
يوم دخلتُ “المؤسسة اللبنانية للارسال” نيسان العام 2003، واصبحت محررة في قسم الاخبار الدولية، كنت أعرف رجلاً يدعى ايلي الصليبي، كانوا يقولون انه من مؤسسي الـ lbc وانه أحد أهم أركانها.
كنا نراه من حين لاخر على الشاشة، صوت عميق جميل، القاء ما بعده القاء، لغة عربية ربما له الفضل الاول بأن تعشقها آذان لبنانيين اعتادوا في مجالسهم وكتاباتهم على تلك اللغة الاخرى الانيقة الرائعة، أي الفرنسية. كانت مذيعات الـ lbc يتحلين بأجمل الاصوات، وكانت مخارج حروفهم كمن يعزف ابيات شعر وخصوصا مقدمات النشرات الاخبارية.
من وقت لاخر كانت يطل ايلي صليبي في برنامج من هنا او من هناك، يتحدث في الثقافة، يحكي بمرارة، دائما بمرارة عما وصل اليه لبنان في السياسة او الثقافة وما شابه، عندما كان يطل كان يقول ابي دائما “هيدا اكتر رجال مثقف علّي الصوت بدي اسمع شو عم يحكي” ويجلس أبي الى الشاشة ويستمتع “انا بقول يمكن قاري اكتر من خمسمية كتاب هالزلمي” يقول ابي.
وراحت الايام لاجلس الى ايلي صليبي وجها لوجه في المؤسسة اياها. كانت المرة الاولى وتلتها مرة ثانية وكانت الاخيرة، يومذاك اوكل اليه تدريب الاصوات الجديدة الوافدة الى نشرة الاخبار الفضائية تحديدا، وكانت أصواتنا هزيلة خارجة عن القانون اذا جاز التعبير، لا نجيد التلاعب على الالفاظ ولا كانت مخارج حروفنا كما يجب ان تكون، وبالنسبة الى الاستاذ لم نكن اساسا نملك مخارج حروف وكان الكمال هو المطلوب. جاء دوري في امتحان الصوت، جلست اليه وجهاً لوجه “شو الاسم البركة؟” اجبت، “طيب اذا بتسمحي بدي تقرأي هالمقطع من جريدة النهار” ففعلت، لم يشأ ان يقول لي ان صوتي غير صالح بعد للقراءة لانه ضعيف او رفيع او ما شابه، قال “جيد دموازيل فيرا بس بدي منك ما يطلع صوتك من منخارك انما من بطنك وخدي نفس غميق والاهم ان تقرأي بثقة مطلقة والاهم الاهم الا تقرأي بجهل، لازم تكوني تعرفي شو عم تقرأي ومضطلعة على خلفية الخبر منشان هيك لازم كل يوم تكوني شفتِ الجريدة قبل ما تبلشي تكتبي الاخبار للنشرة” وانتهى اللقاء.
لا املك ذكريات معه اسوة بصديقاتي زميلاتي د.مي شدياق او ديامان رحمة جعجع او دنيز رحمة فخري او ميريللا محاسب او بسام ابو زيد او بسام براك، وكثر كثر ممن صنعوا بريق المؤسسة وبريق الاعلام الحقيقي في لبنان، ولم اكن من ذاك الجيل الاعلامي العريق الذي صنعه ايلي صليبي، لكن حسبي اني عاصرت الرجل الاديب المفكّر الاعلامي الذي سبق زمنه وزمن الشاشة التقليدية لينتج لنا ثورة، ليس اقل من ذلك، ثورة تلفزيونية اعلامية ولا احكي عن ادبه وشعره وثورته المجنونة تلك على السياسة وهامات رجال في لبنان ولا رجال من بينهم الا قلة قليلة.
ليس أنا من يتكلم عن ايلي صليبي، وليس لي ان أحكي سيرة الرجل الذي بدأ منذ زمن الابيض والاسود في تلفزيون لبنان والمشرق، لكن نحن التلامذة في مدرسة الاستاذ ولو من بعيد، نحكي معه وعنه بلغة العلم المشوبة بلغة القلب، وهنا ايلي صليبي، في القلب، الاستاذ الذي يعيش بين سطور كتبه واشعاره، الاستاذ الذي غيّبه الاهمال قبل المرض، وكما هي عادة الكبار في لبنان، يرحلون ويبقى لنا فتات من كبار، فتات والله يا استاذ.
يقولون ان في مجالسك كنت تردد دائماً “عاشر لكبار بتكبر”، اعرف كبارا كثرا تخرّجوا من مدرستك الاعلامية العريقة، واعرف ايضا صغاراً تنكّروا لك ولتلك المدرسة حين اصبح الاعلام لغة التنانير القصيرة وسوق عكاز البوتوكس وخبر fast food.
لا احزن وحسب لرحيل رجل من هذا الطراز، انما على رجل كان يرى في الحياة الرعب بذاته “وحدها القبور أكثر أماناً واطمئناناً لأنها لا تطلب أكثر مما تتّسع”، احزن على رجل كان يعيش ثورة في داخله لم تمكنه الايام من ان يجعلها حقيقة، فهزمته الحقيقة والهزيمة في وطن كثرت فيه هزائم الانسان، فكتب قبل الرحيل بساعات على صفحته “لو كنّا شعبًا لصرنا ثورة، لكنَّنا جمهور فصار الوطن حفلة”…
كأس الحرية حيث رحلت وتناثرت مع شعاع السماء وتلك السيكارة يا استاذ، فوق ستحقق ثورتك وانتصارك على هزيمة الحياة فيك. اما نحن، شو بدك فينا حسبك ان تراقبنا من فوق…
