم يتعرضو للمضايقات والإعتقال كانوا عم  ينصابوا ألف مرة يوميا. فجأة ساد صمت رهيب. لكن أنفاس إيبول لا تزال مسموعة: “خف نبضي ع الذكريات”. صحيح فمن كان يقول إن حنجرته ستصدح من جديد؟ من كان يتخيل إنسانا من دون وجه يعود وبتحدٍ اكبر إلى الحياة. إيبول قرر وفعل.

في العام 2007 عاد إيبول إلى لبنان ليبدأ مرحلة العلاج مع الدكتور نبيل حكيم. في الرحلة الأولى خضع لثلاث عمليات. وكان يدخل غرفة العمليات صباحا ويخرج منها مساء. ثلاث عمليات جراحية كانت كناية عن زرع العظام في الوجه من جديد واللحم وإعادة تأهيل وترميم قاعدتي العينين والحنك بالإضافة إلى تركيب أسنان جديدة على يد الدكتور نديم أبو جودة بعدما باءت العمليات السابقة بالفشل. قبل هذه العمليات كان إيبول يتغذى بواسطة النربيج الموصول إلى المعدة مباشرة. وبعد إزالته صار يكتفي بتناول السوائل او الأكل المطحون. أطباق كثيرة وأنواع عديدة من الطعام لم يعد يتذكرها ولا يشتهيها حتى أنه نسي رائحتها. وقبل أن يعود إلى إيطاليا كانت العملية الأخيرة التي أكد له الدكتور أبو جودة انه بات قادرا على قضم الطعام “وقرمشة” جزرة. لم يصدق إيبول. عندها طلب د. أبو جودة من مساعدته ان تنزل إلى السوبر ماركت وتحضر له كل ما يتوافر: جزر خيار، فستق منقوشة. في البداية تناول اول كدشة من المنقوشة. ثم الفستق. وصولا إلى الجزر”تصوري بعد 26 سنة رجعت أكلت جزرة!”

عندما عاد إلى بيته دخل المطبخ. على الطاولة كان هناك صحن خيار بلدي من دير الأحمر. “كانت ريحتو بتشهي. مسكت خيارة وكدشتا. بعدا طعمتا تحت سناني”. ومن تلك اللحظة بدأ يشتاق لتناول أطباق معينة “كنت عبي معدتي بأنواع  عديدة تا ما تبقى فارغة. ولو ما كانت صحتي قوية كنت انتهيت من زمان”. وهل انتهت رحلة العلاج والعمليات؟ “طبعا لا. يجيب إيبول هناك عملية مقررة في اللثة العليا حتى أتمكن من إطباق فمي أثناء الأكل لكنني غير متحمس. تعبت وبدي إرتاح وما بدي أترك زوجتي وولادي”.

زوجة وولدان. سمير (15 عاما) (تيمنا ب سمير جعجع) وأندريا (10أعوام). نعم ف إيبول تزوج بنصف وجه وأنجب طفلين من دون ان يخجل من مواجهتهما بالحقيقة ذات يوم. عن ظروف اللقاء الأول وزواجه يروي: “اللقاء مع زوجتي كريستيانا تشاكياٍ كان صدفة. تعرفت إليها من خلال صديقة كانت تزورني في المستشفى حيث كانتا تتابعان دورة تدريبية في مجال اختصاصهما في علم النفس”. اللقاء الأول كان عاديا لكن بعد شهرين تغيرت النظرة وكذلك خفقات القلب. “كان يفترض ان ألبّي دعوة تلك الصديقة إلى حفل زفافها لكنني لم أكن متحمسا لأسباب عديدة. وعندما وصلت كريستيانا كان الوقت متأخرا فبقينا في مركز الرعاية في ترينتو وأمضينا النهار بكامله سويا ندردش ونتحدث في أمور كثيرة. ومن دون تردد عرضت عليها الزواج وضحكت كثيرا عندما قلت لها أنني أنوي ان اطلبها من أهلها لأن العادات هناك لا تفترض ذلك. “وهل قبلت من دون تردد”؟ نسأل. ومن دون تردد يجيب: “منيح اللي أنا قبلت”. وفي 9 آذار تزوجا في مبنى البلدية وبعد 7 أشهر سافرا إلى لبنان واحتفلا مع الأهل بزفافهما أمام مذبح الرب في غابة الأرز نزولا عند رغبة زوجته كريستينا  خصوصا انها كانت تعرفت إلى غابة الأرز في إحدى زياراتها إلى لبنان وكانت تحلم ان تتزوج في فيء ظلال أشجارها التاريخية. فكان لها ما أرادت.

في المرحلة الأولى سمع إيبول الكثير من الكلام والإعتراضات من الطرفين. فالزواج من أجنبية مثير للجدل بالنسبة إلى أبناء القرى وزواج فتاة إيطالية من شاب لبناني بوجه شبه مشوه أيضا مثير للجدل. لكن الطرفين وتحديدا إيبول قرر ان يصم أذنيه ويكمل مسار حياته مع شريكة عمره. وفي 22 تموز عام 2000 ولد إبنه سمير وفي نفس التاريخ من العام 2006  ولد أندريا. صحيح ان سمير وأندريا تعرفا إلى إيبول بالشكل المختلف عن باقي الأشخاص العاديين لكنهما لم يطرحا عليه يوما السؤال الذي طالما انتظر إيبول ان يسمعه منهما: “بابا ليش وجك مشوه؟” بس كنت شوف الأسئلة بعيونن. وأكثر الأوقات كانوا يسألو كريستيانا. وعندما بلغ أندريا عمر 7 سنوات سأل والده باللغة الإيطالية التي لا يتقن سواها: “بابا ليش إنت هيك؟” يومها يقول إيبول أنه فرح كثيرا لأنه سيواجه ولديه بالحقيقة التي أخفاها عنهما طويلا وبعدما أخبرهما ان الإصابة ناتجة عن حادث سير. ومن حينه بدأ يحكي لسمير وأندريا عن حزب “القوات اللبنانية” وكيفية انتسابه وعن المعارك التي خاضها والشهداء… حسيت حالي ارتحت لأنو كنت عم إكذب علين ومن حينه تعلقوا بالقضية وصاروا متحمسين أكتر مني”.

عندما خرج سمير جعجع من السجن أصر إيبول على قطع تذكرتي سفر إلى لبنان لتهنئة الحكيم واحدة له والثانية لإبنه سمير. معا صعدا إلى الأرز وهناك كانت المفاجأة “عندما أطل سمير جعجع وقف إبني سمير وصرخ حكيم حكيم حكيم انا بحبك. كانت القاعة تغص بالمهنئين وأصر ان يجلس في حضن الدكتور سمير جعجع وكان يحدق في وجهه طيلة الوقت ويراقب حركات يديه لأنه لم يكن يتقن من اللغة العربية إلا تلك الكلمات التي تفوه بها عندما رأى الحكيم.

مسيرة الجلجلة التي كتبت على إيبول كانت له في المرصاد في كل محطة في حياته. قد يكون قرار التحدي والإرادة كافيين لكن ليس في وجه مجتمع بكامله. وهذا ما واجهه إيبول عندما نزل إلى الشارع الإيطالي بحثا عن عمل: “لم يكن الأمر سهلا. كنت أشعر بنظراتهم الملتبسة وأحيانا بالخوف والذهول. وفي كل مرة كنت أسمع الجواب المعتاد: “منرد عليك خبر بسرعة”… وإلى اليوم لم يرد أي منهم خبرا ولم يسمع الجواب”.

مرحلة اليأس دفعته ذات يوم إلى طرق باب شركة لتصنيع البراغي “عندما دخلت بادرتهم بالكلام قبل ان أسمع منهم العبارات المعهودة: أنظروا إلى شكلي وحاولوا ان تنسوه. أنا أبحث عن عمل ومستعد ان أقدم لكم شهرا من دون راتب فإذا نجحت استمر وإذا لا أرحل. عندها سمعت للمرة الأولى جوابا جديدا ومختلفا “ما تعتل هم الشركة كبيرة وراح نلاقيلك محل”.  كان همي محصورا في إيجاد فرصة عمل، ولا شيء سوى ذلك. في البداية عملت في قسم التصنيع والتوضيب وفي نهاية الشهر اتصلوا بي وهنأوني على مهاراتي ووقعت على عقد العمل في العام 2000. وبعد عام انتقلت إلى فرع ثان للشركة ولا أزال أعمل فيها.

عندما زار البطريرك مار نصرالله بطرس صفير فينيسيا كان إيبول مع الوفد القواتي في استقباله. واليوم يشارك في نشاطات الحزب ويسعى مع الرفاق إلى افتتاح مكتب لـ”القوات اللبنانية” في إيطاليا. لم يستسلم ولن يهادن. وكما في الحرب كذلك في السلم. لكن أمورا كثيرة تغيرت. حتى مفهوم السعادة “كنت حس إنو الدني مش سايعتني. بس انصبت تغيرت حياتي. عشت حالة انهيار. تمنيت الموت بس كنت أمام خيارين إما الإستسلام والموت البطيء او انو قرر عيش. وتا نعيش بدنا نكون بحالة فرح وسلام. من بعد الإصابة تعرفت على السعادة الداخلية. صرت حس اني أكتر الناس سعادة وأقل وجعا وأجمل من كل الوجوه. الإصابة عملت مني شخص تاني مختلف. إيبول ما قبل الإصابة صار مجرد ذكرى. حتى صوري ما عادوا يعنولي شي. وكل ما إتعذب بالحياة بتعلق فيا أكتر من الأول. بالأول ما كنت إسأل. بس اليوم لأ. بفضل إنو يبعد عني الموت مش خوفا منو بس لأنو عندي إشيا كتير تا حققا بعد”. وماذا عن التزامك القواتي؟ “أنا “قوات” لآخر يوم من عمري. ولا لحظة ندمت انو انتسبت لـ”القوات” لأنو لبست البدلة عن قناعة ومقتنع بإصابتي حتى ما لعنت ولا كرهت. هاي سلتي بالحياة. صحيح إنو بكيت وانهرت بس قررت عيش وإذا بدنا نستحق الحياة بدنا نكون على مستوى التحدي. وأنا إيبول عطالله قررت عيش وإتحدى لأنو الحياة بتستحق خصوصا إذا كنا مقتنعين بإلتزامنا فيا. ولهيك راح ضل قوات”.

في اختصار إيبول عطالله، بتلبقلك الحياة.

الجزء الأول: نحن والقضية ــ إيبول عطالله: هكذا فقدت وجهي وقررت أن أتحدى وأعيش

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل