لبنان… آخر معقل للمسيحيين في الشرق

حجم الخط

كتب أدريان جولمس Adrien Jaulmes في مجلة “لوفيغارو” الفرنسية – تعريب صوفي شماس:

تبدو المجتمعات التي ولدت مع المسيحية في الشرق الأوسط على وشك الاندثار تحت وطأة  الموجة الإسلامية التي تجتاح المنطقة، لكن هناك استثناء واحد: لبنان. ففي هذا البلد الصغير وحده يتمسك المسيحيون بأرضهم وبإيمانهم.

معلق على ساحل البحر الأبيض المتوسط، توازي مساحة لبنان مساحة كورسيكا وهو يشبهها نوعاً ما من ناحية أرضه الجبلية أيضا، وهو عاد إلى المسيحيين كما كان بالنسبة إليهم في التاريخ في كل فترة من فترات الاضطراب والاضطهاد: حصناً وملجأً. يقع برجه المحصن في وادي قاديشا، ويمكن الوصول إليه عبر الطرق الجبلية الصغيرة التي تصل إلى مرتفعات جبل لبنان. يتكون “الوادي المقدس” من أخدودين ضيقين، أخدود قنوبين وأخدود قزحيا اللذان يتحدان ليشكلا حرف V. عند سفح المنحدرات، وبين الحقول المدرّجة  التي بُنيت على مدى قرون من قبل أجيال من الفلاحين الموارنة، ترتفع الأديرة التي يمكن الوصول إليها عبر مسارات راكبي البغال.

لجأ البطريرك الماروني منذ أربعة قرون إلى قنوبين بعد أن فر من اضطهاد المماليك في منطقة حلب، واستمر مركز البطريركية  لثلاث مئة سنة في دير مار قزحيا. صلباً كحصن على صخرة في سفح المنحدر، بُني دير مار أنطونيوس على موقع كنيسة قديمة جداً، وهي أول كنيسة تم بناؤها، ولا تزال حتى اليوم غارقة  في كهف من الجير تحت الجبل. لا تزال آثار سلاسل وحديد كان يتم بها تقييد المجانين من السقف في زمن لم يكن فيه الطب النفسي موجوداً، إذ كان القديس أنطونيوس معروفاً بأنه كان يعالج ويشفي الممسوسين والمصابين بالأمراض العصبية، ولا يزال المؤمنون حتى اليوم يأتون إلى الدير حاملين النذورات، كذكرى من زمن الصدقات والقرابين ومظهر من مظاهر التقوى التي بدأها الأسلاف وتستمر حتى اليوم. “إن الدير الماروني ليس ديراً مغلقاً، فالرهبان هم  في خدمة المجتمع المحيط بهم،” يقول الأب الرئيس، ميخائيل فنيانوس، صاحب الرداء والقبعة السوداوين واللحية الرمادية.

في العام 1903، غادر البطريرك قعر الوادي ليستقر فوق دير مار أنطونيوس، في الديمان، والذي أصبح فيما بعد مقر إقامته، توازياً مع المقر في بكركي. تحتضن حديقة الديمان، التي تفرش الجزء العلوي من الجرف، طبيعة الوادي بأكملها.

“الفترة الحالية خطيرة جداً، يقر المطران مارون عمار، رئيس أساقفة الجبة –  التي تطل على الوادي من خرم صخري – إلا أنها ليست أسوأ من الفترات التي مررنا بها. لطالما “داعش” كانت موجودة بطريقة أو بأخرى في العالم الإسلامي. لكن الاضطهاد لم ينجح يوماً في طردنا”.

الكنيسة المارونية هي كنيسة تتبع الطقوس الشرقية لكنها مرتبطة بالكنيسة في روما، ويشكل الموارنة  إحدى أقوى وأعرق الطوائف المسيحية في لبنان. وتضيف الكنائس المسيحية الأخرى، اليونانية والأرمنية، والأرثوذكسية أو الكاثوليكية، والسريانية، والكلدانية، والاشورية، تنوعاً في العقيدة المسيحية في هذه القطعة الصغيرة من الأرض، ولكن تبقى المارونية الأكثر رمزية، وساهمت أكثر من أي مذهب آخر في بناء الهوية اللبنانية.

“على نقيض البلدان العربية الأخرى، حيث تم وضع المسيحيين خارج التاريخ تحت الإكراه، شهد لبنان مصيراً مختلفاً تماماً”، يقول الأب راي جبر معوض، من الجامعة اللبنانية – الأميركية، ومؤلف كتاب “تاريخ الموارنة”.  “حصل الموارنة الذين استقروا في منطقة جبل لبنان على الحق في حمل الأسلحة وركوب الخيل، ونالوا تدريجياً استقلالهم،  حتى أنشأوا نواة لدولة أصبحت حقيقة واقعة عند إنشاء لبنان الكبير في العام 1920. إنها ظاهرة فريدة من نوعها تشرح الاستثناء المسيحي الذي لا يزال في لبنان، على الرغم من الانحسار الديمغرافي والسياسي لدى المسيحيين. فشرائعهم الدينية لا تزال مزدهرة، وشكلوا طبقة وسطى، مثقفة، ساعدت على بناء هذا البلد”.

فقدان التوازن السياسي بعد الحرب من العام 1975 إلى العام 1989

أدت الحرب في لبنان، التي دمرت البلاد بين الأعوام 1975 و 1989 إلى فقدان التوازن السياسي للمسيحيين لمصلحة المسلمين. منقسمين، كان المسيحيون الضحايا الرئيسيين للاحتلال السوري الطويل الذي زاد في تهميشهم. وعندما انسحبت القوات السورية في العام 2005 بعد ثورة الأرز، تفاقم الانقسام بين مسيحيين موالين لسوريا ومعارضين لها. في العام 2006، جاء التحالف المفاجئ لميشال عون مع حزب الله الشيعي ليزيد الوضع تعقيداً، إذ عزز هذا الرمز السابق المعارض لسوريا المعسكر الموالي لسوريا في “8 آذار”. أدت هذه المنافسات بين المسيحيين إلى مأزق سياسي وشلل أصاب المؤسسات: فمركز رئيس الجمهورية اللبنانية شاغر منذ أيار 2014، ولا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن هناك حلحلة في هذا الوضع قريباً.

“هذا الخلاف بين الزعماء المسيحيين هو خطأ تاريخي”، يقول الأب معوض. فعبر إهمال الامتياز الفريد لمنصب رئيس الدولة في بلد عربي، يقطع المسيحيون الفرع الذي يجلسون عليه. إنهم يعودون إلى سلوك الأقليات، ويخاطرون في أن يتم اعتبارهم كذلك. “المسيحيون هم السبب الذي يجعل من لبنان بلداً استثنائياً”، يضيف روني عريجي، وزير الثقافة. وكما ذكر يوحنا بولس الثاني في العام 1997:” إن لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة، ومثال للعيش المشترك الذي يحتاج إليه العالم اليوم”. هذا الدور الثقافي للمسيحيين في لبنان لا يقل أهمية عن دورهم السياسي.

مع قبة الكنيسة المصنوعة من  حجر السسترسن، يطل دير البلمند الأرثوذكسي على الساحل جنوب طرابلس. يتحدر اسمه من كلمة  Bel-Mont الذي أطلقه عليه الصليبيون أثناء تشييده في موقع دير بيزنطي قديم. أصبح دير البلمند في القرن التاسع عشر مدرسة إكليريكية أرثوذكسية. في العام 1970، افتتحت كلية اللاهوت، التي  تدرب جميع الإكليروس الأرثوذكسي الناطق باللغة العربية. منذ العام 1988، تستقبل الجامعة ذات الهندسة الكاليفورنية حوالي 6000 طالب، نصفهم من المسلمين، وتستعد لفتح حرم في دبي. “كمسيحيين في الشرق الأوسط،، لدينا ما نقدمه لبقية العالم المسيحي”، يقول الأب بورفيريوس، عميد الجامعة. “الإسلام هو عالم واقع في خضم أزمة لا يفهم الغرب تفاقم حساسيتها الدينية. مارس الغربيون سياسات خطيرة جداً بمحاولة فرض أنظمتهم الديمقراطية بالقوة في المنطقة”، بالإشارة إلى البعثة الأميركية إلى العراق، والدعم الغرب للثورة السورية التي يسيطر عليها الإسلاميون.

“فتحت جامعة البلمند أبوابها في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا ليس من قبيل الصدفة، يقول الأب بورفيريوس. إنها واحة، ومكاناً للقاء بين المسيحيين والمسلمين. إنه التعليم، الروابط التي تنشأ بين الشباب، الذين سينقذوننا. ما يتيح للمسيحيين البقاء في المنطقة هو العمل الملموس لبناء الجسور مع الإسلام، وليس مواقف المواجهة التي تخلق عداء كبيراً. شهدت حرب لبنان فشل هذا الموقف العدواني للمسيحيين. ولقد كلفنا هذا الموقف غاليا”، أضاف بما اتضح أنه نقداً واضحاً إلى المسيحيين الموارنة “، وصدى لتنافس سابق مع الكنيسة الأرثوذكسية.

دور اقتصادي هام للمسيحيين

إنه الدور الثالث للمسيحيين، وهو دور بأهمية الدورين السابقين. نشيطون، ومثقفون، ، ومقدامون، إنهم يُعتبرون من أصحاب المشاريع ورجال الأعمال الذين يساهمون في ازدهار لبنان ومجتمعهم في الوقت نفسه.

في لبعا، القرية الصغيرة التي تطفو على مرتفعات صيدا، في جنوب لبنان، يستخدم فادي رومانوس علاقاته الشخصية وإحساسه بالأعمال لإعادة للمسيحيين أراضيهم التي طردوا منها أثناء الحرب. على قمة تلة تطل على لبعا، أعاد زرع  أشجار الزيتون ومساحات كبيرة من الأزهار. “هدفنا هو تمكين مجتمعنا من البقاء في أرضه. بالتعاون مع البطريرك والرابطة المارونية، أحاول تطوير التعاونيات الزراعية لمساعدة المزارعين على الحصول على قروض عقارية، والسماح لهم بالعيش والازدهار في أرضهم “.

يخترق فادي رومانوس المروج في سيارته الغولف الكهربائية، فخور بالعمل المنجز: “المسلمون هم أفضل تنظيماً. إن الضغط الديمغرافي قوي في صيدا، ، والسنّة الأثرياء، كرعايا دولة الإمارات في الخليج، يشترون الأراضي بكثرة”. بدأ فادي رومانوس العمل لعكس هذا الاتجاه. يشير بيده إلى المنزل الفاخر المبني على قمة التلة المجاورة والذي أعاد شراؤه من الشيخ الاسير، رجل الدين السلفي المسجون منذ أن اشتبك أنصاره مع الجيش اللبناني. “بالطبع، لدى العديد من المسيحيين خطة بديلة في حالات المحن، لكننا نفضل الخطة الرئيسية، وهي البقاء في وطننا، لبنان”.

إن كان العديد من المسيحيين اللبنانيين اختاروا الهجرة، فيعود الأمر جزئياً لأسباب اقتصادية، ويعود عدد منهم إلى لبنان، بنية إعادة الازدهار إلى أرض أجدادهم مجدداً.

ترعرع ناجي بطرس في فرنسا، حيث أرسلته والدته وهو في سن المراهقة في العام  1983، عندما بدا لها أن انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي يؤشر إلى موجة مجازر ستقوم بها ميليشيا وليد جنبلاط الدرزية ضد المسيحيين في الشوف. في مسقط رأسه، بحمدون، تم تدمير فندق “بل فو” الذي يملكه جده، وتم طرد السكان الذين بقوا على قيد الحياة ودُمرت الحقول. فالقرية المعلقة على الجبل على الطريق القديمة التي تربط بيروت بدمشق، تم إفراغها من سكانها المسيحيين الأرثوذكس الذين يعيشون هناك منذ قرون.

هجر ناجي بطرس وطنه. بعد نيله شهادة في الرياضيات في غرونوبل، انتقل إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعة نوتردام-دو-لاك، ثم في جامعة ستانفورد، وأصبح  مستثمراً مصرفياً في مؤسسة ميريل لينش. “لم تكن لدي نية للعودة إلى لبنان. كان يتملكني غضب عارم ورغبة في الانتقام ممن دمروا قريتي وهجّروا أهلي”. غير أنه عاد إلى بحمدون في العام 1999. “كانت القرية ميتة. لم يعد هناك من سكان. دُمرت المنازل وأعيد بيع حجارتها المسروقة من قبل الدروز في المناطق المحيطة بها. تم اقتلاع الكروم وأشجار الزيتون وتدمير مدرجات الحقول. بدأت بإعادة شراء الأراضي وزرع كروم العنب”. عمّد ناجي بطرس كرومه باسم “شاتو بل فو” تيمناً باسم فندق جده، وحصد الدفعة الأولى في العام 2003. يطلق ناجي بطرس على هذه الحقبة اسم “عصر النهضة”. في العام 2007، فاز نبيذ “شاتو بل فو” بالميدالية الذهبية في مسابقة ” International Wine & Spirit” في لندن.

يفتح ناجي بطرس في كرمه زجاجة من النبيذ الأبيض. إن المنظر الذي يطل على البحر عند غروب الشمس مذهل.  “أرى في هذه الأرض أعمال أجيال كاملة، حيث الجهد والدم يصبغان نبيذ “شاتو بل فو”. عدد كبير من سكان بحمدون حذوا حذوه وتم بناء مصانع نبيذ أخرى على تلالها، حيث يعادل ارتفاع 1300 متر فوق سطح البحر الحرارة في الشرق الأوسط لإضفاء على الكروم ظروف مناخية مشابهة لتلك التي في بوردو. “هناك مسيحيون يغادرون لبنان، لكن البعض الآخر يعود. كانت فكرتي أيضا إلهام الآخرين، لأثبت لهم أنه ليس هناك من أمر حتمي، وأنهم يستطيعون القيام بالأمر نفسه”.

لا نية لدى ناجي بطرس لمغادرة لبنان. فقد افتتح مطعماً للذوّاقة، وفندقاً في المقر الصيفي السابق للسفير الفرنسي الذي اشتراه منذ بضع سنوات. “لدي الآن عشرون موظفاً، بمن فيهم دروزاً من القرى المجاورة. هؤلاء الناس، الذين، منذ جيل تحاربوا، يعيشون ويعملون الآن معاً. لقد شفاني هذا الأمر وملأني بالأمل”.

إن كان وادي قاديشا هو برج القلعة المسيحية اللبنانية، فالمواقع الأمامية تكمن في البقاع، شرق لبنان. بعد أن أصبحت في الثمانينيات معقلاً لـ”حزب الله الشيعي”، لا يزال الوادي يحتضن بعض الجماعات المسيحية: 15 ألف مسيحي في القاع، و9 آلاف في رأس بعلبك، وألفين في الجديدة، وألف مسيحي في الفاكهة.

على طول طرق البقاع، تتعاقب صور حسن نصر الله، زعيم حزب الله، مع صور المقاتلين والشهداء الشيعة. تقاتل الميليشيا اللبنانية جنباً إلى جنب مع نظام بشار الأسد، وتعود نعوش الميليشيات الشيعية التي تسقط في سوريا بانتظام، كما أن  الأراضي الخاضعة لسيطرة الجهاديين أصبحت قريبة أكثر أيضا. في آب 2014، شنّ مقاتلو “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” السنّة، وهما مجموعتين جهاديتين سوريتين، لعدة أيام هجوماً على بلدة عرسال على الحدود السورية، وبعد أن صدهم الجيش اللبناني وحزب الله، تمركزوا على بعد بضعة كيلومترات من البلدة.

… يقول رفعت نصر الله ( مسؤول سرايا المقاومة): “الجهاديون قريبون جداً، وأرضهم تحاذي أرضنا، فداعش وجبهة النصرة تحتلان 80 بالمئة من أراضي رأس بعلبك”، يقول وهو يشير بإصبعه باتجاه التلال الجبلية التي تطل على القرية. “يجب أن يدرك الأوروبيون ذلك. أنا لا أؤيد نظاماً كنظام بشار الأسد، الذي ينتهك الحريات. ولكن إن دعمنا جماعات إيديولوجية تعتبرنا كفاراً لمقاومة هذا النوع من الأنظمة، نكون على خطأ. حتى لو تخلى عنا بقية العالم المسيحي، فسوف نحارب. لن نذهب إلى أي مكان، وسوف نُدفن هنا حيث تعمّدنا. منذ ثلاث مئة سنة، حاول الأتراك أسلمة هذه الأرض، وكانوا أقوى من داعش اليوم، ورغم ذلك لا نزال هنا”.

تعيش قرية رأس بعلبك في خوف من عودة الجهاديين، ولا تتردد في انتقاد السياسة الغربية علناً. “هل أتيتم لرؤية مسيحيي الشرق؟ ” لقد فات الأوان، يقول الأب إبراهيم نامو، كاهن رعية القرية. ماذا يفعل الغربيون الذين يأتون ليشفقوا علينا، وفي الوقت نفسه يبيعون أسلحتهم إلى الدول المسلمة، كالسعودية، وتركيا، وهي بدورها تسلمها إلى جبهة النصرة أو داعش؟ لقد سعى الغربيون إلى تغيير النظام في سوريا؛ لكنهم استيقظوا متأخرين جداً ليدركوا أن المسيحيين سيصبحون ضحايا هذه السياسة. “عليكم شراء منزل في لبنان: في أقل من عشرين عاماً، ستندلع حربكم الأهلية في بلدكم بينكم وبين المسلمين”.

Le Liban, dernier bastion des chrétiens en Orient

المصدر:
Le Figaro

خبر عاجل