الدور المخرب للحرس الثوري الإيراني… إثارة الحروب في العراق (3)

الجزء الثالث

إن معرفة تدخل الحرس الثوري في العراق باعتباره نقطة انطلاق للنظام لتدخلاته في منطقة الشرق الأوسط أمر ضروري ومهم للغاية. ففي أعقاب الحرب بين إيران والعراق، خصصت قوة القدس، فيلقها الأول للعراق، باعتباره أهم هدف لها للتدخل، وعيّنت عميد الحرس ايرج مسجدي مسؤولاً عن هذه الجهود. بدأ هذا الفيلق من قوة القدس، تنظيم المرتزقة العراقيين في ما يسمى فيلق بدر، الذي كان يعتبر سابقاً فرعاً من الحرس الثوري. واصل الفيلق الأول لقوات القدس عمليات الاختراق والأعمال الإرهابية في العراق حتى عام 2003.

احتلال هذا البلد من قبل التحالف الدولي قدم أفضل فرصة للنظام الإيراني لتوسيع التدخل العسكري في العراق. مع سقوط النظام العراقي السابق، ومع تحول ميزان القوى بدرجة كبيرة لصالح نظام الملالي في المنطقة.

احتلال الحرس الثوري المبطن للعراق عام 2003

بدأت الحرب على العراق في 19 آذار 2003 ووصلت الى نهايتها في 9 نيسان مع سقوط الحكومة السابقة. وكان النظام الايراني قد توقع مثل هذه النتيجة قبل ستة أشهر من التطورات، واستعد وأدخل قوات بدر إلى  “الاحتلال السري مع المعارضين” للاستفادة من هذا الوضع من خلال استراتيجية العراق من خلال 5 محاور مختلفة من الحدود مع البصرة وميسان وواسط وديالى. جاء ذلك بعد أن نظم النظام هذه القوة في أربعة فرق ولواءين لعقدين من الزمن تحت قيادة فيلق القدس.

بدأت قوات بدر حسب المهمة المكلفة بها بالسيطرة على مختلف الأجهزة والمراكز الحكومية، ونقلت وثائق حكومية إلى إيران وفرضت سيطرة كاملة على المناطق الحدودية بين إيران والعراق. كما ان تشكيل مجلس الحكم المكون من 25 عضواً في العراق، ومعظمهم من عناصر مرتبطة بنظام الملالي في إيران، وفّر الفرصة اللازمة لهم للتوغل في المؤسسة السياسية العراقية.

من 2003 إلى 2009 لجأ النظام الإيراني إلى اتخاذ تدابير مختلفة بهدف توسيع نفوذه في العراق. وشمل ذلك زعزعة الاستقرار، وانتهاج سياسة تركز على الهجمات الإرهابية ضد قوات التحالف، واغتيال الشخصيات السياسية والخبراء من أهل السنّة، ومساعدة الجماعات الشيعية المرتبطة بإيران في التوسع محلياً وكسب النفوذ السياسي. وهناك معلومات موثقة تفيد بأن النظام الايراني لم يكتف بقوات بدر التي كانت تعمل تحت سيطرته من قبل، بل قام بإنشاء مجموعات شيعية أخرى رغم وجود بعض الاختلافات بينها أو فرض سيطرته على بعض المجموعات الموجودة بالفعل. بالإضافة إلى الجماعات الشيعية، قدم النظام الإيراني أيضاً الدعم المالي والسلاح والدعم اللوجيستي لبعض الجماعات السنية. كما أن بعض قادة تنظيم القاعدة من المتواجدين في ايران كانوا يعملون بالتعاون التام مع النظام الإيراني، وكان مسؤول تنظيم القاعدة في بلاد العراق أبو مصعب الزرقاوي قد أقام في إيران لفترة طويلة ثم انتقل بعدها إلى العراق في ظل التنسيق الكامل مع النظام الإيراني وأسس في وقت لاحق مجموعة من الخلايا، وكانت الخلية الأولى من هذه المجموعة هي التي جاءت فيما بعد لتتخذ اسم “داعش”. وخلال عمليات المجموعات الموالية للنظام الإيراني في العراق أو المجموعات التي كانت تتلقّى أسلحة من النظام الإيراني، قتل عشرات الآلاف من الناس، بما في ذلك عناصر من قوات التحالف.

وقدمت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قائمة لـ 32000 من وكلاء النظام الايراني في العراق ممن تلقوا رواتبهم من النظام الإيراني. وتضمنت القائمة مجموعة واسعة من المسؤولين الحكوميين والنواب والقادة العسكريين وعناصر أخرى. كما تضمنت القائمة أسماء هذه الشخصيات ورواتبهم الشهرية، والأساليب المستخدمة لتقديم رواتب، وحتى تفاصيل الحساب المصرفي، مما سلط الضوء على تدخلات النظام الإيراني على نطاق واسع في العراق.

كما أن هذه الشبكة العاملة بموازاة حضور نشط للحرس الثوري في العراق، كانت تتيح للملالي فرصة تنفيذ أجندتهم الى حد ما في تأليف العملية السياسية في العراق بدعم نشط للقوات التابعة لهم.

في خضم هذا الوضع، أصبح إبراهيم الجعفري من حزب الدعوة رئيساً للوزراء في البلاد في كانون الثاني 2005 ثم وبعد مقاطعة السنة في الانتخابات التي جرت عام 2006، جاء نوري المالكي ليعتلي هذا المنصب.

خلال فترة ولاية المالكي أصبحت الحكومة العراقية تابعة تماماً للنظام الإيراني. وكانت سياسة الملالي في تلك الفترة تتمثل في القضاء على جميع خصومه، سواء كانوا من السنة أوالشيعة أو الكرد، وذلك من خلال التحريض على الحروب الطائفية والقمع على يد قوات الشرطة والجيش تحت قيادة المالكي.

في تشرين الأول 2015 كتب عضو في فيلق بدر في العراق صادق الموسوي، مقالاً طويلاً على صفحته في الفيسبوك حول الأعمال الإرهابية للحرس الثوري ضد القوات الأميركية في العراق وتحدث عن عميد الحرس حميد تقوي – كنيته ابو مريم – من قادة قوة القدس الذي قتل في وقت لاحق بمنطقة سامراء.

ومما جاء في المقال:

“في السنوات التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق كل العبوات الناسفة الإيرانية التي كانت تستهدف الدبابات الأميركية والعربات المدرعة، كانت من فعل الحاج حميد. وكانت جميع الفئات العراقية تتلقى المشورة والمساعدة وأسلحة متطورة منه. وقال انه لم يغادر العراق خلال فترة الاحتلال، الا لبضعة أسابيع أو لتنفيذ عمليات أخرى كان يسعى للقيام بها في فلسطين أو لبنان أو اليمن”.

وأضاف: “لم يكن لدى الأميركيين سابقة عن وجهه وعندما ألقي القبض عليه مرة واحدة من قبل قواتهم ظنوا أنه مدني عراقي. أخذوا صورته وأطلق سراحه بعد بضعة أيام، وذلك بفضل تدخل أحد الأعيان العراقيين .بعد سنوات قليلة من الإفراج عنه أدرك الأميركيون الذين اعتقلوه انه في الحقيقة عضو في المقاومة العراقية النشطة ضد قواتهم. في الوقت الذي كان يشارك مختلف كبار المسؤولين الايرانيين في المفاوضات مع الأميركيين في العراق، كان الحرس الثوري يشن أقسى الهجمات ضد الأميركان. خلال فترة تقاعده القصيرة، واصل تعاونه مع الأجهزة الأمنية الخاصة في العراق”.

زيادة نفوذ الحرس الثوري الإيراني في العراق بعد رحيل القوات الاميركية في عام 2011

بعد خروج القوات الأميركية من العراق، باتت الساحة مفتوحة أمام الحرس الثوري لتوسيع تدخله في شؤون العراق، سياسياً وعسكرياً. وتمكّن نوري المالكي بدعم مقدم له من قبل نظام الملالي ومن خلال أعمال التزوير، أن يصبح رئيساً للوزراء في الانتخابات البرلمانية لعام 2010 لولاية ثانية. وبما أنه كان رئيساً للوزراء تابعاً للنظام الايراني، كان ينفذ أوامر قوات الحرس الثوري في العراق. منها مهد الطريق الى هجمات إرهابية ضد معقل قوى المعارضة الإيرانية في مدينة أشرف ومخيم ليبرتي، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى.

النهج السياسي للنظام الإيراني خلال ولاية العبادي بعد 2014

أصبح حيدر العبادي من حزب الدعوة  (تيار المقر العام) رئيس الوزراء العراقي عقب الانتخابات البرلمانية عام 2014 . ومع تنامي مشاعر السخط ضد نوري المالكي وباقصاء الأخير من رئاسة الوزراء واحتدام الاختلافات في التحالف الشيعي، تعرّضت سياسات النظام الايراني في العراق لضربتين خطيرتين وأساسيتين. حيث لم يعد يتمتع النظام الإيراني بالسيطرة الكاملة على العراق مثلما كان عليه خلال عهد المالكي. ولهذا السبب وبعد انتخاب العبادي سعى النظام الإيراني الذي كان قد فقد موقعه السابق إلى إضعاف العبادي سياسياً حتى تبقى حكومته واهنة أمام ضغوط النظام الايراني.

النفوذ العسكري للحرس الثوري في العراق في عهد العبادي

بعد هجوم تنظيم “داعش” في عام 2014 والاستيلاء على مدينة الموصل شمال العراق، أصدر آية الله العظمى علي السيستاني فتوى للجهاد تدعو العراقيين للمشاركة في الحرب ضد “داعش”، واستغلها النظام الإيراني والحرس الثوري من خلال مجموعة من وكلائهم، حيث قاموا بتنظيم جميع المتطوعين تحت وحدات الحشد الشعبي لحرب طائفية شاملة وأرسوا أسساً جديدة للنظام الإيراني لاستئناف وجوده العسكري في العراق واستخدام تنظيم الحشد الشعبي لقمع أهالي المحافظات السنية، تحت ذريعة محاربة “داعش”.

بعد استيلاء “داعش” على الموصل بأسبوع، بدأ قاسم سليماني وقادة فيلق القدس تشكيل وتنظيم الحشد الشعبي في العراق، على غرار الباسيج شبه العسكري في الحرس الثوري الإيراني.

ويتكون الهيكل الرئيسي للحشد الشعبي من ميليشيات عصائب أهل الحق، وميليشيات بدر، وكتائب حزب الله وغيرها من الجماعات التابعة لقوة القدس. بحيث لدى كل وحدة من هذه المجموعات الميليشياوية قسم من المتطوعين في الحشد الشعبي. في الوقت الحاضر، تعمل كل هذه الميلشيات مع حفظ هويتها في اطار الحشد الشعبي تحت قيادة موحدة مرتبطة مباشره بقيادة قوة القدس التي توفر أيضاً الأسلحة، المعدات، الاستخبارات، التخطيط، الاستطلاع ونار الإسناد اللازم. ولذلك، أكد كل من قاسم سليماني وعلي شمخاني، الامين العام للمجلس الاعلى للامن القومي في النظام الإيراني، بكل صراحة في اجتماعاتهم مع المسؤولين العراقيين، أن حل الحشد الشعبي هو خط أحمر للنظام الإيراني، وسيتخذون إجراءات جادة لمنع مثل هذه النتيجة. إذ لا يجوز دمج الحشد الشعبي في أيّ جهاز من أجهزة الحكومة ويجب أن يظل كياناً عسكرياً مستقلاً.

ثم ومن خلال الضغوط السياسية وفي غياب السنة والأكراد الذين كانوا قد قاطعوا جلسات البرلمان، استخدم النظام الإيراني النواب الشيعة في البرلمان العراقي للمصادقة على مشروع القانون في أواخر عام 2016 للاعتراف بالحشد الشعبي كقوة رسمية في الجيش العراقي.. ونتيجة لذلك، أخذت جميع المجموعات المرتبطة بالحرس الثوري في العراق صفة رسمية، وتنفذ حالياً عمليات عسكرية في مناطق مختلفة من هذا البلد.

على الرغم من أن وسائل الإعلام توحي كأن الحشد الشعبي له وجود عسكري منظم مع رئيس الوزراء، ورئيس الأركان، ونائبه، وما إلى ذلك، فإن الواقع هو أن جميع الشؤون المتعلقة بالحشد يتم التحكم فيها من قبل أبو مهدي المهندس (من العناصر المعروفة لقوة القدس).

ونشرت وكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري تقريراً في 26 تموز 2015 أكدت فيه دور الحرس الثوري في تشكيل الحشد الشعبي في العراق.

الهوية الحقيقية لـ”أبو مهدي المهندس” هو جمال جعفر محمد والذي يعتبر رسمياً نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، غير أنه فعلاً

رئيس هذه الهيئة. فهو أحد السبعة عشر الذين اتهموا بالتفجيرات التي حدثت في الكويت واستهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية عام 1983، وموكب الأمير الراحل، جابر الأحمد الصباح، عام 1985 . كما أنه متهم بمحاولة اختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية الكويتية عام .1984

وشارك المهندس أيضا في تأسيس “الائتلاف الوطني العراقي” و”الائتلاف الوطني العراقي الموحد” وهو أحد المهندسين والناشطين الرئيسيين لوصول إبراهيم الجعفري ومن ثم  نوري المالكي إلى كرسي رئاسة الوزراء.

وقال ابومهدي المهندس في مقابلته مع صحيفة “الأخبار” اللبنانية في عددها الصادر 13 تموز 2015: “طبعا هذا الحشد لم يكن ليستطيع أن يفعل هذا الفعل الكبير في عملياته، لولا الدعم الواسع والكبير من الجمهورية الإسلامية، وعلى رأسها آية الله العظمي السيد الخامنئي، الذي أمر الإخوة الحرس بدعم هذا الحشد وهو داعم لنا في السلاح والعتاد والاستشارة والخطط”. كما أكد المهندس أن “مصطفى بدرالدين”  و”عماد مغنية” كان لهما الدور الأساسي في تنظيم خلايا المقاومة العراقية ضد الأميركيين”.

“… قال نائب قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس إنّ الحشد سيذهب إلى أيّ منطقة تهدد أمن العراق، بما فيها سوريا… وتمنى أن تنتهي المعارك في سوريا قبل الموصل وألاّ تكون هناك حاجة ليذهب الحشد إلى هناك”.

قوة ميليشيا ارهابية جديدة أقامتها قوات الحرس الثوري الإيراني في العراق هي سرايا الخراساني. وبحسب اعلان المجموعة انه تمّ تشكيلها علي يد حميد تقوي وهو من أبرز قادة قوة القدس في العراق الذي قتل في كانون الأول لعام 2014 على الجبهة في سامراء.

الأمين العام لهذه المجموعة هو علي الياسري، من الصدريين القدامى، ونائبه الملا حامد الجزائري. وأعلن علي الياسري رسميا أنه يؤمن بولاية الفقيه وخامنئي وليس العراق أو أيّ بلد آخر. إشارة الى أن شعار مجموعة الخرساني يماثل شعار الحرس الثوري الإيراني.

آلية قيادة الحرس الثوري بالتدخل في شؤون العراق

قوة القدس تتبنّى سياسات النظام الإيراني في العراق. و كان عميد الحرس ايرج مسجدي أحد كبار قادة قوة القدس، عيّن منذ سنوات ليكون مسؤولاً عن العراق ومسؤولاً عن فرع العراق في قوة القدس. تم تنفيذ جميع العمليات الإرهابية في العراق تحت قيادته واشرافه.

سفارة النظام الإيراني في بغداد تعمل تحت قيادة فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني. وكان حسن دانايي فر، سفير النظام الإيراني السابق في العراق، وهو أيضاً قيادي بارز في قوة القدس. في كانون الثاني عام 2017 قدّم فيلق القدس عميد الحرس ايرج مسجدي سفيراً للنظام الإيراني الجديد لدى العراق، لكن الحكومة العراقية لم تعلن موافقتها بعد مع تعيينه.

وبذلك، دخل وجه الحرس الثوري الإيراني الذي كان يعمل في الخفاء بالسيطرة على الساحة العلنية السياسية العراقية نتيجة تدخلات النظام الإيراني في العراق من أجل الحفاظ على مكانة نظام الملالي في العراق.

ويستخدم النظام الإيراني العراق كنقطة انطلاق لإرسال الأسلحة والمعدات والأموال إلى سوريا ولبنان وفلسطين، ولتوسيع التدخل العسكري في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

(يتبع)

الجزء الثاني: التدخل في سوريا

المصدر: 

الجمعية الأروبية لحرية العراق واللجنة الدولية للبحث عن العدالة

الدور المخرب للحرس الثوري الإيراني… التدخل في لبنان وتأسيس “حزب الله” (2)

خبر عاجل