طريق المخاطر من السعديات الى الكسليك… بسام طربيه: أنا و9 تلامذة في فولسفاغن

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1615

يوم كان يفترض ان يكون بسام طربيه إبن بلدة تنورين هناك في قريته، بين أهله وإخوته وناسه، كان في مدرسة مار شربل – الجية يعيش لحظات الخوف والنضال مع تسعة تلاميذ من القسم الداخلي وريس الدير والمدير. كان ذلك عشية الهجوم على الدامور والجية في كانون الثاني 1976. يومها وصل مع الأهالي إلى شاطئ السعديات في انتظار الباخرة التي كانت ستقل الناجين من جحيم الموت إلى بر الأمان في مرفأ جونيه. هناك وقف بسام مع تلاميذه أمام الخيار الصعب. هل يغادر وحيدا؟ هل يأخذهم معه في اتجاه الوطن الآخر في جونيه. أم يعود معهم ليسلمهم إلى أهاليهم خصوصا أن جميعهم كانوا من الطائفة الإسلامية  متحديا الموت الذي ينتظره على الطريق المعاكسة للحرب؟ لم يتردد. قرر أن يخاطر بنفسه وأن ينقذ التلاميذ وأن يعيدهم إلى أهاليهم ويذهب في الإتجاه المعاكس لتكون الولادة الثانية.

ذاك اليوم مزق بسام طربيه هويته وحمل دفتر المذكرات الذي وقع عليه تلاميذ وأساتذة الدير اصدق مشاعرهم ومشى مع الأمانات التسع نحو الولادة الثانية. وفي الجزء الثاني يروي بسام طربيه اللحظات التي عاشها مع التلاميذ من شاطئ السعديات وصولا إلى الدبية فدير مشموشي في جزين. هناك كتب نهاية قصة أستاذ غامر ونجح. قصة أم ركعت أمام الأستاذ بسام قبل أن تحتضن إبنها العائد من جحيم الحرب لتقول له شكرا أعدت لي ولدي إلى الحياة من جديد.

بعد 41 عاما على حصولها بسام طربيه يروي القصة التي تحولت الى تسع قصص يرويها تلامذة الأمس الذين أنقذهم لأولادهم واحفادهم.

بعد سقوط الدامور وفرار الأهالي إلى السعديات غادر الأستاذ بسام طربيه مع تسعة تلامذة ايضا نحو السعديات لكن بعد فترة انتظار اتخذ القرار بسلوك طريق ذاك الإتجاه المعاكس كانت تفترض منه أن يغامر،لإنقاذ حياة تسعة تلامذة وإعادتهم إلى أحضان أمهاتهم. وهذه النتيجة كانت كفيلة بأن لا يتردد ويفكر مرتين بالخيار الذي اتخذه: “قررت أن اتوجه مع التلاميذ إلى الدبية كونها كانت منطقة محايدة. مزقت هويتي عند شاطئ السعديات واحتفظت بدفتر المذكرات لأنني كنت أعلم أنه سيكون الشاهد الوحيد على تلك المحطة من عمري في دير مار شربل – الجية”.

شيء ما يستفزك وأنت تتابع تفاصيل تلك القصة التي يرويها بسام طربيه بعد 41 عاما على حصولها. مشهد الأهالي الهاربين من جحيم الموت، صوت بكاء الأطفال ربما خوفا أو جوعا يعيدك إلى ذاك الشاطئ، شاطئ السعديات عام 1976. صقيع كانون الذي كان ينخر عظام المسنين والأطفال الرضع وحتى الشباب يلامس مسام جلدك بعد 41 عاما. ترتعد فرائصك. الكل في سباق مع اللحظة، لحظة القفز إلى المركب للوصول إلى الباخرة، إلى أرض الأمان والخلاص من جحيم الموت المحتم. منهم من أراد ان يختصر اللحظة، تعمشق بقاعدة طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني كانت تنقل الجرحى. تعلّق في حبال الهواء هربا من سكين السفاح الطامع بالأرض والمتعطش لدماء الأبرياء. شريط الأحداث يصير مشهدا حقيقيا، واقعا، تتمنى أن تخرج من إطاره او أن تعيش تفاصيله حتى الولادة الثانية.

وحدهم التلامذة التسعة الذين فروا مع أستاذهم بسام طربيه من دير مار شربل – الجية كانوا على المقلب الآخر. كانوا يمسكون به، يشدون على أصابعه المجمدة من البرد، يزنرون خصره برؤوسهم،  بأنفاسهم المتقطعة… “كلما عدت إلى تلك اللحظات ترتعد فرائصي أشعر بالغصة تلك الغصة التي لم اتذوق طعهمها في تلك الليلة لأن همي كان محصورا في إنقاذ التلاميذ وإعادتهم إلى أحضان أمهاتهم”.

عندما قرر بسام طربيه التوجه نحو منطقة الدبية مع التلاميذ، لم يكن يحمل معه إلا دفتر المذكرات ومبلغا صغيرا من المال عمد إلى تخبئته في ثنيات جواربه. استقل سيارته من نوع «فولسفاغن» وطلب من التلاميذ ان يبقوا رؤوسهم منخفضة لتفادي الرصاص الطائش على الطريق. يشعل بسام سيجارة ويروي: “كانت حال السيارة يرثى لها فصوت الإشبمان المثقوب يعزلك حتى عن اصوات الرصاص والقذائف في الخارج. عندما وصلت إلى مدخل الدبية صادفت أحد المواطنين وهو يختبئ وراء تصوينة إحدى محطات البنزين. فاقتربت منه لأسأله عن عنوان منزل ظافر البستاني، وإذا به يصرخ في وجهي وهو يرتعد خوفا ويقول «بعود من هون فلّ فلّ هلق بيقوصوك إنت والولاد”. فاستغربت الأمر كوني لم أكن اسمع شيئا بسبب الضجيج الصادر عن ثقب إشبمان السيارة والخوف الذي كان ينتابني خشية أن يصاب أحد التلاميذ بأي أذى. وبعدما اعطاني العنوان توجهت مباشرة الى منزل البستاني، وفور دخولنا قال: “الحمدالله ع السلامة. خبرني كيف قدرت توصل ع الدبية والرصاص متل الشتي؟ أجبت: “لا أعرف ربما هي العناية الإلهية التي أوصلتنا سالمين، وربما يعود الفضل إلى ثقب الإشبمان الذي ساهم في عزلي عن الأصوات الخارجية وإلا كنت سأتردد وأعود أدراجي”.

رحلة الولادة الثانية التي بدأت من منزل ظافر البستاني في الدبية توجت بتناول التلاميذ الطعام بعد 24 ساعة من دون طعام ولا شرب ولا نوم”. ظهرا يدخل رجل من الطائفة السنية منزل البستاني ويعرف عنه الأخير بأنه من صيدا ومن فاعلي الخير بحيث كان يؤمن للأهالي المحاصرين في بلدة الدبية الدواء والخبز، وكان يعمل في وحدة المصالح التابعة للجيش اللبناني. عندما رآنا أدرك أننا من خارج البلدة فسألني عن هويتي وهوية التلاميذ فأجبته على الفور: «إنهم من مدرسة دير مار شربل – الجية وجميعهم من الطائفة الإسلامية وأخبرته أنني أنوي الذهاب إلى دير مشموشي حتى يتمكن أهالي التلاميذ من اصطحابهم الى منازلهم”. فقال لي: “اطلعوا تا وصّلكن. أنا بأمّنلكن الحماية». شكرت رئيس البلدية على حسن الإستقبال والضيافة وخرجت مع التلاميذ وتوزعنا في سيارتين.

 

عند وصولنا إلى بلدة عانوت أوقفنا حاجز تابع لعناصر في تنظيم «الصاعقة» وقد تعرفت إليهم من خلال قبعاتهم الخضراء. فجأة شاهدت أفواج الآليات العسكرية والدبابات التابعة للفصائل المسلحة كانت متوقفة في حال الجهوزية على بعد أمتار من الحاجز ربما بهدف التقدم واقتحام بلدتي الدامور والجية بعد الإنتهاء من عملية إخلائهما من الأهالي والجرحى. في هذه الأثناء كان الرجل الصيداوي يتحدث مع عناصر الحاجز ويحاول إقناعهم بضرورة السماح لنا بالمرور. لكن كل محاولاته باءت بالفشل وسمعت أحد المسلحين يقول: “في أوامر عسكرية  إنو ما حدا بيطلع من المنطقة». هنا رأيت تعابير الغضب والخيبة على وجه الرجل الصيداوي وكأنه شعر بالإهانة كونه تعهد لنا بأنه قادر على إخراجنا من البلدة. لكنه خضع ل«الأوامر» حفاظا على أرواحنا وسلامة التلاميذ. وعدنا أدراجنا إلى منزل ظافر البستاني “ويسوانا ما يسوا أهالي الدبية”.

بعدما رويت ل البستاني تفاصيل ما جرى معنا عند حاجز عانوت تمنّى علي أن أحافظ على هدوئي وأتصرف والتلاميذ كما لو كنا في منازلنا. في هذا الوقت استأذننا “فاعل الخير” وقال أنه سيخرج ويعود بالأخبار الجيدة.

وفي تمام الخامسة عصرا عاد “فاعل الخير” إلى منزل رئيس البلدية ودخل علينا حيث كنت أجلس مع التلاميذ وقال لي: “حضّر لولاد والحقوني عالسيارة. رتّبنا الموضوع وراح تضهروا اليوم من المنطقة”. لكن الواضح أن الترتيبات لم تأخذ في الإعتبار شيطان التفاصيل التي تتظهّر في اللحظات الأخيرة.

ويروي بسام: “وصلنا إلى حاجز عانوت وداريا وكانت الساعة تقارب الحادية عشرة ليلا. كانت هناك آلية عسكرية كُتِبَ عليها: “منظمة “فتح” لتحرير فلسطين». فجأة ترجل منها عسكري برتبة ضابط وطلب مني الخروج من سيارتي. ففعلت. سألني: “من وين الأخ؟” أجبت: من تنورين”. “وهؤلاء الأولاد من يكونون؟”. أجبت: “إنهم تلاميذ دير مار شربل – الجية وجميعهم من الطائفة الإسلامية”. “إلى أين هم ذاهبون؟” سأل الضابط، فأجبت: “إلى دير مشموشي لأنني لو اصطحبتهم معي بحرا إلى جونيه لن يتمكن أهلهم من الوصول إليهم واصطحابهم إلى منازلهم… هؤلاء التلاميذ أمانة في عنقي ومستعد للتضحية بحياتي شرط أن لا يصاب أحدهم بأي أذى”. هنا صمت الضابط لثوانٍ معدودة وعاد ليطرح الأسئلة لكن هذه المرة على التلامذة الذين كانوا مسمرين في سيارتي بسام طربيه والرجل الصيداوي، بهدف التأكد من صحة الكلام ربما. فتوجه نحو أحدهم وسأله: “إنت شو إسمك؟” أجاب: “فوزي معروف غزاله، درزي من عين عطا في البقاع الغربي”. استدار نحو سيارة الصيداوي وسأل تلميذ آخر: “وإنت شو إسمك؟”. أجاب: “شكيب محمد الفقيه، شيعي من النبطية”. “وإنت؟” “أسامة عبد الهادي محفوظ من عكار وساكنين بالبسطة”. عندها تأكد الضابط أن كل ما ورد على لسان الأستاذ بسام ينطبق على الواقع. فاستدار نحو بسام ورفيقه وقال لهما: “اطلعوا بالسيارة وامشوا”. وما كاد الرجلان يديران محركي السيارتين حتى سمعا صوت “خرطشة” سلاح وصوت أحدهم يصرخ: “ما حدا بيقطع من هون الأوامر بتقول إنو ممنوع حدا يطلع من المنطقة”. وساد صمت رهيب. انطفأ محركا السيارتين. التفت بسام إلى مصدر الصوت فرأى المسلحين التابعين لتنظيم “الصاعقة” وقد صوبوا أسلحتهم الرشاشة نحو السيارتين. وفي الجهة المقابلة كان الضابط التابع لحركة “فتح” في حال جهوزية تامة. لكن سلاحه كان مصوبا نحو مسلحي “الصاعقة” وليس نحو الأستاذ والتلاميذ وسمعه يصرخ بصوت عال: «بدن يمرقوا وإذا بتقوصوا رصاصة واحدة بتكونوا حكمتوا على أنفسكن بالإعدام”.

لا يزال بسام طربيه يعيش تفاصيل تلك اللحظات التي شعر فيها انه وصل الى حافة الموت. يشعل سيجارة ويكمل قصته بغصة. «تصوري هذا المشهد ، أنا وقسم من التلاميذ في سيارة الفولسفاغن وإلى جانبي “فاعل الخير” في سيارة مع باقي التلامذة. لحظات أشبه بنهاية العالم. لم أعد أعرف كيف أتصرف. كنا وسط جبهتين. فجأة رأيت الضابط يتقدم نحوي وقال: “امشوا ورايي”. “قلنا يا عدرا ومشينا وراءه. وكان الضابط الذي ينتمي الى حركة “فتح” يتقدمنا بسيارة من نوع جيب عسكري مزودة برشاش. وعندما وصلنا إلى ساحة دير المخلص في جون أوقف الجيب، ترجل منه، وتوجه نحو السيارة وسألني: “لوين رايحين؟” أجبت: “إلى دير مشموشي في جزين”. قال: “بتطلعوا من هون. عليك الأمان». سألته عن إسمه. نظر في وجهي وقال: «الإسم ما إلو قيمة. بس تذكر إنو دايما في ناس شرفاء”.

لم يصدق بسام ما سمع. لم يستوعب أن الطريق نحو الولادة الثانية بدأت منذ اللحظة، أو قل من اللحظة التي خرج فيها سالما من منطقة السعديات. وعندما وصل إلى دير مشموشي شكر «فاعل الخير» الذي رافقه طيلة الدرب من دون أن يتراجع على رغم كل المخاطر والتهديدات.

أول شيء فعله بسام، كان أن توجه إلى كنيسة الدير وصلى وشكر الله الذي كان رفيق دربه وإلا ما كان وصل إلى نقطة الولادة الثانية. وبعدما اطمأن إلى صحة التلامذة، توجه نحو السوق في جزين واشترى مناشف وألبسة داخلية للتلاميذ وعاد إلى الدير فأعطاهم الأغراض وطلب منهم أن يستحموا خصوصا انه كان مضى عليهم نحو الأسبوع من دون حمام. “أما أنا فاستعرت الملابس من أحد أساتذة دير مار شربل – الجية ويدعى ميشال نصر من بلدة صبّاح الجنوبية الذي هرع إلى الدير للتهنئة بسلامتنا. وحتى اليوم لا يزال يذكرني بهذا المشهد وكيف استعرت ملابسه وملابس شقيقه بعدما مر علي نحو 11 يوما من دون ان أبدل ملابسي”.

تلك الليلة نام التلامذة التسعة للمرة الأولى على فراش ناعم وتذوقوا طعم الدفء بعدما عانقوا كابوس الموت عشية بدء الهجوم على الجية والدامور وصولا إلى الدبية. تلك الليلة أكل التلاميذ والأستاذ للمرة الأولى طعاما ساخنا. في هذا الوقت بدأت الوفود تصل إلى الدير لتهنئة بسام طربيه بوصوله سالما مع التلامذة. ثم توجه إلى منزل نائب جزين السابق (الراحل) جان عزيز بطلب من الأهالي. «هناك كان المشهد كافيا للدلالة على حجم الخوف الذي كان يتملك الأهالي حيث كان يتجمع نحو 400 شخص من أبناء القضاء في محيط منزل النائب عزيز. أما في الداخل فكان هناك نحو 50 شخصا. وبعدما هنأنا بوصولنا سالمين إلى جزين طلب مني أن أخبره بما حصل في الجية والدامور وتوقف طويلا عند تفاصيل المشهد عند شاطئ السعديات. فرويت له درب الجلجلة التي قطعتها مع التلامذة. وعندما عدت إلى دير مشموشي أخذت أرقام هواتف التلامذة للإتصال بأهاليهم وتوجهت نحو مركز الجيش اللبناني في جبل تورا الذي كان يبعد مسافة 10 دقائق عن الدير لأن سنترال الدير كان مقطوعا.

عندما وصلت إلى المركز كان هناك أربعة عناصر من الحرس عند البوابة الخارجية. سألني أحدهم عن سبب مجيئي إلى المركز في هذه الساعة المتأخرة من الليل. أجبته: “لدي تصريح من الضابط (…) بأن أتصل بأهالي تلامذة أحضرتهم معي من دير مار شربل-الجية إلى دير مشموشي ليأتوا ويأخذونهم. فدخلت واتصلت بالعميد فايز حرب بواسطة جهاز لاسلكي. وبعدما أبلغته بأنني موجود في جزين أعطيته أرقام أهالي التلامذة التسعة. فتم الأمر”.

عندما وصل أهالي التلامذة إلى دير مشموشي كان بسام طربيه يجلس معهم ويخاطبهم بكلمات وداعية. لحظات لا يزال يعيش أدق تفاصيلها. “إحدى الأمهات ركعت أمامي. كانت تبكي وتصرخ… لم أعد أعرف كيف أتصرف. رجوتها أن لا تشكرني، لأنني لم أقم إلا بما أملاه علي ضميري. لم يصدقوا إنني أنقذت حياة أولادهم”. وليسوا وحدهم. حتى هو لم يصدق أنه نجا من فكي الموت غير الرحيم الذي كان يتربص به على الطريق قبل أن يصل إلى دير مشموشي.

قبل أن يغادر الدير تفحص بسام طربيه جيبه ليتأكد من وجود دفتر مذكراته. ذاك الدفتر الذي كان يضعه أمامه طيلة الوقت وهو يروي قصة ذاك الدير بعد 41 عاما. هل يكون ملهمه في تلك اللحظات؟ ثمة أشياء نحتاج إلى ضمها أحيانا لتستفز ذاكرتنا. دفتر مذكرات دير مار شربل – الجية الذي حمله بسام طربيه معه من أقبية ذاك الدير عشية الهجوم على الدامور والجية واحد من تلك المقتنيات التي لا تثمّن.

من جزين انتقل بسام إلى منطقة الشوف ومنها إلى بكفيا نزولا نحو الكسليك. “عندما وصلت إلى جامعة الكسليك التقيت بالأهالي الذين كانوا ينتظرون الباخرة عند شاطئ السعديات. فجأة شاهدت الأباتي شربل قسيس. وما أن رآني حتى ركض صوبي وبدأ يصرخ عاليا:” هيدا الإنسان غامر بحياتو تا يخلص 9 تلاميذ من دير مار شربل”. تلك الليلة أمضيتها في الكسليك مع الرهبان والأهالي ولم أخرج منها حتى اليوم لأن القصص التي تم تداولها لا تستوعبها ذاكرة إنسان”.

في العام 1992 تزوج بسام طربيه وأول مشوار مع زوجته كان إلى دير مار شربل –الجية. ويروي: “لم أخبر زوجتي بالمكان الذي سنذهب إليه. مع ساعات الصباح الأولى استقلينا السيارة وتوجهت نحو دير مار شربل – الجية. عندما وصلنا كان في استقبالنا ريس الدير وبادرني قائلا: “مبارح كنا بسيرتك”. قلت له: “خير؟” أجاب: “هل تذكر أشجار الفيكوس التي زرعتها في الدير لوضع مقاعد ومراقبة التلاميذ أثناء حصة الرياضة؟ في الأمس كان عامل الحدائق في الدير يقطعها بعدما تمددت جذورها ووصلت إلى الطريق العام وباتت تهدد السلامة العامة”.

أول مكان قصده بسام كان مكتبه القديم . كل شيء تغير إلا الصور والذكريات. فتش عن الكتب التي كان يقرأ فيها في ساعات الليل في القسم الداخلي، عن قصاصات الورق التي دوّن عليها ملاحظاته… لكن من دون جدوى. “بشكر ربي إني حملت معي هالدفتر (دفتر المذكرات) هذا كل ما بقي لي من زمن الأوفياء الذي ولدت وعشت فيه”.

وحده تلميذ الأمس والموظف في احدى الدوائر الرسمية اليوم أسامة عبد الهادي محفوظ لا يزال يلتقي بأستاذ الأمس الذي أنقذ حياته مع 8 تلاميذ. وفي كل لقاء تكون قصة دير مار شربل – الجية محور أحاديثهما التي باتا يتشاركانها مع أولادهم وغدا مع أحفادهم.

انتهت القصة؟ ثمة فصول تروى بعد لكن على صفحات الولادة الثانية.

بسام طربيه مزق هويته حمل دفتر المذكرات وانطلق مع تلاميذه إلى الولادة الثانية ـ 1 ـ

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل