#adsense

كنا هناك ــ بولس خليل (البطل): ثكنة الجبل وزمن الانتفاضات… “لا تشكرني هذا واجبي”

حجم الخط

كتبت صوفي شماس في “المسيرة” – العدد 1504

الجزء الثاني والأخير:

من حصار دير القمر خرج بولس خليل مع “القوات اللبنانية” وعاد بحراً الى بيروت. ولكن بعد وقت قليل كان يركب البحر ثانية عائداً الى مهمة ثانية في إقليم الخروب. لم يطل الوقت كثيراً حتى طلب منه العودة ثانية الى بيروت بعد قرار سحب “القوات” من الإقليم بداية العام 1985 بعد انتفاضة 12 آذار. أسس البطل ثكنة الجبل. حاول إيلي حبيقة استمالته ليكون الى جانبه، لكنه منذ البداية كان اتخذ قراره بالبقاء في المكان الصحيح الى جانب الحكيم حيث كان ينتظره دور أساسي في انتفاضة 15 كانون ثم في الدفاع الشعبي. محاولات إغراء كثيرة بالمال تعرض لها. ولكنه كان حازماً: “عندما أقبل المال علي أن أترك القتال”.

بعد انتهاء الحرب أكمل البطل طريق النضال. أوقف أكثر من مرة في عهد الوصاية والملاحقات وكان يخرج بتوصية. لم يتخلَّ عن تاريخه وعن نضاله وإن كان عاد الى مهنته الأم بطلاً في النادي الخاص به.

هنا يتابع بولس خليل البطل الرواية…

عشنا في دير القمر وضعاً مأسوياً للغاية. فرغت المتاجر ولم يكن هناك من طعام. توزع قسم من المهجرين على المنازل، فمنهم من لجأ الى منزل أحد الأقارب، ومنهم من سكن في منازل كان قد تركها أصحابها. الى ذلك عمد بعض الشبان الى وضع خيم في بعض الأماكن وكانوا ينامون فيها. وقسمت دير القمر إلى قطاعات يديرها مسؤولون في القيادة. أستملت أنا قطاع الودايا، أي من أول مدخل دير القمر حتى مدخل بيت الدين ومدخل كفرحيم. بقينا في دير القمر وكأننا في سجن. كانت طوافات الجيش اللبناني تنقل إلينا كميات قليلة من الطحين والمواد الغذائية وعدداً قليلاً من علب السجائر بعد التنسيق مع الحزب التقدمي الاشتراكي. لم يكن مسموحاً نقل السجائر، فكانوا يرسلون إلينا التبغ وورق اللف وكان الشباب يتهافتون عليه أكثر من تهافتهم على الطعام. بقينا على هذه الحال حتى صدر القرار بنقلنا إلى بيروت بعد الاتفاق مع المرجعيات السياسية ووليد جنبلاط على فك الحصار. نزل الحكيم إلى بيروت، وصعد فؤاد أبو ناضر الذي طلب مني جمع العسكر في ساحة دير القمر وتقسيمهم إلى فصائل تمهيداً لنقلهم. وكان قد بقي في دير القمر عدد قليل من المسؤولين ونحو 300 عنصر من “القوات اللبنانية”.

على رغم الاتفاق الذي عقد لتأمين خروجنا من دير القمر، تعرضت الشاحنات التي كانت تقلنا على طول الطريق إلى الرمي بالحجارة حتى وصلنا إلى صيدا. هناك كانت تنتظرنا إحدى البواخر فصعدنا إليها ووزع علينا المسؤولون الذين كانوا في انتظارنا أكياسا تحتوي على فاكهة وعصير التهمناها بنهم وفرح بعد نحو ثلاثة أشهر من الحرمان.

وصلنا إلى مرفأ بيروت وكان في استقبالنا الشيخ بيار الجميل، والدكتور سمير جعجع، وفادي فرام، وعدد من المسؤولين. توزع العسكر بحسب المناطق والتحقت كل مجموعة بثكنتها.

بعد الحصار الذي عشته والتعب والإرهاق اللذين شعرت بهما، خصوصاً وأنني لم أكن قد قضيت فترة نقاهة بعد خضوعي للعمليات الجراحية، طلبت فترة استراحة وعدت إلى المنزل لأهتم بابني البكر الذي تدهورت صحته وفارق الحياة في العام 1984. شارك الحكيم في مراسم الدفن وزارني ليقدم إلي التعازي إضافة إلى عدد كبير من الرفاق والأصدقاء. كنت أشعر بالأسى وبالحزن الشديد، فالمصيبة كبيرة والولد عزيز.

بعد معركة الجبل، طلبت مني القيادة التوجه إلى إقليم الخروب لتسلم جبهة الدبية وضهر المغارة والبرجين بدلا من فرنسوا معراوي الذي كان مسؤولاً هناك. لم أكن قد استعدت عافيتي كلياً وكنت لا أزال متأثراً بوفاة ابني، لكنني لم أكن أريد أن أرفض طلب القيادة، فالمناطق المسيحية كانت بحاجة لأن نقف الى جانبها وندافع عن شعبنا. أخذت مجموعتي وانتقلت إلى هناك وأجريت مسحاً ميدانياً للجبهة واكتشفت أنها تعاني نقصاً حاداً من كل النواحي. فهي تقع مقابل شحيم وبرجا، وكانت حدودنا عين الحور، وضهر المغارة، والبرجين والدبية. عيّنت مسؤولاً عن هذا القطاع. وكان يفترض بي أن أمضي نحو خمسة أشهر لتنظيم هذه الجبهة، لكن تطلب الأمر مدة أطول. وقعت اشتباكات عنيفة في المطلة والبرجين، دخلنا البرجين ودعمت جبهة داريا بالمتاريس والخنادق نزولاً إلى الدبية، أما الجيّه فكانت تحت إشراف شربل نكد والرميلة تحت إشراف روبير عواد. كانت الأسلحة والذخائر متوافرة لدي، وعندما كانا يطلبان مني المؤازرة كنت ألبي على الفور. كانت تشن علينا هجمات على محور داريا. وفي إحدى المرات تمكنوا من التسلل من محور عين الحور، فحضرت مجموعة تتألف من 17 عنصراً وانطلقت من الدبيّة إلى عين الحور. وصلنا في الآليات الى مشارف التلال وقمنا بهجوم مضاد بمساعدة المدفعية، استعدنا فيه المواقع التي دخلوا إليها وتقدمنا وأخذنا بعض مواقعهم. تمكنت من المحافظة على وجودنا على تلك الجبهات، لكن البقاء في مناطقهم كان صعبًا، فتراجعت إلى حدود جبهاتنا وسهرت على إبقائها محصّنة.

بقيت في إقليم الخروب نحو السنة ونصف السنة. كنت أنتقل بحراً من الحوض الخامس إلى الجيّه لتأمين ما يلزمنا من عتاد ومواد غذائية. كان دير المخلص معنا، وكانت القيادة تطل على علمان، كانت الأسلحة والذخائر متوافرة هناك بكميات ضئيلة، لكن جبهتي كانت في حال استنفار دائم لأننا كنا على خطوط تماس مع الطرف الآخر. بقيت الجبهة هادئة ولم يحصل أي خرق إلا بعدما تركناها.

أحياناً كنت أتوجه إلى كفرفالوس لزيارة نازو نجاريان. كانت الجبهة هناك هادئة. لكنني كنت أحاول دائماً درس طبيعة الأرض تحسباً لأي هجوم قد يشن فجأة. كنت أنظم دورات تدريبية متواصلة للشباب، وكان لدي مطبخ كبير نعد فيه الطعام ونوزعه على جميع العناصر المنتشرين في المنطقة، وكذلك للأهالي حتى لا يغادروا منازلهم. فالمقاتل عندما يكون محاطا بالعائلات يشعر براحة أكبر وباندفاع أكبر.

أثناء وجودي في إقليم الخروب، وصلت إلينا أخبار الانتفاضة التي قام بها الدكتور سمير جعجع وإيلي حبيقه. طلب منا تسليم الجبهة إلى أهالي المنطقة والعودة إلى بيروت. تلقينا الأمر من الحكيم، فعدت فوراً إلى المجلس وعقدت اجتماعات متواصلة معه للتنسيق. طلب مني الحكيم استلام جبهة بدادون – حومال – بليبل وأمهلني بعض الوقت للتفكير في الأمر.

لم تكمن الصعوبة في ضبط الجبهة في حد ذاتها لكنها كانت في التأقلم مع سكان تلك المنطقة. بعد التشاور مع الحكيم، بحثنا عن مبنى لنحوِّله إلى ثكنة وكانت هناك مدرسة للأرمن مقفلة في منطقة الحازميه، فحولناها الى ثكنة وجهزناها وأجرينا التحسينات اللازمة عليها وأطلقنا عليها اسم “ثكنة الجبل”. وكان يشغل قسماً منها الرفيق سعيد الشرتوني، مسؤول منطقة عاليه في تلك الفترة، مع مجموعة تابعة له، ووصل عديدها إلى حوالى 500 عنصر. وأصدر الحكيم مذكرة طلب فيها “إلحاق ثكنتي الشوف وعاليه بثكنة الجبل تحت قيادة الرفيق بولس خليل، الملقب بالبطل”. فتوحدت جميع ثكنات الجبل وعاليه في ثكنة واحدة تحت قيادة شخص واحد.

اقتربنا من موعد توقيع الاتفاق الثلاثي، وبدأت تحصل بعض الإشكالات بين العناصر المحسوبة على إيلي حبيقه والعناصر التابعة للأركان بقيادة الدكتور سمير جعجع. كان الحكيم يوصيني دائماً بالانتباه إلى ثكنتي ومنطقتي. كان المتن الجنوبي يعتبر محسوباً لصالح إيلي حبيقه. طلب إيلي حبيقه مني اللقاء به فأجبته بأنني مرتبط بعدة اجتماعات ووعدته بالاتصال به والذهاب لمقابلته في اليوم التالي.

ذهبت إلى المجلس الحربي والتقيت بالحكيم وأطلعته على الأمر. فطلب مني الذهاب إلى الموعد ثم الاتصال به. ذهبت إلى جهاز الأمن والتقيت بإيلي حبيقه. قال لي: “أعرف أنك رجل أصيل وشجاع ونزيه. أطلب منك طلباً واحداً. المتن الجنوبي بكامله لي. ولأنني أسيطر على المنطقة، لا أريدك أن تضيع. سأوضح لك الصورة من البداية. إن كنت لا تريد أن تقاتل معي، لا تقاتل ضدي. وأي شيء تحتاج إليه أنت والعناصر التابعة لك، أقدم لك شيكاً أبيض، ضع عليه الرقم الذي تريده.” فأجبته: ” أيها الرئيس، إن المال بالنسبة إلي هو وسيلة وليس غاية. وإن أردت السعي وراء المال فيجب علي التوقف عن القتال. كل ما نحتاج إليه متوفر، لدينا صندوق أسود في الثكنة، والسلاح متوفر، والطعام أيضاً، وذلك بفضلكم طبعاً”. فقال: “هذا مال خاص لك أنت تصرف به كما تريد.” فأجبته: “لا أسعى وراء المال، والمال لا يهمني”.

غادرت المكتب وتركت الشيك معه. خرجت من مكتب حبيقه واتصلت بمكتب الحكيم لمقابلته. التقيت به في ساحة المجلس وأخبرته بما جرى. طلب مني أن أكون حذراً في تنقلاتي لأن الوضع دقيق وأن أهتم بالثكنة. كنت قد اتخذت خياري، وكنت مقتنعاً بأن الشخص الذي سيوصلنا إلى وضع يرضي جميع المسيحيين والمنطقة الشرقية هو سمير جعجع. لم أشعر بالخوف كون الثكنة التي أشرف عليها واقعة في منطقة تحت نفوذ إيلي حبيقه، لكنني عملت بنصيحة الحكيم والتزمت الحذر أثناء تنقلاتي بين الثكنة والمنزل.

عند بدء عملية 15 كانون الثاني في العام 1986 أول ما قمت به كان إقفال المنطقة. كان قد زارني في الصباح الباكر مارون مشعلاني وطوني أبو جوده. كانا يشعران بالقلق، ففي حال لم تنجح العملية كان حبيقه قادراً على قتلنا جميعاً. فطمأنتهما بأننا في الثكنة على جهوزية تامة، وليس علينا إلا الاتكال على الله. اتصلت بجميع العناصر وطلبت منهم الالتحاق بالثكنة ومن لم يأت ذهبت بنفسي إلى منزله وأحضرته. صعدت إلى منطقة دار الصياد حيث كان هناك مكتب تابع لإيلي حبيقه وسيطرت عليه. في الحازميه، طوقت مركزاً تابعاً لإيلي حبيقه ودخلته. استسلم عناصر المركز على الفور وخرجوا حاملين أعلاماً بيضاء. أخذت أسلحتهم، وحجزت العناصر في صالة الطعام في ثكنتي. نزلت إلى أحد المطاعم وطوقت المنطقة المحيطة به، وأحضرت جميع العناصر الذين كانوا ينتمون لحبيقه، فأنا كنت أعرفهم واحداً واحداً إذ كانوا من منطقة بحمدون. أقمت حاجزاً على الطريق العام تحت دار الصياد فأقفلت المنطقة بكاملها، ومنعت أي عنصر تابع لحبيقه من الوصول إلى جهاز الأمن. عندما شعر حبيقه بأن الخناق يضيق عليه في جهاز الأمن، بدأ بطلب مؤازرة ودعم من عناصر المنطقة، لكن مجرد وصولهم الى الحاجز كان يتم توقيفهم ونزع السلاح منهم واحتجازهم في الثكنة. تعرضنا لإطلاق نار من أسلحة متوسطة من ثكنة تابعة لحبيقه في منطقة الجمهور، فتوجهت مع مجموعة من الشباب إلى الثكنة، وتمكنا من تطويقها وتجريد العناصر من أسلحتها. اتصل إيلي حبيقه بأنطوان بعقليني في عين الرمانة وطلب منه إرسال عناصر إلى جهاز الأمن للمساندة، فأجابه بعقليني بأن البطل قد أقفل المنطقة من غاليري سمعان إلى دار الصياد وصولاً إلى الحازميه وهو يحتجز كل عنصر يحاول العبور إلى جهاز الأمن. فطلب منه التوجه إلى الثكنة وقتلي مهما كلف الأمر.

عند حوالي الساعة الثالثة من بعد الظهر كانت صالة الطعام في الثكنة قد امتلأت بعناصر حبيقه، وكنا ننتظر وصول الملالات المتوجهة من منطقة الشمال إلى الثكنة لنقلهم. أدخلنا الملالات إلى ساحة الثكنة ودخلت إلى الصالة وتحدثت مع العناصر المحتجزين وطمأنتهم بأن مكروهاً لن يصيبهم وأن ما حدث لهم كان بهدف تجنيبهم الخطر ومنع إراقة الدماء بين رفاق القضية الواحدة. لم يتعرض أي عنصر لأي إهانة أو ضربة كف، على العكس، حضرنا لهم غداء شهياً، وانتظرنا معهم وصول الملالات لنقلهم.

انتهت عملية 15 كانون وبقيت في ثكنة الجبل فترة طويلة حتى بدأ تنظيم دورات الضباط، وطلب الحكيم من كل المسؤولين العسكريين الالتحاق بها. أما أنا فقد كنت من بين الذين تم استثناؤهم وقال لي الحكيم أنه ما دام هو في “القوات اللبنانية” فأنا سأبقى. بعد دورة الضباط تم إنشاء ما كان يعرف بالدفاع الشعبي.

فجر 27 أيلول 1986، تم إبلاغي بأن عناصر تابعة لحبيقه تحاول التسلل إلى منطقة الأشرفيه. تفاجأت بالأمر، وكان الوقت مبكراً جداً للاتصال بالعناصر واستدعائهم، فانطلقت مع مجموعة صغيرة كانت موجودة في الثكنة نحو مار متر وأكملنا نحو ساحة ساسين. لم يكن عدد المتسللين كبيراً، وكان دخولهم غير منظم، فانتهت العملية خلال ساعتين أو ثلاث.

