سجون وساحات ــ  رفيق الزين طوق: لولا ستريدا ما بقي “قوات”

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1478

الجزء الثاني والأخير:

“إن الموت في سبيل الحرية لأشرف من الحياة في ظلال الاستسلام” قول لجبران خليل جبران وشبه صلاة يومية للرفيق في “القوات اللبنانية” رفيق الزين طوق، رافقته مذ بدأت طريق الجلجلة يوم دخلت “القوات” عهد المقاومة السلمية والنضال في المعتقلات والسجون. عن تلك السنوات وتجاربها المُرّة يكمل رفيق فصول الرواية من استراليا حيث النضال يستمرّ مع رفاق كثر لجأوا الى اقاصي الأرض بحثًا عن حرية لا يقوون على العيش الا إذا تنشقوا من خلالها أوكسيجين الحياة.

6 أعوام بقي رفيق في بشري يتاجر بالتفاح ويده دائماً في جيب شقيقه إميل الحلاق الرجالي في بشري. دعم إخوته ووالده له مرّر الأيام الصعبة بمرارة أقل، لكن عزّة نفسه وإصراره على “تقبيع شوكه بيديه” كلها عوامل دفعته الى التفتيش عن مصدر عيش كريم بعيداً من الحصار المخابراتي الذي كان يحول دون تأسيسه أو التحاقه بأي عمل منتج، وتأكيداً يقول رفيق “أنا ما بحني راسي إلا ليسوع وما بمد إيدي إلا بزندي، كل تهديداتن ما كانت تأثر فيي”. فكان القرار بالسفر ما دام الحكيم قالها في غدراس قبل ليلة من اعتقاله كما يتذكر ويروي: “قبل بليلة من اعتقال الحكيم كان عندو بغدراس ثلاثة صحافيين. سألوه: “يا حكيم لوين رايحين”؟ رد الحكيم “الحرب تعبنا منها صار بدنا نعيش بسلام. أنا رايح على عقر دارن اتحداهن خلين يهدّوا مقابيلي، روحو إنتو والشباب ارتاحو 7 أو 8 سنين لأن الحروب تعبتنا كتير. وحسب تقديري إذا بقي الستاتيكو هيك رايحة الأمور هيك شي 10 سنين”.

يتابع رفيق: بيي مثالي الأعلى وبشوف حالي بمواقفه، بفتخر إنو بيي زلمة بكل معنى الكلمة، مرة إجو ناس لعندو بدن يستثمروا اعتقالي سياسياً ونصحوه يعمل زيارة، ومع كل حرقتو هو وإمي وقف وقلن ما بروح إلا لعند يسوع وخلي ابني بالحبس. أنا بالحقيقة فتت عالحبس من دون ما أعرف ليش وضهرت كمان بلا ما أعرف ليش. أنا بيحقلي اليوم إتشكى عالدولة والجهاز الأمني اللي عذبني عالبلانكو بالمقلوب وجرب فيي كل أنواع التعذيب بلا ذنب. على أساس شو عذبوني وكسرولي أسناني وعميوني وفخوتولي طبلات دينيي وما خلوني حط محامي حتى … ورجعوا بعدين تركوني؟ هني بالنهاية كان بدن مني إخضع وإمضي على اعترافات مش إلي بس عرفوا إني ما بمضي لو على قطع رقبتي. برجع بكرر هني ما كان بدن إلا راس الحربة وهو الحكيم. بفتخر بكل شب كان معنا بالحبس لأنن طلعوا رجال”.

بعد شهرين من الاعتقال والتعذيب أطلق سراح رفيق وقبل أن يخرج سأله السجّان ماذا ستفعل بعد خروجك؟ جوابه كان “أنا فلاح وسأعود الى أرضي في بشري. وهيك كان مرقت على بيروت كم ساعة وتوجهت دغري ع بشري وأنا عارف إنو المخابرات عم تراقبني، ومن ناس مقربين إلي حتى. بعد يومين حكيت مع ابن عمي خوري قلتلو زوزو قلبي مش عم يطاوعني بدي إنزل عند ستريدا. نزلت معو بالسهرة ومعنا بنت اسمها إيفون كانت مسافرة على أوستراليا. نزلت مشي حتى ما يلاقوني عالحاجز ويرجع يصير معي اللي صار بالحبس، ما كان بدي عيد التجربة، بقتل حالي وما بخلين يوصلولي. حكينا كتير وقالتلي كان الحكيم أول يومين عم يطلب منها تجرب تطلعني من الحبس. يمكن لأنو كان عم يسمع صوتي أكتر شي. هيدي أخت الرجال، تحية للمقاومة والبطلة ستريدا”.

غصّ صوت رفيق وهو يكمل الرواية “للتاريخ لو ما كان في ستريدا ما كان بقي شي إسمو “قوات لبنانية” بقولها ع راس السطح لأن بعض إذا مش كل المسؤولين بـ”القوات” كانوا عم يتناتشوها. والدليل إنو عام 1997 كان رفيقي زوزو عريضة عم يتجوز بأنطش جبيل، نزلت من بشري وقلت بدي إحضر العرس، التقيت هونيك بـ إميل رحمة وكان بعدو محامي الحكيم سألتو “دخلك يا استاذ وين رايحين حاسين كأنو بناية واقعة علينا! دخلك الحكيم؟” رد عليي “رفيق إذا فيك إنت ورفاقك تدبروا راسكن لأنو الحكيم و”القوات” خلص انتهوا” كأن زيت سخن وقع عليي “بس أنا كان عندي إيمان إنو سمير جعجع هو القائد ولا قوة رح تغيّر هالشي. ولولا وقفة ستريدا البطولية كان تحقق اللي حكيه إميل رحمة وغيرو من المسؤولين اللي كانوا قواتيين”.

حتى ببشري كانت الحرب عليها مفتوحة إذا ما وصلوا كل البشرانية على البلدية مثلاً تقوم القيامة، يا عمي ما في غير 18 عضو بالبلدية كيف بدا ترضي الكل؟ ومع هيك خلصت الديب من الغنم. حتى اللي وصلتن في منهم بعد شهرين جربوا ينقلبوا على المبادئ والقضية اللي وصلوا كرمالها. بشرفي لو ما هي صبر أيوب ما وقفت على إجريها”.

في بشري لعب رفيق دور الجندي المجهول وكل همّه هو ورفاق له أن ينفذّوا أي مهمة تصبّ في مصلحة الحكيم. يتابع من فصول تلك الأيام “كانت زيارات المخابرات ع بيتنا أسبوعية بس تيقولولنا إنو هني موجودين. كنت مرة بالجرد بالأرز والتقيت بشب من بشري بيشتغل مع المخابرات قلي “يا رفيق عم يجوا الشباب لعندك عالبيت وما عم يلاقوك بدنا نحلها وتنزل تشرب فنجان قهوة وتحكي معن تنظبط الوضع” قلتلو حبيبي بيتي مفتوح للكل اللي بيحب يشرفني ويشرب فنجان قهوة أهلا وسهلا فيه، أنا ما بروح عند حدا. وحياة الله معي سلاح بقوة الجيش اللبناني إذا بتقربوا عالبيت بخلي ضرب واحد يخلص عليكن وبرجع بقتل حالي وما بخليكن توصلولي. تاني يوم سافرت ع أوستراليا. أنا والله ما بكره حدا وإذا هلأ بيطلبنا الجيش لنقاتل معو وحياة القديس شربل بنزل بأول طيارة، بس كان صعب علينا نتقبل هالمعاملة من أهلنا اللي ما قدّروا إنو ممكن الأيام تتغيّر. مش العتب عالسوري… بعد ما طلعت من الحبس كنت رايح عالأشرفية التقيت بعسكري كان معنا بالحبس وكان أكتر واحد يضربنا، عيطلو “عطية” إيمانا بالله اتطلّع فيي وهرب، اختفى بلحظة. وحق يسوع كنت بدي سلّم عليه لأني بعرف إنو كان عسكري مأمور”.

 

يوم صدر حكم البراءة بقضية كنيسة سيدة النجاة كانت كل بشري تحتفل ببراءة إبنها، وبكل أنواع المفرقعات وبعض الرشقات النارية، ما أزعج القوى الأمنية فوق فكانت حملة اعتقالات عشوائية شملت الصغار والكبار والنساء والكهنة، رفيق استدرك فورًا وفرّ الى الجرد مع بعض الرفاق، يومها كان مطلب المخابرات واحد: يسلّم رفيق طوق والشباب معه أنفسهم يطلق سراح الجميع. إلا أن رفيق رفض وأبلغ الجميع “لو بتنزل السما عالأرض ما بسلّم حالي”. فكانت تسويات أخرى للفلفلة المسألة. يردّد رفيق أكثر من مرّة، “الله يسامحهن… بس راجع على لبنان ما تفكري إني باقي بـ أوستراليا، ومنشان هيك ما تجوزت هون. رح روح اتجوز ويكون الحكيم إشبيني حبيب قلبي، وإذا ما بيقدر يطلع من معراب بتجوز عندو بكنيسة معراب”!

(إنتهى)

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

سجون وساحات ــ رفيق الزين طوق: “يا عدرا شو حلو الموت”!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل