القصة الكاملة لاختفاء إميل البستاني… الطائرة هوت في البحر ولكن ما هي الأسباب؟ (4)

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة:

الجزء الرابع والأخير:

 

النهاية: 3 ثوان بعد آخر رسالة

عاود مكتب المراقبة إبلاغ الطيار درجة الضغط الجوي على مستوى المطار وعند تلك اللحظة طغت موجة من التشويش على شريط التسجيل في مكتب المراقبة إذ حاول كل من المراقب والطيار الاتصال بالآخر في آن واحد. وبالرغم من ذلك أفاد الطيار انه تسلم الجزء الأول من رسالة المراقب وكان ذلك الساعة الثامنة والدقيقة 19 والثانية 55.

وهنا طلب المراقب من قائد الطائرة إخطاره عندما يتجاوز في هبوطه 10 آلاف قدم و7 آلاف قدم ولقد كانت هذه الرسالة آخر اتصال بين المطار والطائرة المنكوبة، إذ توقف المراقب من الساعة الثامنة والدقيقة العشرين عن إرسال أية تعليمات أخرى، وظل الشريط يسجل صوت ميكروفون “مفتوح” مصحوب “بفرقعة” واضحة، بينما أخذت قوة الإرسال تخفض تدريجياً الى ان توقفت تماماً في الساعة الثامنة والدقيقة العشرين والثانية الثالثة والعشرين.

وبمراجعة الأوقات السابقة والشهادات التي أمكن الحصول عليها يمكن التأكد بصورة قاطعة من ان الطائرة المنكوبة ارتطمت في البحر في تمام الساعة الثامنة والدقيقة العشرين و23 ثانية.

وكانت قد اقلعت في الساعة السابعة والدقيقة 53 فتكون رحلتها المشؤومة قد استمرت 27 دقيقة و22 ثانية.

كيف لقي الضحايا حتفهم

وقد فحص الخبراء الفنيون بعض الأجزاء الصغيرة التي أمكن انتشالها من حطام الطائرة ومنها أحد المقاعد، فقالوا إن الطائرة تعرضت أثناء هبوطها السريع لانحراف جانبي وبقوة ارتطام عنيفة وان كان لم يثبت ان هذا الانحراف الجانبي كان نتيجة قوة الجاذبية قبل ارتطام الطائرة بالبحر كذلك لم يقم أي دليل على وقوع انفجار او حريق في الطائرة.

ومن ناحية أخرى يؤكد تقرير الخبراء في ما يتعلق بالإصابات التي لحقت بضحايا الكارثة في ضوء الكشف الطبي الذي أجري على جثتي قائد الطائرة أوجيلفي والدكتور طوقان اللتين أمكن انتشالهما من الماء بعد فترة قصيرة من سقوط الطائرة ان ليس هناك اي دليل على ان أحداً منهما لقي حتفه لأي سبب آخر غير الجراح التي أصيب بها عند ارتطام الطائرة بسطح البحر، وهذه الجراح كثيراً ما تصيب الضحايا في حوادث الطيران عند ارتطام الطائرات الخفيفة بسطح البحر سواء عند سقوطها من زاوية شديدة الانحراف او بسرعة فائقة.

جسمان يسقطان من الطائرة

ويستفاد من أقوال بعض شهود العيان الذين رأوا الطائرة المنكوبة وهي ترتطم بالبحر أنهم شاهدوا جسمين أسودين ينفصلان عن هيكل الطائرة ويسقطان في اليم في اللحظة التي ارتطمت فيها الطائرة بسطح البحر، على ان أياً من هؤلاء الشهود لم يستطع التحقيق من هوية هذين الجسمين ولكن الباحثين اكتشفوا في ما بعد جثمان المرحوم نمر طوقان مشوهاً ثم جثمان الطيار.

كذلك أثبت التقرير الزمني الذي سجله مكتب المراقبة في مطار بيروت ان الطائرة ارتطمت بالبحر في تمام الساعة الثامنة والدقيقة العشرين، وهذا التوقيت يتفق مع اللحظة التي توقف فيها قائد الطائرة عن إرسال الإشارات الى المطار إذ توقفت إشارت الطائرة في تمام الساعة الثامنة والدقيقة العشرين و 22 ثانية.

هذه هي أسباب الكارثة

والآن هذه هي النتائج التي يمكن استخلاصها من نتيجة التحريات والتحقيقات التي أجريت بعد الكارثة:

أولاً: على الرغم من ان الطائرة غادرت مطار بيروت في طريقها الى دمشق وفقاً لإرشادات برج الرقابة. فقد ثبت ان قائدها عجز عن الاحتفاظ بالمسافات الأفقية او العمودية اللازمة من السحب وفقاً لما تنص عليه قواعد الطيران الذي يعتمد على الرؤية.

ثانياً: ان الأحوال الجوية التي سبقت الكارثة مباشرة كانت تشير الى حدوث حالة من التجمد والصقيع تراوح بين الاعتدال والشدة وهذا ما يدل دلالة واضحة على ان الطائرة قد تعرضت بالفعل لأجواء من التجمد.

ثالثاً: ان الطائرة لم تكن مجهزة بالمعدات الخاصة بمقاومة حالة التجلد مما يؤكد تعرضها لحالة تجمد شديد خصوصاً في مثل الأحوال الجوية التي كانت تسود طبقات الجو خلال رحلتها المشؤومة.

رابعاً: أصيب بعض الأجهزة الحساسة في الطائرة بحالة تجمد شديد ومعلوم ان تجلد هذه الأجهزة يعطل جهازي تحديد الارتفاعات وتحديد سرعة الهواء ويوقفهما عن المستوى الذي كانا يشيران إليه عند حدوث حالة التجلد ولعل هذا هو السبب الذي جعل قائد الطائرة لا يذكر شيئاً عن تجاوزه ارتفاع العشرة آلاف قدم أثناء محاولته الهبوط فوق مركز المراجعة.

خامساً: ربما تعرض هيكل الطائرة وسائر أجزائها المتحركة الخارجية لطبقة سميكة من الجليد جعلت من الصعب، إن لم يكن من المتعذر، السيطرة على الطائرة كما أثرت تأثيراً شديداً على مقدرة الطائرة على الاحتفاظ بمستوى ارتفاعها في الجو. وبالرغم من عدم قيام أي دليل حتى الآن على كون محركات الطائرة قد أصيبت بتلف من جراء حالة التجلد أم أنها ظلت تؤدي مهمتها بحالة جيدة فإنه لا بد من الافتراض أيضاً بأن المحركات قد تأثرت جداً بظروف التجلد التي تعرضت لها الطائرة.

سادساً: ظل قائد الطائرة حتى اللحظات الأخيرة من المأساة أي حتى الساعة الثامنة والدقيقة التاسعة عشرة و 40 ثانية، أي قبل 22 ثانية من ارتطام الطائرة بالبحر ممتنعاً عن إبداء أي إشارة تدل على انه فقد السيطرة على طائرته بالرغم من ان كل الاتصالات التي تمت بينه وبين المطار منذ الساعة الثامنة والدقيقة السادسة عشرة تدل دلالة قاطعة على انه كان يعاني حالة قلق شديد، وانه كان على علم تام بالموقف الخطير الذي يحيط به. والخلاصة انه يمكن القول إن الطائرة ظلت تهبط بسرعة فائقة من ارتفاع نحو 12 ألف قدم في جو مشحون بالسحب زهاء ثلاث دقائق و 10 ثوان، اي من الساعة الثامنة والدقيقة السادسة عشرة الى الساعة الثامنة والدقيقة التاسعة عشرة و10 ثوان.

سابعاً: يستدل من شريط التسجيل في مكتب المراقبة في المطار على ان قائد الطائرة بدأ منذ الساعة الثامنة والدقيقة التاسعة عشرة و 55 ثانية يدرك انه يواجه كارثة ارتطام محتومة ومن ذلك يتضح ان الطائرة كانت تهوي من بين طبقات السحب نحو البحر بسرعة هائلة جدا. حتى لم يعد في استطاعة قائدها إنقاذها عند الارتفاع الذي يستطيع معه تجنب الكارثة.

وهذه هي العوامل المباشرة للكارثة.

لقد حدد الخبراء العوامل التالية بوصفها من الأسباب المباشرة التي أدت الى وقوع الكارثة:

أولاً:  فشل الطيار في قيادة الطائرة وفقا لقواعد الطيران الذي يعتمد على الرؤية.

ثانياً:  تعرض الطائرة لحالة تجلد شديد كان من نتيجته ان هوت بسرعة، إما من دون ان يدرك قائدها إدراكاً تاما الظروف المحيطة بها، وإما انه فشل في السيطرة على الطائرة أثناء هبوطها السريع.

ثالثاً:  ان الطائرة هبطت من السحب من ارتفاع منخفض نسبياً وبسرعة فائقة حتى لم يكن لدى قائدها الوقت الكافي الارتفاع الكافي الذي يمكنه من إنقاذها قبل ارتطامها بالبحر.

رابعاً: كذلك هناك احتمالان قويان آخران أحدهما ان يكون الطيار قد فقد السيطرة على الطائرة تماماً بسبب حالة التجلد التي تعرضت لها. والثاني ان يكون جهاز تحديد الارتفاع وقياس سرعة الرياح قد أصيبا بخلل من جراء حالة التجلد أيضاً فتوقفا عن إعطاء المعلومات الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها في توجيه الطائرة.

(إنتهى)

القصة الكاملة لاختفاء إميل البستاني… تحليق الطائرة دقيقة فدقيقة والطيار: أنا في فخ (3)

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل