السلطة تتهاوى من يد الأسد في سوريا… ترهيب وتشبيح وأمراء الحرب يحكمون (2)

الفشل الذريع

في بعض الأحيان، كان يحاول الجيش أو الاستخبارات العسكرية تهدئة أمراء الحرب. لكن مصير هذه المحاولات كان دائماً الفشل الذريع. في آذار 2016، اعتقلت وحدات الأسد زعيم إحدى الميليشيات القوية من شمال المقاطعة في أعقاب تبادل لإطلاق النار. لكن بعد احتجاجات عنيفة قام بها أتباعه احتجاجاً، أُطلق سراح الرجل بعد فترة قصيرة.

“نعم، لدينا مشاكل”، يقول حسين ديوب، رئيس حزب “البعث” في حماة. يعترف ديوب، وهو جالس في مكتبه المكسو بالخشب تحت صورة لرئيس النظام، ويقرّ بأن عناصر الميليشيات أقامت نقاط تفتيش وفرضت ضرائب، كما أن التهريب والخطف يشكلان مشكلة، إنما لا يعرف من يقف وراء ذلك.

من الناحية النظرية، ديوب رجل قوي، فهو رئيس الفرع المحلي للحزب الحاكم، لكنه مع ذلك يخاف على ما يبدو أن يثير استياء وغضب الميليشيات، الحكام الحقيقيين في حماة. في دمشق البعيدة، يقول وزير المصالحة إن النظام يعي المشكلة لكنه لا يملك السلطة لوضع حد لها.

أكبر منافس لـ”قوات النمور” في معركة أرباح التهريب والسلطة موجود في اللاذقية، المدينة الساحلية في المنطقة الحيوية العلوية. يقع مصنع الفولاذ التابع لمحمد جابر بين الحقول في جنوب المدينة. المصنع الذي كان في ما مضى يصنّع العوارض الفولاذية لتشييد المباني، ويقوم الآن بجمع الصواريخ وتركيب المدرعات على شاحنات صغيرة. إنه المكان الذي تستخدمه “صقور الصحراء” كإحدى قواعدها ومصانع أسلحتها.

العنبر الرمادي في الموقع، والمصنوع من الإسمنت والمموج بصفائح معدنية، يبلغ طوله 200 متراً تقريباً. تقبع ثماني دبابات تي 72 سوفييتية الصنع في الوحل بينما تحيط الشاحنات العسكرية وحاملات الجنود المدرعة والمدفعية الثقيلة بالمبنى.

شهادات امتنان

يتدافع الشبان أمام مبنى شركة سابقة، بعضهم لم يتجاوز الخمسة عشرة عاماً. يرتدون ملابس مموهة وعيونهم متعبة: لقد عادوا  للتو من معارك حلب. يتجمعون تحت المطر، ويدخنون السجائر بين قطع الشاحنات والمدافع المضادة للطائرات. في الداخل، حيث الخزانات الخشبية التي كانت فيما مضى ممتلئة بالفواتير وأوراق الكشوفات، يتم الآن تكديس الذخائر فيها.

في أعقاب الجولة المفاجئة التي قام بها زعيم “صقور الصحراء” محمد جابر إلى مصنع أسلحته،  يتابع طريقه نحو شقته. إنه يعيش في الطابق الرابع من مبنى سكني فخم يطل على مرفأ اللاذقية: الجدران مكسوة بخشب البلوط، والأرض بالرخام وفي الخلف شاشة تلفزيون مسطحة عملاقة تبث أشرطة فيديو دعائية للعناصر التابعة له. على منضدة جانبية، شهادات امتنان من روسيا مؤطرة ومعروضة بطريقة بارزة.

محمد جابر هو رجل سمين ومغرور. يقضي وقته في التحدث عن النجاحات العسكرية التي تحققها الميليشيا التابعة له، موثقاً حديثه بالخرائط التي يطلبها تباعاً من مرافقيه.

“نعم”، يعترف أخيراً، “شارك رجالي في نهب المناطق، لكن في حالات نادرة وحسب. في النهاية، هناك خراف سوداء في كل مكان. إننا مجموعة كبيرة. بعض الرجال صالحون، وبعضهم سيئون، لكنهم يقاتلون من أجل بلدنا، وهذا الأهم “.

يضيف قائلا: “هناك ميليشيات في حماة. إنهم خاطفون ولصوص وقتلة”. إنه بطبيعة الحال، يشير إلى “قوات النمور”، منافسيه.

خلال معركة تدمر في آذار 2016، تبادل عناصر الميليشيتين إطلاق النار. على وجه السرعة، تم إرسال وفد عسكري رفيع المستوى من دمشق للتوسط بينهما. منذ ذلك الحين، حاول نظام الأسد إرسال عناصر “النمور” و”الصقور” إلى جبهات قتال مختلفة.

من كليبتوقراطي إلى أمير حرب

أصبح محمد جابر وشقيقه ثريين من عمليات التهريب. في التسعينات، بدآ بسرقة النفط إلى البلاد من العراق قبل استثمار الملايين في صناعة الفولاذ. عندما بدأت الحرب الأهلية السورية في العام 2011، وعزلت العقوبات الدولية نظام الأسد، طُلب منهما استخدام علاقاتهما لتهريب البنزين والنفط إلى سوريا حيث الحاجة إليهما ملحة.

لحماية قوافلهما في الصحراء، استخدم الأخوان جابر مئات الجنود السابقين والمجرمين. في آب 2013، وقع الرئيس الأسد مرسوماً يسمح لرجال الأعمال إنشاء قوات أمنهم الخاصة، الأمر الذي مهد الطريق لأفراد الطبقات الحاكمة السارقين من جماعته إلى أن يصبحوا أمراء حرب.

مع ذلك، يقول محمد جابر إنه لا يهتم بالسلطة ولا بالمال، مدعياً أنه يمتلك ما يكفي من الأمرين. إنما يريد فقط مساعدة الرئيس بشار الأسد العظيم. عندما تنتهي الحرب سيلقي بسلاحه، لكنه أضاف: “كان بإمكاننا السيطرة على 60 بالمئة من البلاد، لو سُمح لنا بذلك”.

لدى الروس مقاربة عملية للميليشيات: تبعاً للحالة، يُمنح أمراء الحرب المحليين أسلحة وميداليات وصور مع الضباط الروس. لكن في المجالس الخاصة، يشكو الجنرالات الروس من الحالة المروعة للجيش ومن الميليشيات.

في حال تعاظم نفوذ الميليشيات لن يكون الأسد قريباً إلا رئيساً صورياً، محاطاً بزمرة من اللصوص والمهربين. إذ أن الميليشيات تكتسب أيضاً سطوة سياسية: في الانتخابات البرلمانية في الربيع الفائت، لم يبرز مرشحون من الطبقة الحاكمة القديمة كما كانوا يبرزون في الماضي. من جهة أخرى، أحرز مرشحون مقربون من أمراء الحرب انتصاراً لافتاً.

لا تعبر الانتخابات في سوريا، بطبيعة الحال، عن إرادة الناخبين. إنها تظهر وحسب من لديه القدرة على إيصال مرشحيه.  غالباً ما يقال، ربما قد يكون الأسد بغيضاً، لكنه سلطة الدولة الأخيرة المتبقية في البلاد. لكن قوة الميليشيات تظهر أنه فقد تلك السلطة منذ فترة طويلة.

(إنتهى)

إسم الكاتب: Fritz Schaap

السلطة تتهاوى من يد الأسد في سوريا… ترهيب وتشبيح وأمراء الحرب يحكمون (1)

المصدر:
Der Spiegel

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل