سجون وساحات ــ روكز مزرعاني: هذا ما حصل معي في مركز المخابرات السورية في حمانا

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1476

إصراره الهادئ على المطالبة ببراءة الدكتور سمير جعجع أفقد مخابرات سلطة الوصاية صبرها فتولت المخابرات السورية مهمة ترويعه وترهيبه، إلا أن حساب مركز هذه المخابرات في حمانا لم يوافق حسابات البيدر مع روكز الذي لم يترك باباً لم يدقه دفاعًا عن قائده الذي أحب وآمن بخياراته وحكمته ووصل سعيه حتى أبواب الفاتيكان. روكز مزرعاني يكمل رواية صفحات من تاريخ النضال، وبقي الكثير مما لم يعد للورق قدرة على استيعابه.

“بعد ان انتهت الجلسات في قضية الكنيسة تقرّرت جلسة النطق بالحكم يوم السبت 13 تموز من العام 1996″، ليلة 12– 13 تموز كنت في عنايا كالعادة ليلة الجمعة للصلاة مع عائلة مار شربل، كانت الوجوه كلها معبقة، الكل كان يتوقع سيناريو أسود كسيناريو الحكم في قضية اغتيال الشهيد داني شمعون وعائلته، الكل كان على أعصابه، والجميع يسألون ريمون ناضر ما اذا كان هناك رسالة من مار شربل. ريمون كان صلبًا وإيمانه كبير.

لم تكن لدينا ثقة بالقضاء الذي كان مغلوبًا على أمره مرات، ومرات أخرى سابق السلطة السياسية في الأحكام. الحكم بالإدانة في تهمة تفجير الكنيسة كان قضية كبيرة بالنسبة إلينا بالطبع، اولًا لأن التهمة أدت الى حلّ “حزب القوات اللبنانية” واعتقال رئيسها الدكتور سمير جعجع، وثانيًا لأن “القوات” التي دافعت عن الكنيسة  ودافعت عن المسيحيين لا يمكن ان تحتمل هكذا تهمة. بعد الصلاة رحت أمشي في حديقة القديسين قرب محبسة مار شربل، كنت أتأمل وأصلي وأسأل مار شربل “دخيلك يا قديس بكرا شو؟” مشينا بمسيرة الصلاة، وعندما وصلنا الى المحبسة ركعت على ترتيلة يا أم الله وصليت “يا مار شربل دخيلك شوف شو بدك تعمل، اذا طلع الحكم بالإدانة ما بعرف شو بدنا نعمل، هيدي الإدانة كانت لضرب “القوات” وسمير جعجع وكل المسيحيين” عندما انتهيت من الصلاة أحسست بأن شعوري بالقلق والخوف والضياع قد تحول الى شعور بالأمان والفرح. كانت رسالة لي لأطمئن الى أن الآتي في الغد ليس بالسوء الذي نتوقعه، وربما كانت أكثر مرة في حياتي أشعر فيها بهذا السلام الداخلي.

في اليوم التالي لم يكن لدي إذن بحضور جلسة الحكم، فتابعتها عبر إذاعة لبنان الحرّ، وفي اللحظة التي سمعت فيها قرار البراءة للشك إعتبرت أن ثمة تدخلاً إلهيًا، لأن المقصود بالطبع لم يكن الوصول الى هذه النتيجة. شيء ما قد حصل وغير كل المقاييس. في تلك اللحظة إعتبرت أن رسالة مار شربل لنا كانت أن نكمل ونتابع الصلاة نحن عائلة مار شربل”.

عام 97 عندما كانت الكنيسة المارونية مشغولة بتحضير الارشاد الرسولي إعتبر روكز أن من واجبه أن يفعل شيئًا، أي شيء يؤدي الى ذكر السجناء السياسيين في نص الارشاد حتى ولو لم يتطرق لاسم الدكتور جعجع. فقرّر أن يكتب رسالة الى البابا يوحنا بولس الثاني، أخبر ستريدا بنيته، فسألته كيف يمكن أن يتأكد من أن قداسة البابا سيتسلمها؟ طمأنها الى أنه سيسأل وسيحرص على أن تسلم إليه باليد لا الى صندوق أمانة سرّ الفاتيكان كما هي العادة. بعد بحث حثيث وصل روكز الى راهب مهمته معاونة قداسة البابا في القداس كل يوم أربعاء، اتصل به في الفاتيكان وسأله ما اذا كان بإمكانه تسليمه الرسالة باليد فوافق شرط أن تكون الرسالة مفتوحة، وهكذا كان. يتابع روكز “كتبت الرسالة، ترجمناها الى اللغة الفرنسية وارسلتها مع أحد الإخوة الى الفاتيكان. عدت واتصلت بالراهب وسألته أن يقرأها ويبلغني ما اذا كان قد سلّمها الى قداسته. بعد أول أربعاء اتصل بي وقال “وصل المكتوب” فسألته بلهفة “شو قال؟” لم يكن بالإمكان بالطبع أن يعرف أي انطباع الا بعد أسبوع أي الى الأربعاء التالي موعد القداس. يوم الخميس التالي اتصل بي الراهب وقال “قرأ قداسته المكتوب وحملني رسالة شفوية لك، يقول فيها: “قرأت ما كتبت وعشت كل تفصيل فأنا أيضًا كنت سجينًا خلال الحرب العالمية الثانية وأفهم ما معنى السجن في الطابق الثالث تحت الأرض بلا شمس وفي الرطوبة… قل له أن يتابع صلاته وأنا سأكمل ما أفعله. في النهاية الرب يرى والحق عنده فوق وليس على هذه الأرض”.

بعد أشهر كانت مفاجأة بانتظار روكز، فقد طلب قداسته من الراهب أن يرسل إليه يوم عيد مولده البركة الباباوية هدية، وهكذا وصلته في البريد في 10 كانون الثاني من العام 1997 بعد أسبوع من عيده في الثالث من الشهر عينه.

بعد صدور الارشاد الرسولي قصد روكز ستريدا كعادته وطرح عليها فكرة تشكيل لجنة مهمتها التعمّق في دراسة الارشاد الرسولي وتنظيم جولات على المطارنة الموارنة للحوار معهم حول بنود الارشاد، مع إقرار فقرة ثابتة في هذه اللقاءات حول البند المتعلق بالمساجين السياسيين. تشكل الفريق من 9 أشخاص هم جيهان مزرعاني فيصل وسهام حبشي ولاريسا فارس من الرفيقات المناضلات كما يسميهن روكز. ومن الرفاق جوزيف نصار، غازي بو أنطون، روبير فرنسيس، بيار ضو، جورج ليشاع وروكز مزرعاني. بدأت لقاءات اللجنة كل يوم أربعاء في بيت الحكيم في يسوع الملك للدراسة والتحضير وتحديد مواعيد مع المطارنة لحثهم بالطبع على تطبيق الارشاد الرسولي لا سيما في بنده المتعلق بالمساجين السياسيين. كان همّ هذه اللجنة أن يبقى موضوع اعتقال الدكتور جعجع والرفاق حاضرًا في كل إجتماعات مجلس الأساقفة الموارنة وأن تبقى هذه القضية همًّا مسيحيًا ووطنيًا. المهمة لم تكن سهلة على اللجنة بل كانت شاقة لاقناع بعض المطارنة بتحديد موعد للقاء معهم. وبعضهم حتى كان يستغلها مناسبة لتأنيبهم كأنهم “الابن الضال”! أما هم فلم يملّوا ولم يتعبوا من الاضاءة على الحقائق التي حرصتأجهزة الوصاية السورية على التعتيم عليها لخدمة التهم الملفقة وتزوير التاريخ. الى أن صارت براءة “القوات اللبنانية” ورئيسها قناعة راسخة لدى المطارنة، الأمر الذي مهّد الطريق لولادة بيان مجلس المطارنة الموارنة الشهير في العام 2000.

بعد انتخابات العام 1998 البلدية والنتايج المفاجئة التي حققتها “القوات” في كل البلديات، جنّ جنون سلطة الوصاية، وعاد الخناق يشتدّ اكثر فأكثر على شباب “القوات” الذين تحولوا من النضال في السرّ الى النشاط السياسي العلني. يروي روكز، هنا “تركّز نشاطي في الانتخابات في المتن، كنت مع إدي أبي اللمع وحاولنا كما حاول الرفاق في كل لبنان ان نوصل أكبر عدد من رفاقنا والمناصرين لنا الى المجالس البلدية والاختيارية. ما لم يعجب سلطة الوصاية يومها وعادت حملات التجنّي علينا بالطبع وما حدا منا نسي كيف لفقوا تهمة لستريدا واستدعوها على التحقيق لتهديدها بالسجن متل الحكيم اذا استمرينا في العمل السياسي. انا بظرف اسبوع بعتوا وراي مرتين على مركز المخابرات بالبياضة. وقالوا لي إنو طفح الكيل واني ما بحترم توقيعي على التعهد بعدم التعاطي بالسياسة وإنو المرة الجايي رح يكون تعاملن معي غير هيك…. وبعد انتخابات بشري صار غضبن عارم، خَوَات. ولما بالتحقيق كنت قول للضابط “قلي يا عمي انا شو عم بعمل شي غلط، ما العمل الانتخابي حق بيكفلو الدستور، انا ما عم أعمل شي بيخالف القانون…”، فكان جوابو “مجرد وجودك بـ”القوات” هو الغلط”.

بقيت الأمور تحت السيطرة الى أن كان الحدث الأصعب. يتابع روكز الرواية: “في 9/10/ 2000 تلقيت إتصالا من رقم يبدأ بـ 05، ولهجة المتكلم سورية وبعيدة فأقفلت الخط لاعتقادي أن الاتصال بالغلط، فعاد واتصل وقال إنو عم يحكيني من مكتب العقيد سعيد في مركز المخابرات السورية في حمانا، وأبلغني انني مطلوب يوم الاربعا الى المركز عند الساعة 9 الصبح. وقلي “جيب هويتك وتعا”. كانت أول مرة بيبعتو ورايي المخابرات السورية، وكنت سامع عن بطولات العقيد سعيد وانو اللي بيطلع لفوق بيصير بعنجر ومن بعدها بسوريا. هيدا الاتصال حطني تحت الصدمة. كنا نخلص حالنا مع مخابرات الجيش ونقدر نتفاهم معهم لأنن لبنانية بس مع السوريين القصة أكبر. فكرت لدقايق شو العمل؟ بالطبع ما كان بدي خبر ستريدا بتكفيها همومها، ما لقيت قدامي الا اني أطلع لعند خوري الرعية جان موسى بركي بيطلع معي عند البطرك تنخبرو ونشوف شو العمل! لما خبرتو اتصل فورا بالاب ميشال عويط وطلب موعد سريع من البطرك صفير لسبب طارئ. فحددلنا موعد عالساعة 3 بعد الضهر. لما وصلنا عالصرح لاقانا الاب عويط فخبرو أبونا جان القصة، قلنا دغري يلّا فوتو عند البطرك خبروه. فتنا على الصالون الزغير لنشوفو، كان بيعرف وجي لأني لحد هيداك اليوم كنت صرت باعتلو 3 رسايل بخصوص الحكيم وطلعت لعندو على راس وفد من المتن 4 مرات، لذلك بس شافني قلي” أنا بعرفك شايفك قبل” فخبرتو وين وكيف وتذكر. ورجعت شرحتلو شو صار معي بالاتصال مع المخابرات السورية. عصّب وعلي صوتو وطلب من الأب ميشال عويط يتصل بلجنة التنسيق اللبنانية ـ السورية ويقلن “هيدا الزلمة رح يطلع عالتحقيق بس طالع وراجع. والا ما رح يطلع رح يضل عندي”. بعد نص ساعة إجا الجواب إنو ما في مشكل يطلع ورح يرجع من بعد التحقيق. رجع البطرك قلن ما رح يطلع الا ما تعطوني ضمانة والا رح ينام هون ببكركي. وهيك صار، طلب غبطتو من الأب جان إنو يرافقني بالوقت اللي كان الأبونا بدو يحاول يستأذن البطرك اذا بيسمحلو يطلع معي. وكان مصرّ غبطتو إنو يفوت الأبونا معي عالتحقيق وينطرني ويرجعني معو بسيارتو. بعد يومين طلعنا بسيارة الخوري، لما فتنا عند العقيد على رون بوان حمانا بقينا عندن شي ساعتين. بلش حديثو بتهذيب توصل بعدين للاستفزاز “شو بتطلع تعمل عند شو اسما هيدي؟ ستريدا؟ مين هيدا جعجع اللي لاحقو؟ هادا مجرم حشاش…” كان أبونا جان مخبرو إني ناشط بالرعية وبدق موسيقى ومدير الجوقة بالكنيسة، فقلي “خليك مع الأبونا عزفلو بالكنيسة. خليك مع الشبيبة بالرعية شو بدك بالزعران؟” هون قلو للخوري إنو بدو ياني فوت مع الشب لجوا شوي، وما خلاه يفوت معي. فقمت أنا لورا مكتبو في صالة كبيرة كتير الضو فيها ضعيف ومجهزة بالطبع بكل وسايل التعذيب من بلانكو ودواليب وحبال وجنزير. فرجاني عدة التعذيب وقلي “شفت؟ انتبه عحالك المرة الجايي!”. لما رجعت شفت وج الخوري جان أصفر، ورجع العقيد يقلي “شو بدك بـ”القوات” هودي جماعة زعران وهو رح يتختخ بالسجن. وزوجتو المشحرة عم تطلع لعندو شو فيها تعمل؟ روح شوف مستقبلك واشتغل بالكنيسة، روح شوف حياتك. سافر. غبطة البطريرك موصي فيك وباعت معك الأبونا من الكنيسة، وهاد سمير جعجع مفجّر كنيسة إنت كيف لاحقو؟”. “شو بدك تقوليلو إنو هيدا التفجير إنتو عاملينو وكل القصة مفبركينا لتوقعو بـ”القوات: وتهدمو المجتمع المسيحي؟” هون صار الأبونا ينكزني بإجرو حتى ما أحكي لأنو بيعرفني ما بقدر أسكت. الحمدلله رجعنا بالسلامة يومتها بفضل الله والبطرك وطبعا أبونا جان”.

من بكركي الى الفاتيكان الى مديوغوريه، حمل روكز قضية الدكتور جعجع في قلبه وعقله ولم يستكن الا يوم التقاه في صالون المطار وتأكد أن الحرية للحكيم باتت حقيقة ولم تعد مجرد حلم و “ضرب من الخيال”.

(انتهى)

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

سجون وساحات – روكز مزرعاني: المقاومة بالصلاة والنضال والكلمة

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل