#adsense

الجهاد في لبنان بعد الانتفاضة السورية ودور وسائل التواصل الإجتماعي

حجم الخط

لبنان والانتفاضات العربية في عين العاصفة – تعريب صوفي شماس – الجزء الثاني والأخير:

تضمن الجزء الأول من هذا الدراسة ظروف صعود الجهاد في لبنان بعد الانتفاضة السورية، وبروز المجموعات الجهادية في لبنان، وإلقاء الضوء على تنظيمات “عصبة الأنصار” و”جند الشام” والشيخ أحمد الأسير، يلقي الجزء الثاني الضوء على المجموعة الثانية من التنظيمات الجهادية التي تلعب دوراً محورياً في لبنان.

كتائب عبد الله عزام

تمثل كتائب عبد الله عزام فرع تنظيم “القاعدة” الرسمي اللبناني إلى جانب جبهة النصرة. يهدف تنظيم كتائب عبدالله عزام إجبار “حزب الله” وإيران على الانسحاب من سوريا، ويمتلك المكونات السياسية والتنفيذية لهذه الاستراتيجية التي تقوم على كبح صعود “حزب الله” في الحياة السياسية اللبنانية، كوكيل إيراني وامتداد للهيمنة الشيعة على المنطقة العربية. ويركز لتنفيذ هذه الاستراتيجية على ضرب “حزب الله” والأهداف الإيرانية في لبنان والجولان.

ينقسم تنظيم كتائب “عبدالله عزام” إلى ثلاث كتائب، كتيبة في كل من غزة والخليج، ولبنان حيث تنشط كتيبة زياد الجراح. ويُعتبر تنظيم كتائب “عبدالله عزام” منظمة عالمية لديها إمكانيات شن هجمات واسعة النطاق وأُدرجت على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية من قبل وزارة الخارجية الأميركية في أيار 2012، كما صنفتها الأمم المتحدة كمنظمة إرهابية.

نظراً لهيكليته العالمية، أهداف تنظيم كتائب “عبدالله عزام” إقليمية وطائفية. فأحد عناصر برنامجه السياسي الرئيسي هو إبراز التمييز بين الأهداف الجيوسياسية الإيرانية و”حزب الله” ومصالح الشيعة المشتركة. على سبيل المثال، أطلق ماجد بن محمد الماجد، الأمير السابق للجماعة، إلى الشيعة اللبنانيين النداء التالي: “يرتكز اهتمام قادتكم على الحكم والهيمنة، بينما نعرف أن اهتمامكم الرئيسي يرتكز على الأمن، والكفاف والكرامة والعدالة. يجر “حزب الله” الشيعة وبقية لبنان إلى حرب مع السّنة، وهذا سيعرض الجميع للخطر في النهاية”. تكمن الاستراتيجية الأوسع نطاقاً وراء هذا النداء في تقويض قاعدة “حزب الله” التقليدية الشرعية كحركة مقاومة وطنية، إذ يتبنى النداء منطق أن حزب الله لم يعد يخدم مصالح الشيعة بل يقتصر دوره على تأجيج التوترات الطائفية.

يعتبر تنظيم كتائب “عبدالله عزام” أن هناك طرق عديدة يعتمدها حزب الله لزيادة التوترات الطائفية:

أولاً، يسود اعتقاد بأن “حزب الله”، بما أنه يُعتبر عميلا “خارجياً”، يحاول فرض نظام ولاية الفقيه الشيعية الإيرانية على لبنان بناء على فتوى من آية الله الخميني، وهو نظام يتناقض بشكل مباشر مع الخلافة السنية، ويخلق جوا من الصراع الوجودي بين السنة والشيعة. ويعزز تدخل “حزب الله” في سوريا لحماية النظام العلوي من الأغلبية السنية هذا الاعتقاد، الأمر الذي يزيد من تورط حزب الله في “المؤامرة” الشيعية.

ثانياً، يحاول تنظيم كتائب “عبدالله عزام” الربط بين فكرة التوسع الشيعي الإقليمي ومظالم السنة الفقراء، ومعظمهم من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات بالقرب من طرابلس وصيدا وكذلك اللاجئين السوريين في البقاع الشرقي. فقد حمّل الشيخ سراج الدين زريقات، الناطق الرسمي باسم كتائب “عبدالله عزام”، الحكومة اللبنانية مسؤولية تنامي نفوذ “حزب الله”، ووصفها بأنها “أداة” بيد “الحزب”، كما أشار إلى تسامح الدولة حيال اختطاف عائلة المقداد لشخصيات من الجيش السوري الحر في آب 2012، وقتل علماء سنّة مناهضين للأسد. كما يُعتبر سجن رومية، حيث يُسجن العديد من الإرهابيين الجهاديين المزعومين، رمزاً شعبياً لقمع السنة، ويوفر أعداداً كبيرة من المجندين للجماعات الجهادية اللبنانية. إضافة إلى ذلك، يعزز تعاون الجيش اللبناني مع “حزب الله” لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة “النصرة” في عرسال وسهول البقاع الاعتقاد لدى كتائب “عبدالله عزام” بأن الحكومة تخدم مصالح الشيعة.

ثالثاً، ادّعى زريقات أن الهجوم الواسع على المسلمين السنة يتوسع ليطال وسائل الإعلام، حيث يصف “حزب الله” السّنة بالتكفيريين والمتطرفين الذين يقتلون إخوانهم المسلمين. كما أن “حزب الله” والأسد وإيران يقودون حملة في وسائل الإعلام يحاولون فيها إثارة الرأي العام عبر الادّعاء بأن المجاهدين يستعدون لضرب أهداف في لبنان، وينظمون محاولات اغتيال لإلقاء اللوم على أهل السّنة وإثارة التوترات الطائفية، وليست قضية ميشال سماحة سوى خير دليل على ذلك.

في الأساس، يتهم تنظيم كتائب “عبدالله عزام”، “حزب الله” بالتحريض على ثقافة الاستقطاب وعدم الثقة من أجل ممارسة هيمنته على المجال السياسي. وتؤكد بأن لدى السنة والشيعة نفس المصالح في الأمن والكفاف. لكن تضع أفعال “حزب الله” هذه المصالح في خطر ولن تؤدي إلا إلى مزيد من ردة فعل السنة ضد الشيعة. فكرة التخاطب مع الشيعة هي استراتيجية يتبعها قادة كتائب “عبدالله عزام” لإقناعهم بالضغط على “حزب الله” وحركة “أمل”، والجماعات السياسية الأخرى، لوقف تفاقم التوترات الطائفية.

من جهة أخرى ينتقد تنظيم كتائب “عبدالله عزام” قاعدة “حزب الله” الأساسية الشرعية:  مقاومته ضد إسرائيل في الدفاع عن لبنان. فهو يعتبرها “كذبة مكشوفة” إذ ليس من مصلحة “حزب الله” ولا إيران فتح جبهة إضافية في جنوب لبنان في الوقت الحالي، وإلا لماذا لم يهاجم “حزب الله” إسرائيل بقوة أكبر منذ العام 2006، وخاصة بعد حرب غزة. كما أن إسرائيل تنتهك المجال الجوي اللبناني بانتظام من دون أن تلقى أية مقاومة تُذكر.

يشير زريقات إلى أن المعارك التي وقعت في أيار 2008 بين “حزب الله” والمؤيدين للحكومة شكلت نقطة تحول في نهج “حزب الله”. فبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، أصبح “حزب الله” القوة العسكرية المهيمنة في البلاد، الأمر الذي أتاح له ممارسة القوة على منافسيه السياسيين الداخليين، خصوصا تيار “المستقبل” السني، فتشكلت حكومة وحدة وطنية شارك فيها “حزب الله” محتفظاً بسلاحه تحت ستار الدفاع عن لبنان من إسرائيل، مما سمح له أن يبقى مستقلا عن الجيش اللبناني وأن يستخدم سلاحه وفقا للزمان والمكان اللذين يرتئيهما مثل التدخل في سوريا.

صور تنظيم كتائب “عبدالله عزام” نفسه على أنه حصن ضد “حزب الله” وهو تطبق ذلك من خلال عقيدة عسكرية محددة مع العديد من المكونات التشغيلية.

أولاً، يحاول تنظيم كتائب “عبدالله عزام” الحلول مكان “حزب الله” في المقاومة ضد إسرائيل من خلال إطلاق صواريخ من جنوب لبنان على شمال إسرائيل. كان الهدف من هذه الهجمات أمورا ثلاث: تحريض إسرائيل لغزو جنوب لبنان، وبالتالي إضعاف “حزب الله”، وتصوير تنظيم كتائب “عبدالله عزام” على أنه المقاومة الحقيقية من أجل تجنيد المزيد من العناصر وتلميع صورته.

ثانياً، حاول قادة تنظيم كتائب “عبدالله عزام” دحض الاعتقاد بأن تنظيمهم هو تنظيم تكفيري ولا يحركه سوى الدين. وفي هذا الإطار، أصدر “البيان رقم 7” ضمن سلسلة “تحديد طرق المجرمين: طلائع المعارك الملحمية” قدم فيه المشورة لجماعات المعارضة في سوريا وحذرهم من المساس بالسكان المدنيين. حتى في حالات التفجيرات الانتحارية، ينصح تنظيم كتائب “عبدالله عزام” بعدم استهداف المدنيين عمداً. ففي أعقاب تفجير المركز الثقافي الإيراني في بيروت في 19 شباط 2014 الذي أسفر عن 11 قتيلاً و 128 جريحاً، أصدر التنظيم بياناً عزا فيه مقتل مدنيين إلى “خلل فني”: “نحن لا نقتل المسلمين الأبرياء عمدا… لا تستهدفوا أي مدني (بما في ذلك الشيعة) لأننا نقول للمجاهدين لدينا أن يحجموا عن تنفيذ مهمتهم إن كانوا يعتقدون أنها ستؤدي إلى مقتل مدنيين. هذا المبدأ هو درس تعلمه التنظيم من “الجماعة الإسلامية” المسلحة في الجزائر وجماعات إسلامية الأخرى. المؤيد الأبرز لوجهة النظر هذه هي جبهة النصرة، التي تتبع نهجا متدرجا في تطبيق الشريعة الإسلامية في الأراضي التي تحكمها. يعارض تنظيم الدولة الإسلامية نهج جبهة النصرة، إذ أنه يعتقد أنه بمجرد أن يسيطر على الأرض يجب تطبيق كل أشكال الشريعة، وهذا ما يفسر جزئيا الانقسام بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

ثالثاً، بدلاً من تقديم حجة فكرية مغلفة بمراجع دينية، يقدم قادة تنظيم كتائب “عبدالله عزام” لأتباعهم معرفة عملية وتكتيكية. في البيان رقم 7، دعا التنظيم المتمردين لاستهداف “الشبيحة” (ميليشيا مسلحة تدعم حزب البعث السوري)، وشجع السّنة على الانشقاق عن الجيش السوري، كما نصح باستخدام العبوات الناسفة في المناطق التي لا تعج بالسكان لتجنب قتل المدنيين. اقترح تنظيم كتائب “عبدالله عزام” أيضاً إنشاء ما يسمى بـ”شبكات العمل القضائي” لغرس الانضباط في صفوف العناصر. كما أبرز قيمة المعرفة الجغرافية الاستراتيجية بما في ذلك الأهداف ذات القيمة العالية، كالطريق الرئيسي في شمال الأردن عبر محافظة درعا السورية أو القصير، وهو خط الإمداد الرئيسي لقوات حزب الله من لبنان.

جبهة النصرة

هدف تنظيم جبهة “النصرة” الأساسي هو إسقاط نظام الأسد وإقامة دولة إسلامية. بعد انتصار الجيش السوري وحزب الله عليه في منطقة القلمون في أواخر العام 2013، تراجعت قوات التنظيم استُنزفت بشدة نتيجة المعركة، غرباً إلى المنطقة الجبلية بالقرب من شمال وادي البقاع. على الرغم من أمير جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، أعلن أن القصد من هذه الخطوة كانت “حماية أهل السنة في لبنان، كانت هزيمته في القلمون دافعا له للتوجه نحو لبنان.

منذ ذلك الحين، تعاونت عناصر جبهة “النصرة” مع تنظيمي “الدولة الإسلامية” وكتائب “عبدالله عزام” ومع فصيل أصغر يدعى كتائب مروان الحديدي. كان هدف جبهة “النصرة” ممارسة الضغط على “حزب الله” لوقف تدخله في سوريا وتجنيد أتباع سنّة جدد، خاصة اللاجئين السوريين الذين يتمركزون في سهل البقاع.

كان تركيز جبهة النصرة على مهاجمة مواقع “حزب الله” جزءًا من استراتيجية أكبر لاستعادة السيطرة على القلمون في شرق سوريا، وليس لإقامة دولة إسلامية في لبنان. نظراً لتركيز جبهة “النصرة” وخبرتها في تحرير وحكم مناطق تحت سيطرة النظام في سوريا، يمكن الاستنتاج أن جبهة “النصرة” تستخدم لبنان كملاذ آمن مؤقت ونقطة انطلاق لتحقيق أهدافها في سوريا. لكن مع زيادة تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان، وارتفاع وتيرة هجمات النظام في جهود القلمون وتدخل الجيش اللبناني الفعال لمكافحة الإرهاب، دفع جبهة “النصرة” إلى توسيع قاعدتها من الدعم والعمليات داخل لبنان، الأمر الذي أدى إلى توسع كبير لنطاق الحرب السورية.

حتى صيف عام 2014، بدأ تنظيم جبهة “النصرة” استهداف الجيش اللبناني، بعد أن كان هدفه الأول توجيه عملياته العسكرية ضد “حزب الله”.

لم يكن تغيير الاستراتيجية مستغرباً نظراً للانتقادات الخطابية القاسية التي وجهها التنظيم إلى الجيش اللبناني. ففي بيان أصدره في العام 2014، وصف التنظيم الجيش بأنه “أداة للمشروع الشيعي” الذي يسعى لـ”اضطهاد السّنة بحجة حمايتهم”.

على غرار تنظيم كتائب “عبدالله عزام”، استند اتهام تنظيم جبهة “النصرة” على سجن السّنة في رومية، وغارات الجيش اللبناني على البلدة السنّية اللبنانية الحدودية عرسال في شباط 2013، وتدخل الجيش في اشتباكات طرابلس بين عامي 2011 و2012. كغيره من التنظيمات الجهادية اللبنانية، يحاول تنظيم جبهة “النصرة” طمس الخط الفاصل بين الجيش اللبناني و”حزب الله” في حين يغذي الشعور الطائفي في محاولة لحشد تأييد أهل السنة في لبنان. كما أن هدفه من استهداف الجيش هو في المقام الأول تشجيع عمليات الانشقاق، كما حدث في المراحل الأولى من الصراع السوري.

استهدفت معظم هجمات تنظيم جبهة “النصرة” “حزب الله” في منطقة البقاع الشمالي: الهرمل، وعرسال، وبريتال، والنبي شيت، والنبي عثمان. وهذا يدل على القدرة التشغيلية المحدودة جغرافياً للمجموعة وعدم تمتعها بتأييد واسع في أجزاء أخرى من البلاد، الأمر الذي من شأنه أن يسمح لهم بشن هجمات منسقة في وقت واحد في جميع أنحاء لبنان. إضافة إلى ذلك، كان من الممكن أن تتحول منطقة العرقوب على الحدود اللبنانية-السورية التي تقع على تخوم مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل إلى منطقة عمليات لتنظيم جبهة “النصرة” والجماعات المتمردة السورية الأخرى. بدأت تلك المنطقة المتنوعة التي تضم المجتمعات المسيحية، والشيعية، والدرزية تشعر بالقلق مع تدفق اللاجئين السوريين، إذ أن شبعا وحدها استوعبت أكثر من 7000 لاجئ سوري. فاقم تدفق اللاجئين مخاوف من أن يقوم تنظيم جبهة النصرة والجماعات الحليفة لها بزعزعة استقرار شبعا كما فعلوا في عرسال، خصوصا في أعقاب تقارير إعلامية عن انتقال متمردين سوريين جرحى إلى شبعا بعد معالجتهم في مستشفيات إسرائيلية في مرتفعات الجولان.

في تشرين الأول 2014، أطلق مواطن درزي لبناني النار على سيارة تقل نشطاء من تنظيم جبهة “النصرة” في قرية عين عطا خارج بلدة راشيا كانت في طريقها من شبعا إلى عرسال، وأتى هذا الحادث بعد الهواجس التي اعترت السكان الدروز إثر استهداف جهاديين سنّة لأبناء طائفتهم السوريين. وبما أن المتمردين السوريين بدأوا بترسيخ وجودهم في الجنوب، يمكن أن يتفاقم هذا التوتر الطائفي وقد يصبح وقودا لمواجهة أخرى مع الجيش اللبناني كما الحال في عرسال.

دليل آخر على استراتيجية التحول لدى تنظيم جبهة “النصرة” في لبنان هو في كيفية تصويره لأحداث عرسال في آب 2014. يومها قدم التنظيم نفسه على أنه “حامي” المدنيين السّنة الأبرياء في عرسال، كما هو الحال في سوريا. من جهة أخرى، وصف الجيش اللبناني بالمعتدي. ادّعى تنظيم جبهة النصرة أنه مقتنع باستحالة الحل العسكري، وبالتالي، أجرى اتصالات من أجل “حماية المدنيين”.

تنظيم الدولة الإسلامية

هناك مكونان لعمليات تنظيم “الدولة الإسلامية” في لبنان. يتضمن المكون الأول وحدات تقليدية مسلحة بحجم لواء تقاتل على “جبهة مفتوحة” ولا سيما في سلسلة جبال البقاع الشرقي على الحدود اللبنانية السورية. تُستخدم هذه المنطقة من قبل المتمردين لشن هجمات انتقامية ضد “حزب الله” والجيش اللبناني، وأيضا كبوابة لوجستية للمتمردين في القلمون في الجانب السوري. إضافة إلى ذلك، قامت خلايا تابعة للدولة الإسلامية بعمليات استشهادية لنشر الخوف والتوتر الطائفي بين السكان.

على الجبهة المفتوحة في البقاع، تعاونت عناصر الدولة الإسلامية مع تنظيم جبهة “النصرة” وجماعات متمردة أخرى لمهاجمة والسيطرة على البلدة الحدودية السنية عرسال والمناطق المحيطة بها في آب 2014. تذكرنا هذه العملية باستراتيجية الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والتي تركز على كسب الأراضي. مع ذلك، كان الهدف المباشر تعزيز منطقة شرق البقاع لدعم العمليات في سوريا، أكثر منه دمج لبنان في “الخلافة” – حتى وإن كان هذا قد يكون طموح التنظيم على المدى الطويل. من جهة أخرى، لم يكن تنظيم “الدولة الإسلامية” هو القوة المهيمنة في شرقي البقاع. كان عليه الاعتماد على البراغماتية في تشكيل تحالفات تكتيكية مع الألوية التابعة لجبهة النصرة والألوية التابعة للجيش السوري الحر، كما فعلت في العراق مع البعثيين وغير الجهاديين. كما أنه من غير الواضح أيضا مدى سيطرة ونفوذ القيادة المركزية في تنظيم الدولة الإسلامية على مجموعاتها في لبنان التي قد تكون تقاتل تحت راية التنظيم فقط لجذب المزيد من المجندين والممولين. فالنجاح في هذا المجال يمكن أيضا أن يحفز الشباب السنة المحبطين، ولا سيما في طرابلس وصيدا، للانضمام إلى القتال في البقاع.

من الصعب تقدير مدى تعاون تنظيم “الدولة الإسلامية” مع كتائب “عبدالله عزام” فيما يتعلق بعمليات الخلايا الإرهابية في لبنان. فعلى سبيل المثال، أعلنت جماعة تابعة للدولة الإسلامية “ولاية دمشق – القلمون” مسؤوليتها عن الانفجار الذي وقع في فندق “دوروي” في حزيران 2014، والذي نفذه سعوديان سافرا من تركيا إلى لبنان. وذكرت المجموعة أن هذه العملية كانت “أول من مئات الهجمات الاستشهادية التي ستحدث على الأراضي اللبنانية”. بعد عملية فندق “دوروي”، أفادت معلومات بأن مجموعة تنظيم “الدولة الإسلامية” اللبنانية كانت على تواصل مع جند الشام وفتح الإسلام. أما الرجل، الذي يُعتقد أنه أمّن المواد المتفجرة إلى مفجري “دوروي” فيُقال أن عبد العزيز محمد عبدالله السلام الأردني، الذي يزعم أنه أمير “الدولة الإسلامية” في لبنان، هو من كلفه بالمهمة، وقيل إن شقيقه كان أول جهادي لبناني نفذ عملية انتحارية في سوريا، وعمه عضو في جماعة فتح الإسلام، المنظمة التي تتشارك جذور تنظيم القاعدة الأيديولوجية مع الدولة الإسلامية.