التحقنا بالدفاع الشعبي واتخذنا مركزاً لنا عند مستديرة الحايك. كنت مسؤولاً عن شباب الشوف في  الدفاع الشعبي. تابعت عملي بين مركزي الحايك والضبيه وإقليم الشوف. كما كانت هناك مجموعة من الدامور تتخذ لها مركزا في النبعة، وكنت أهتم بها أيضاً.

أول هجوم شنّه علينا الجيش كان على مركز الحايك. اتصلت بغسان توما وأبلغته بأن الجيش يطوقنا، فطلب منا عدم التحرك وانتظار التعليمات. ما أن أقفلت الخط حتى بدأنا نسمع إطلاق النار وصوت صراخ يعلو في الخارج. طلب منا الجيش الخروج من المركز، غطوا لنا وجوهنا وأخذونا إلى مركز للشرطة. التقيت هناك بضابط من آل أبي ناصيف من كفرقطره وملازم آخر تربطه بنا صلة عائلية، توسطا لنا لدى الضابط عادل ساسين ليطلق سراحنا. تركونا نرحل شرط ألا نتوجه إلى المركز. كما نصحاني بعدم الذهاب إلى عين الرمانة، فتوجهت إلى الأشرفيه. وبدأت المعارك في المرفأ في مواجهة اللواء السادس، وكانت لدي مجموعة متمركز بالقرب من جامع بيضون. بقيت أتنقل بين المجموعات المنتشرة بين المرفأ والأشرفيه حتى 13 تشرين الأول 1990. بعد انتهاء الحرب أتتنا أوامر بإخلاء مراكزنا لفتح المجال أمام الجيش اللبناني بالدخول إليها.

عند انتهاء المعارك، توجهت من الأشرفيه إلى منزلي في عين الرمانة مع زوجتي وأولادي.

اعتقل الحكيم لمدة 11 عاماً، تعرضت خلالها لشتى أنواع التهديدات. وفي كل مرة كنت أزور فيها “يسوع الملك” يستدعونني ويطلبون مني التوقيع على ورقة أتعهد فيها بعدم العمل في السياسة. طوق الجيش منزلي عدة مرات وكان العناصر يتذرعون بحجج مختلفة. حاولوا اعتقالي، لكن وساطات أقارب لي في الجيش كانت تنقذني.

عندما بدأ أحد المسؤولين السابقين في “القوات” حركة انفصالية زار البطل في منزله، وطلب منه الانضمام إلى حركته مقابل أي مبلغ يطلبه. سأله من أين يأتي بالدعم المالي، فأجابه: “نحن ندعم بعضنا.” فقال له: “أنت تعرف أن حالتي المادية سيئة جداً، كيف تريدني أن أدعمك”؟ قال له: “أطلب أنت الرقم الذي تريد وأنا أهتم بالباقي”. فأجابه: “دعني أبقى فقيراً ولكن محتفظاً بكرامتي، فهي أهم من مال الدنيا. كرامتي ومصداقيتي هما رأسمالي. وحتى الآن لم تمس مصداقيتي وكرامتي بين الشباب. وإذا ما طلبت منهم اليوم أن يستعدوا لأي مهمة قد نقوم بها، أو لأي طارئ يحصل، يتركون كل شيء ويحضرون لتلبية ندائي، كل هذا لأنني إنسان صادق مع نفسي.  أما أنت فإنك تخطئ إن انحرفت عن الخط. وإذا استمريت في حركتك هذه تكون قد أطلقت النار على نفسك. كنت تسير على الدرب الصحيح، والناس تحبك ونحن لا ننكر نضالك. قد ينسى الناس التاريخ لكن أنت لا يمكنك محوه. من الأفضل لك أن تحافظ على تاريخك لئلا تضيع”.

بعد يومين، عند الساعة الواحدة اتصل الدكتور سمير جعجع بالبطل وشكره على تصرفه. أجابه بجملة واحدة: “لا تشكرني. هذا واجبي”.

كنا هناك ــ بولس خليل (البطل): من عين الرمانة الى دير القمر

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

(إنتهى)

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل