
نشر معهد الشرق الأوسط للبحوث والدراسات الإستراتيجية دراسة عن علاقة إيران بتنظيم “القاعدة”، سننشرها في جزئين.
الجزء الثاني والأخير:
تشير المعلومات المذكورة آنفاً إلى الدعم الإيراني الذي مكّن القاعدة من تجنب جهود مكافحة الإرهاب وشن الهجمات على نحو أكثر فعالية، غير أن هذا لم يكن قادراً على ترجمة تواصل أوثق بسبب عامل انعدام الثقة بين أعضاء القاعدة وطهران، بحسب الوثائق التي تم الحصول عليها خلال الغارة على مجمع بن لادن في أبوت آباد. تفيد هذه الوثائق أيضاً أن التواصل مع إيران كان يتعلق أساساً بمفاوضات متوترة وطويلة بشأن عناصر في تنظيم “القاعدة”، بمن فيهم أفراد من عائلة بن لادن، معتقلين في إيران. أزعجت هذه المفاوضات غير المباشرة إلى حد كبير قادة “القاعدة” وأدت في بعض الأحيان إلى تصعيد الحملة الإعلامية ضد إيران، فضلاً عن تهديدات للمصالح الإيرانية في محاولة لتسريع الإفراج عن المعتقلين. على سبيل المثال، في العام 2015 أطلق سراح خمسة عناصر من “القاعدة”، ثلاثة منهم أعضاء في مجلس الشورى للتنظيم مقابل الدبلوماسي إيراني الذي اختطف في اليمن في وقت سابق من العام نفسه. دليل آخر على العلاقة المتوترة بين إيران و”القاعدة”، هو محاولة بن لادن العثور على ممر عبور بديل إلى أفغانستان عن طريق بلوشستان بدلاً من إيران، وفقاً لمصطفى حامد، الذي يُعرف أيضاً باسم أبو وليد المصري، استراتيجي رفيع المستوى سابق لحركة “طالبان”.
إيديولوجياً، يعتقد الخميني أن كل دولة هي دولة غير شرعية، ويجب أن تقوم فيها الثورة لإقامة “دولة إسلامية” بما أن الإسلام يحتوي على قوانين تتناول جميع جوانب الحياة العامة والخاصة، ولهذا السبب يجب أن تكون جميع القوانين نابعة من الشريعة الإسلامية. ولتكون هذه القوانين عادلة ومنصفة، يجب أن تحكم “الدولة الإسلامية” مجموعة من الحقوقيين، وتحت وصاية فقهاء القانون، لمنع الطغيان.
من وجهة نظر مماثلة إلى حد ما، تعتقد القاعدة أن هناك صراع بين “الإسلام النقي” والزندقة حيث يمكن فقط تطبيق “الإسلام النقي” من خلال تثبيت خلافة إسلامية تقوم على الشريعة الإسلامية. أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، تهدف إيران إلى تصدير أيديولوجيتها إلى السنة والشيعة كما أعلن آية الله الخميني “إنّنا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف أنحاء العالم، فما دامت صرخة “لا إله إلا اﷲ محمّد رسول اﷲ” لا تدوّي في أرجاء المعمورة، فالصراع موجود”. وفي المقابل، يعتقد تنظيم “القاعدة” أنه يجب أن يستمر جهاد أهل سنة الذي تقوم به الحركة الإسلامية لتحرير الأمة الإسلامية من الظلم الذي تسبب به “صليبيو الغرب” وأدواتهم في السلطة. تجدر الإشارة إلى أن الرؤية لدى تنظيم “القاعدة” تتعارض مع رؤية الطائفة الشيعية في الإسلام التي يُسمى أفرادها بالمرتدين، وهذه عقيدة متأصلة في الفكر الديني لمحمد بن عبد الوهاب.
على الرغم من وجود بعض أوجه التشابه في الأهداف النهائية لكلتي العقيدتين، كإنشاء دولة إسلامية، ووجود “القائد الأعلى” / الخليفة، ونشر الأيديولوجية بين جميع المسلمين، هناك اختلاف وتناقض كبيران بين الإدارتين الرئيسيتين حول الانقسام السني – الشيعي، ما يحول دون تعميق العلاقة بين الطرفين، والذي انعكس في رفض بن لادن محاولة إيران لتعزيز علاقاتها بالتنظيم بعد التفجير الذي نفذه على المدمرة الأميركية “يو إس إس كول”. ينبع هذا الرفض من خوف بن لادن على أن يكون لهذه العلاقة تأثير سلبي جداً، في حال أصبحت علنية، وقد تؤدي ربما إلى نفور مؤيديه ومجنديه ومموليه السعوديين. من جهة أخرى، تواجه إيران موقفاً مماثلاً بحيث قد تؤذي علاقتها العلنية والواسعة بتنظيم القاعدة مصالحها الاقتصادية والسياسية مع المجتمع الدولي. إذن، لدى الطرفين أسباب وجيهة للتقليل من أهمية وجود مثل هذه العلاقات، مهما كانت ضعيفة أو انتهازية.
يشير تقرير ورد من وزارة الخزانة الأميركية إلى أن إيران كانت لا تزال تسهل سفر عناصر تنظيم “القاعدة” عبر أراضيها منذ العام 2005 من خلال “شبكة خليل” التي يترأسها عزالدين عبد العزيز خليل (يُعرف أيضا باسم أبو ياسين السوري) استناداً إلى اتفاق بين الجانبين. تتخصص الشبكة متخصصة في إرسال المال والأفراد من منطقة الخليج إلى أفغانستان وباكستان والعراق عن طريق إيران، وهي إحدى الشبكات الأساسية للقاعدة بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وتضم أفراداً يقيمون في الكويت وقطر، فضلا عن باكستان.
التهبت الصراعات الحالية في سوريا واليمن والعراق جرّاء التوتر الطائفي بين السنة والشيعة، ووصل هذا العداء إلى مستوى جديد بين جزء كبير من السكان السّنة في سوريا والعراق بعد التدخل الإيراني إلى جانب نظام الرئيس الأسد، فضلاً عن دعم إيران للحكومة الشيعية في العراق، وفي السابق رئيس الوزراء نوري المالكي الذي اتهم بتأجيج التوترات الطائفية وتهميش الطائفة السنية العراقية. فقصفت كتائب “عبدالله عزّام” التي ترتبط بتنظيم “القاعدة” سفارة إيران في لبنان.
مثال آخر على حدة التوتر بين الطرفين هو الصراع الدائر بين “جبهة النصرة”، ذراع تنظيم “القاعدة” في سوريا، ونظام الأسد إلى جانبه” حزب الله”.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الصراعات المباشرة المشتعلة، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تقريراً في العام 2014 تفيد فيه بأن ياسين السوري (شبكة خليل) قد استأنف نشاطه في إيران بعد احتجازه في أواخر العام 2011، حيث تناوب عنه في إدارة الشبكة أثناء احتجازه محسن الفضلى، الذي أطلق سراحه في وقت سابق من العام 2011، والذي أسس فيما بعد “شبكة خراسان”، وقتل بضربة جوية أميركية على سوريا في العام 2015. ويتابع التقرير ليشير إلى أن محسن الفضلى أشرف على نقل عناصر من ذوي الخبرة من باكستان إلى سوريا، وأمّن طرق يستطيع المجندون سلوكها للسفر إلى سوريا عبر تركيا، وساعد في انتقال عناصر القاعدة إلى الغرب. كما سهلت الشبكة أيضا إرسال الأموال إلى جبهة النصرة في سوريا من متبرعين في الخليج.
لا توجد معلومات مؤكدة حول ما إذا كانت شبكة التواصل هذه لا تزال نشطة حتى هذا التاريخ، إنما يشير بعض المحللين إلى أن إيران والأسد سمحا عن قصد للمجموعات الجهادية بالنمو كي يتم تقديم الرئيس الأسد كالبديل الوحيد “المعتدل” في الصراع السوري. وهذا يشكل أيضاً جزءاً من استراتيجية تطبقها إيران في الشرق الأوسط والتي تهدف إلى تعزيز سيطرة الجماعات السنية المتطرفة، مثل تنظيم “القاعدة”، على حساب السّنة الأكثر اعتدالاً لتصعيد التوتر السني – الشيعي في المنطقة، بحيث تقدم نفسها كقوة قادرة على قتال واحتواء هذه المجموعات. فتح تنامي نفوذ الجماعات التكفيرية بوابة لإيران تدخل منها إلى البلدان العربية عبر توفيره أرض خصبة لتدخل يمكن أن يعزز مصالحها وينشر أيديولوجيتها في المجتمعات العربية كما فعلت في لبنان واليمن والعراق وسوريا.
على الرغم من الاختلافات الأساسية، هناك عوامل عديدة تحفّز إيران لتحقيق نوع من العلاقة مع تنظيم “القاعدة”. من بين هذه العوامل: الحاجة إلى ورقة مساومة هامة عند التفاوض مع الولايات المتحدة حيث يمكنها تخفيف القيود، وتسهيل سفر أعضاء القاعدة لزيادة الضغط، والعكس بالعكس، وجود بدائل إن حدثت مشاكل غير متوقعة مثل الاستفادة من الحركة الجهادية المعادية للنظام السعودي في حال تدهور العلاقات الإيرانية –السعودية، الحصول على معلومات تتعلق بأنشطة القاعدة، وجود شكل من أشكال الحماية من هجمات “القاعدة” بسبب صلات إيران بالتنظيم، كالرسالة التي بعث بها الظواهري في العام 2005 إلى الزرقاوي، زعيم القاعدة في العراق في ذلك الوقت، والتي طالبه فيها بوقف الهجمات التي استهدفت مصالح الشيعة والإيرانيين بما أن إيران تحتجز أكثر من 100 عنصر من “القاعدة” كأسرى. هذا أكده المتحدث الرسمي باسم “الدولة الإسلامية”، محمد أبو أدناني، الذي ذكر في رسالة صوتية في العام 2014 أن التنظيم امتنع عن مهاجمة إيران بناءً على رغبات قيادة القاعدة التي تهدف إلى الحفاظ على مصالحها وعلى ممر آمن عبر إيران.
تعاونت إيران و”القاعدة” مرات عديدة خلال العقود الماضية، واستفاد الطرفان من هذا التواصل على مستويات عدة، إلا أن الوثائق والكتابات أظهرت أدلة على تقلّب العلاقة، حتى وصلت إلى حد العداء في بعض الحالات، وفق الفوائد التي يجنيها كلا من الطرفين. ربما توفر إيران الطرق، والملاذ والعبور الآمن للقاعدة مقابل تلقيها بعض المعلومات الاستخبارية عن أنشطة التنظيم، وحماية نفسها من الهجمات، كما قد تستعمله كورقة مساومة لتبادل الرهائن، وأداة ضغط ضد الولايات المتحدة.
يشير هذا إلى أن التعاون بشأن أهداف تكتيكية قصيرة الأجل هو أمر مختلف جداً وبعيد عن التحالف، إضافة إلى ذلك، إنه يسلط الضوء على إمكانية أن المعتقدات الدينية والاختلافات الأيديولوجية، بغض النظر عن مدى تطرفها، يمكن وضعها جانباً مؤقتاً من أجل تحقيق المصالح السياسية.
متخطياً الدين والعقيدة: التعاون التكتيكي المتأرجح بين إيران والقاعدة – 1 –