قد تكون للقيادة المركزية للتنظيم ربما سيطرة أكبر على العمليات السرية المخطط لها  بدلا من الحرب البرية الحالية في عرسال ومحيطها. فواقع أن العديد من الجماعات الجهادية تربط نفسها بشعار “الدولة الإسلامية” هو بالأحرى مؤشر على الشعبية العالمية المتنامية للتنظيم نظرا لنجاحه في العراق وسوريا، أكثر مما هو نتيجة لجهد حقيقي ومتضافر قام به قادة التنظيم لدمج لبنان في “خلافته الإسلامية”.

هناك أدلة تكشف عن هذا التباين بين تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التي تدّعي الانتماء إلى التنظيم، وظهر هذا التباين في العمليات الإرهابية الماضية. ففي تفجير حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت في كانون الثاني 2014، تبنته مجموعة تابعة للدولة الإسلامية بعد وقت قصير. في حين أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن التفجير الذي وقع في فندق “دوروي” في العام نفسه، بعد حوالي خمسة أشهر على تفجير حارة حريك في بيان رسمي حيث اعتبر أنه أول هجوم لتنظيم “الدولة الإسلامية” في لبنان. ويمكن ملاحظة التباين الثاني في غموض سلطة تنظيم الدولة الإسلامية في لبنان. ففي 3 تموز 2014 ، زُعم أن “الدولة الإسلامة” عينت عبد العزيز محمد عبدالله عبد السلام الأردني أميراً لها في لبنان، كما عينت أمراء آخرين في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، لكن لم يصدر أي بيان رسمي عن الدولة الإسلامية يؤكد ذلك، باستثناء التقارير الإعلامية. وفي 25 كانون الثاني 2014، أي قبل حوالي أربعة أشهر من تعيين أمير “الدولة الإسلامية”، أطلق ناشط في طرابلس يُدعى أبو سياف الأنباري شريط فيديو يعلن فيه إنشاء فرع لتنظيم “الدولة الإسلامية” في لبنان. الأنباري هو أيضا قائد سابق في “فتح الإسلام”، الأمر الذي يثبت أن عناصر “فتح الإسلام” ينضمون إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

تجنيد الشباب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي

يتم جذب الشباب اللبناني إلى الجماعات السنية المتطرفة عبر مجموعة متنوعة من وسائل التواصل الاجتماعي. ففي شمال لبنان، تم تجنيد طلاب من الجامعة اللبنانية تتراوح أعمارهم بين 19 و 22 من قبل مساعد قاضي تنظيم “الدولة الإسلامية” في الرقة. يقال أن “مبعوث” تنظيم “الدولة الإسلامية” هذا اتصل بالشباب من خلال شبكة الإنترنت وسهّل سفرهم إلى تركيا ثم إلى سوريا. كما تشير تقارير أخرى إنه قد تم تحوليهم إلى متطرفين وتلقوا تدريباً جيداً قبل وصولهم إلى سوريا، مما يدل على وجود شبكة تجنيد محلية في لبنان.

عادة ما يكون المدبر الرئيسي لجميع عمليات التجنيد مجَنِّد محلي، زعيم عصابة، أو عائد من سوريا يربط شباب فقراء من شمال لبنان بجهاديين في سوريا. هذه الشخصيات الموثوقة، التي غالباً ما تكون مندمجة في المنظمات المجتمعية المحلية، تستخدم أشرطة فيديو للمعارك في سوريا، أو رسائل نصية بسيطة لتدفع بمناصرين جهاديين محتملين إلى التطرف.

إضافة إلى ذلك، تستخدم المجموعات الجهادية منصات وسائل التواصل الاجتماعية الشعبية مثل تويتر، وفيسبوك، وكيك لنشر الدعاية والتواصل مع الشباب السّنة اللبنانيين. كما وتوفر بعض مواقع التواصل أشرطة الفيديو، والصور، والبيانات المتعلقة بأنشطة الجماعات الجهادية في جميع أنحاء سوريا بما في ذلك القلمون، ومعلومات محدثة عن عمليات الجهاديين في لبنان.

(إنتهى)

written by Maximilian Felsch and Martin Wählisch

لقراءة الجزء الأول إضغط هنا 

 

المصدر:
jihadology.net, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل