تعليم قيادة المركبات الآلية لا قيمة لها اذا لم تستهدف سلوك السائق، وهنا تبرز الحاجة الى إستخدام التعليم النظري والتدريب العملي بشكل متوازٍ.
يشكّل سلوك مستخدمي الطرق عاملاً أساسيًّا في السلامة المروريّة، فهو أحد ركائز ما يعرف بثلاثيّة العوامل الإنسانيّة والعوامل الخاصّة بالمركبات الآليّة وتلك الخاصّة ببيئة الطرق.
في معظم مجالات التعليم والتربية يمكن قياس نجاح أهداف أي برنامج عبر مدى تحقيقه للأهداف التعليمية في نهايته. تصعب هذه المهمة في ما خص برامج تعليم قيادة المركبات الآلية، وحتى تصنف هذه البرامج بـ”الناجحة” يتوقع منها أن تنتج تطورا في السلوكيّات الآمنة للسائق وانخفاضا إحصائيا في الصدامات المرورية.

برامج تعليم قيادة المركبات الآلية ليست لقاحا يعطى مباشرة ضد الصدامات المرورية، وعلينا الأخذ في الاعتبار السمات التي يجب تغييرها أو تعديلها لدى السائقين الجدد لتجنّب خطر هذه الصدامات.
تعتبر مرحلة تعليم قيادة المركبات الآلية جزءا من مراحل التربية المرورية ككلّ وتتويجا لما يجب أن يسبقها من دمج لمفاهيم ومبادئ السلامة المرورية في المناهج المدرسية وإعطاء المثال الصالح من قبل الأهل والبيئة القريبة -المؤثرة كالمعلمين والمعلمات والإخوة الأكبر سنا. إذا هي مرحلة متقدمة من التربية المرورية يسبقها مراحل أخرى لا تنفصل عنها لجهة المضامين والأهداف التي ترتكز على تكوين مفاهيم ومواقف حول العديد من المواضيع المتعلقة بسلوك مستخدمي الطريق. وتتوزّع هذه المفاهيم والمواقف على محورين، المعارف والمهارات، ويتضمن المحوران عناوين عديدة منها على سبيل المثال
– القواعد القانونية التي تحكم إستعمال الطريق
– ثقافة مشاركة الطريق مع باقي المستخدمين ومختلف أنماط النقل وأنواع المركبات
– أجزاء المركبة والتعامل معها ميكانيكيّا
– مبادئ الإسعافات الأولية
– السلوكيات الآمنة لقيادة المركبات الآلية وآداب المرور
تقليدياً، يشمل مفهوم تعليم قيادة المركبات الآلية مجموع ما يتلقاه السائقون الجدد مباشرة قبل حصولهم على رخصة السوق، أما اليوم ففترة التعليم أصبحت أطول وأشمل.
تخضع أساليب التعليم والبرامج للتغييرات، فتقليديا تمّ إعداد جميع وسائل تعليم قيادة المركبات الآلية على مبدأ التفاعل وجها لوجه بين المدرّب والمتلقي على الرغم من بعض العروض والمحاكاة التي تتخللها. أما اليوم فتقنيتا تعليم الذات والتعلّم المرتكز على الكومبيوتر وعبر الإنترنت (online learning) يطغيان بشكل تدريجي، مما انعكس تغيّرا عميقا تكنولوجيا وعملانيا وتنظيميا على السياق العام لتعليم قيادة المركبات الآلية حيث تصب غالبية التغييرات في خانة تحسين الفعالية عبر زيادة دور التكنولوجيا واكتساب الخبرات. إنطلاقا من كلّ ذلك لا بد من مناقشة أي منهاج لتعليم قيادة المركبات الآلية على مستويات عديدة تراعي مدى انطباقه على مبادئ هذه التقنيات والتكنولوجيا كافة ومدى مطابقة أدوات التعليم المستخدمة مع عقلية الشرائح المستهدفة. والأهم عدم إغفال القاعدة التي تعتبر أن مبادئ تعليم قيادة المركبات الآلية لا قيمة لها اذا لم تستهدف سلوك السائق، وهنا تبرز الحاجة الى إستخدام التعليم النظري والتدريب العملي بشكل متوازٍ.
يشكّل سلوك مستخدمي الطرق عاملاً أساسيًّا في السلامة المروريّة وفي حوادث الطرق. فهو أحد ركائز ما يعرف بثلاثيّة العوامل الإنسانيّة والعوامل الخاصّة بالمركبات الآليّة وتلك الخاصّة ببيئة الطرق التي يؤدّي التفاعل بين عناصرها إمّا إلى السلامة على الطرق والوقاية من الحوادث وإمّا إلى حصول حوادث مروريّة وتفاقم نتائجها.
ويمكن تحديد علم نفس المرور على أنّه يعنى بدراسة سلوك مستخدمي الطرق وبتحديد العوامل النفسيّة التي تؤدّي إلى هذا السلوك بهدف التوصّل إلى استنباط تدابير ناجعة لتأمين السلامة المروريّة لمختلف مستخدمي الطرق والوقاية من حوادث المرور.
وتشمل مقاربات دراسة سلوك مستخدمي الطرق، على وجه الخصوص:
(1) تحليل المهمات التي يتعيّن على مستخدم الطريق القيام بها لاستخدام الطريق على نحوٍ فعّال وآمن، بخاصةٍ متطلّبات القيادة السليمة للمركبات الآليّة.
(2) تحليل الكفايات التي يتعيّن امتلاكها للقيام بهذه المهمّات على نحوٍ فعّال وآمن.
(3) تحليل العوامل الظرفيّة التي تسهم في تطبيق هذه الكفايات على الشكل الأمثل عند استخدام الطريق وتلك التي تعيق تطبيق هذه الكفايات على النحو الأمثل.
(4) تحليل الدوافع والمواقف والسمات والعوامل الظرفيّة التي تؤدّي إلى اعتماد مستخدم الطريق هذا السلوك أو ذاك، ولا سيّما في ما يخصّ السلوك الذي يشكّل خطرًا على السلامة المروريّة.
وينتظر أن يؤدي فهم مختلف هذه العوامل لجهة الأداء والسلوك والفروقات الفرديّة والعوامل الظرفيّة إلى تطوير التدابير الآيلة إلى تحسين أداء مستخدمي الطرق وتعديل سلوكهم من خلال التعليم والتدريب والتوعية واعتماد قيود على السلوك وتطبيقها.
كما أنّ من شأن النظر إلى مستخدم الطريق من وجهة نظر كليّة أن يؤدّي إلى توسيع أفق علم نفس المرور فيشمل العوامل النفسيّة التي تؤثّر في قرار التنقّل، واختيار وسيلة النقل والمسار، وما إلى ذلك من أمور إستراتيجيّة ولوجستيّة وسلوكيّة وغيرها.

الهدف من مرحلة تعليم قيادة المركبات الآلية التي تسبق الترخيص هو تأهيل مستخدمي الطريق لمواجهة مختلف الظروف والمواقف المحتملة في البيئة الطرقية عبر تزويدهم بأكبر عدد ممكن من المعارف وإكسابهم المهارات المبنية على أفضل التجارب الناجحة. إذا ليس الهدف من تعليم قيادة المركبات الآلية تعزيز تطبيق قوانين المرور عبر تعليمها، بل تهيئة مستخدمي المركبات والطرق من كافة الفئات عبر اعتماد منهاج نموذجي يتخطى في جوهره ملاءمة سلوكيات وتصرفات مستخدمي الطريق مع قواعد قانون المرور في أي بلد، ليدخل في صلب تكوين شخصية السائق وسماته وظروف بيئة السوق بأكملها.
مثال يوضح الفارق بين مطابقة مهارات ومعارف السائق وظروفه الشخصية لمبادئ السلامة المرورية أو مطابقتها لقانون المرور:
الحالة الأولى: سائق مركبة شاب، حائز على رخصة سوق ويتمتع بطبع هادئ ويقود مركبة جديدة في طقس مشمس على طريق مكشوفة متخطيا السرعة المسموح بها ب 20كلم/ساعة؛
الحالة الثانية: سائق مركبة عجوز في السبعين حائز أيضا على رخصة سوق يقود مركبته القديمة في طقس ماطر وضمن الحد الأقصى للسرعة المسموح بها قانونا؛
من وجهة نظر ضابط شرطة أو لجهة مدى مطابقة الوضع مع القوانين المرعية، فإنّ الحالة الأولى تنطوي على مخالفة مرورية يجب قمعها، أمّا من وجهة نظر خبير في السلامة المرورية أو مدرّب سوق متخصّص أو معدّ لبرامج تعليم قيادة المركبات الآلية، فإنّ الحالة الثانية هي التي تمثّل خطرا حقيقيا على مستخدمي الطريق.
منذ البداية علينا استبعاد النظرية المعتمدة في قوانين المرور لإعتمادها مبادئ إحصائية بحتة تتجاهل قطاعات واسعة من السائقين.
إعداد: الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية