
توحي كل المعطيات الميدانية والسياسية بقرب اندلاع معركة عرسال خلال الأيام القليلة المقبلة. فبعد إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري أن “الجيش سيقوم بعملية مدروسة في جرود عرسال ، والحكومة تعطيه الحرية لمعالجة هذا الأمر”، برزت، أمس، زيارة قائد الجيش العماد جوزيف عون وحدات الجيش المتمركزة في جرود السلسلة الشرقية في بريتال حتى أطراف جرود نحلة وعرسال .
وقالت مصادر متابعة، كما نقلت صحيفة “الجريدة” الكويتية، إن “الجيش أكمل استعداداته لشن عملية عسكرية ضد المسلحين في عرسال ، وأنه نفذ طوقاً أمنياً يفصل البلدة عن منطقة التلال (الجرود)”، وحشد 4 آلاف جندي في محيط البلدة، لافتة إلى أن “الجيش يشارك في المعركة من خلال حماية البلدة واللاجئين السوريين فيها ومنع تسلل المسلحين من منطقة التلال”.
وأضافت المصادر: “شاهد أهالي قرى البقاع الشمالي عدداً كبيراً من الشاحنات التابعة لـ”حزب الله” تتوجه إلى الجرود”، مشيرةً إلى “التقدم الذي أحرزه الحزب في الجرود، إذ سيطر على بعض المناطق الخالية والتي تفصل بينه وبين المسلحين في محاولة لتقليص المساحات بين خطوط التماس تمهيداً للمعركة”.
وعزز هذه المعلومات، الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي لعناصر من “حزب الله” تم حشدهم في إحدى القرى اللبنانية الحدودية قبل الإنطلاق إلى الجرود اللبنانية – السورية.
ويترافق كل ذلك مع تكثيف طيران النظام السوري غاراته العنيفة على جرود القلمون السوري والسلسلة الشرقية اللبنانية، في عملية تمهيدية لعملية الجيش.
وطالب رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري ، أمس، المسلحين في الجرود بالإنسحاب إلى الداخل السوري، وتجنيب أهالي البلدة خسائر “معركة غير متكافئة”.
وكانت قوة خاصة في مخابرات الجيش في البقاع نفذت عملية نوعية في عرسال ، أمس، أدت إلى توقيف كل من عبد المالك كنعان وخضر الأطرش .
كذلك، لفتت صحيفة “الجمهورية“، إلى أن هاجس الحدود يبقى حاضراً في دائرة الرصد لِما قد يَطرأ من تطوّرات ميدانية ضد المجموعات الإرهابية في جرود عرسال التي لوحِظ أمس تكثيفُ الغارات السورية عليها.
ولفتت الزيارة التفقّدية التي قام بها قائد الجيش العماد جوزيف عون للقوى العسكرية المنتشرة في منطقة الطفيل وجرود بعلبك، سواء من حيث التوقيت الذي يتزامن مع الحديث المتزايد عن تطورات امنية وشيكة ضد الارهابيين في الجرود، او من حيث التوجيهات التي قدّمها للعسكريين لاتخاذ” كافة التدابير الميدانية لحماية البلدات والقرى الحدودية، وتأمين سلامة أهلها من أي خرق إرهابي”.
وأكدت مصادر امنية لـ”الجمهورية” انّ الزيارة الى الطفيل لا صلة لها بعرسال وما يُحكى عن تطورات محتملة، بل كانت لتفقّدِ فوجِ الحدود البري الرابع المنتشر في المنطقة، ولشَدّ عزيمة العسكر في حربهم الدائمة على الارهاب والحفاظ على لبنان ومنعِ المساس بأمنه واستقراره، ولتوجيه رسالة مباشرة الى أهالي تلك المنطقة “بأنّكم في حماية الجيش، وهو على جهوزية لردّ ايّ امرٍ عنكم”.
وبالتالي الجيش ليس معنياً بأيّ طرف يمكن ان يفتح معركة في الجرود، ومهمتُه الاساس كانت وستبقى المحافظة على ارض لبنان وسلامة اللبنانيين، وعلى اهالي عرسال في حال حصَل ايّ تطوّر امني، وسيَعمل على حماية عرسال وأهلِها ومنع تسلّل الارهابيين من المخيمات الى داخلها”.
وعكسَت المصادر ارتياح قائد الجيش لموقف رئيس الحكومة سعد الحريري الذي عبّر عنه في الجلسة التشريعية، ووُصِف بأنه استكمال لموقفه السابق الذي اعلنَه خلال استقباله قائد الجيش اخيراً وتأكيدٌ على الغطاء الكامل للمؤسسة العسكرية في تنفيذ مهامِّها في محاربة الارهاب، مع تأكيد القيادة بأنّ الحرب على الارهاب ليست ضد ايّ مواطن وأي ّمدني أكانَ لبنانياً أو سورياً، بل هي استهداف ايّ ارهابي يحاول مسَّ الداخل وزعزعة الامنِ والاستقرار. هنا الجيش سيكون دائماً بالمرصاد لهؤلاء وسيواجههم ويمنعهم من تحقيق اهدافهم ومخططاتهم مهما كلّفه ذلك من تضحيات.
بدورها، أكدت صحيفة “المستقبل“، أنه في ما يتعلّق بعمل الجيش في حال نشوب المعركة “المرتقبة”، فإن المؤسسة العسكرية أخذت على عاتقها حماية الحدود ومنع تسلل الجماعات الإرهابية في حال تمت مُحاصرتهم من الجهة السورية من قبل “حزب الله” والنظام السوري. ويأتي في طليعة الجيش، حماية بلدتي عرسال والطفيل وقام بأقصى درجات الحيطة داخل البلدتين.
وتؤكد مصادر عسكرية أن “الجيش لن يعتبر معركة الجرود معركته، لكن هذا لن يمنعه من اتخاذ أقصى تدابير الحيطة والحذر لحماية المدنيين اللبنانيين بالدرجة الاولى وكذلك الأراضي اللبنانية من أي محاولة اختراق. كما أن أي عوائق أو اعتبارات بين الجهات المتقاتلة، سوف لن تُثني الجيش عن تطبيق الخطط التي وضعها استباقاً لأي عمل يُمكن أن يحدث”، نافية أن “يكون الجيش أبلغ أهالي عرسال، بضرورة إخلاء الطرقات والأشغال، إذ إن الأمور تسير حتى الساعة في عرسال ، على طبيعتها والجيش يفرض مراقبة مستمرة على الداخلين إليها والخارجين منها. ويُمكن للجميع أن يُلاحظ الاحتياطات التي يتخذها الجيش في سبيل تأمين الأمن للأهالي. أمّا في ما يتعلّق بسحب بعض الأهالي آلياتهم الزراعية أو الصناعية من منطقة الجرود، فهي تعود للأهالي أنفسهم وتخوّفهم من تعرضها للاستهداف في حال اندلاع المعركة”.
أوردت مصادر سياسية معنية لجريدة “الأخبار” بما يجري على الحدود البنانية السورية، مجموعة ملاحظات، في سياق تقدير ما سيكون عليه موقف قيادة الجيش اللبناني من المواجهة العسكرية التي تلوح في الأفق، إذا أصرت المجموعات المسلحة المحتلة لجرود عرسال على البقاء هناك. وأبرز هذه الملاحظات:
أولاً: ليس في الإمكان فصل الجرود اللبنانية لعرسال عن جرودها السورية، ولا فصل الجرود السورية واللبنانية عمّا يجري داخل سوريا. والحملة ليست بعيدة عن خطة توسيع مناطق سيطرة الجيش السوري الذي يثابر طيرانه على الإغارة يومياً، بوتيرة متصاعدة، على الجرود السورية تحضيراً لهجوم قواته.
وتتعامل دمشق وحلفاؤها مع عرسال المدينة ومخيمات النازحين السوريين فيها امتداداً إلى الجرود المقابلة لها، على أنها قاعدة متقدمة لأعداء النظام السوري داخل لبنان، وخاصة أنها مثلت منذ ست سنوات مصدر أمان للمسلحين معارضي النظام. وقد تلقفتهم بادئ الأمر بيئة حاضنة بمشاعر سياسية تشتمل على خلفيات طائفية ومذهبية حادة ساعدت على دعم المسلحين ومدّهم بالمؤن والوقود والماء والعتاد ومقومات المواجهة، في طريق ممتدة من المدينة إلى الجرود، ومنها إلى الزبداني والقلمون.
ثانياً: ما يراد من الحملة العسكرية المتوقعة تحقيقه، هو “التطهير” النهائي لشريط جغرافي بدءاً من جرود العرقوب مروراً بجرود راشيا وتلك المقابلة للمصنع إلى عرسال صعوداً إلى القصير المتاخمة للهرمل، بل أبعد من ذلك باتجاه كل الشريط الشمالي الواصل بين قرى قضاء عكار وسوريا، بعدما كان عامي 2012 و2013 منطقة عمليات معارضي النظام، ويتمكنون من خلاله من التصويب على هدفين بالغي الأهمية، بل مصيريين: تهديد العاصمة السورية ومركز ثقلها في الوسط، وقطع التواصل الجغرافي بين حزب الله وسوريا.
ثالثاً: إذا قرر المسلحون المواجهة ورفضوا الانسحاب، فليس أمامهم سوى الانكفاء نحو عرسال. عندها يصبحون في مواجهة الجيش اللبناني الذي سيمنعهم من الوصول إلى المخيمات. ما يعني بوضوح أن انخراط الجيش في المعركة حتمي بقرار سياسي من الحكومة اللبنانية أو من دونه، وهو في كل حال يحظى بغطاء غير مشروط من رئيس الجمهورية. والجيش لا يريد مطلقاً تكرار ما حدث في آب 2014، عندما خطف مسلحو “داعش” و”النصرة” عسكرييه، ثم هو بادر عملياً من خلال العمل الأمني الاستباقي إلى إبلاغ كل من يعنيه الأمر، بأنه لن يسمح بنقل المسلحين للمعركة من الجرود إلى داخل عرسال، وهو ما يوجب على الجيش فصل مخيمات النازحين تماماً عن مناطق وجود المسلحين أو تحركهم.
عرسال معزولة عن التلال… والجيش اللبناني يحشد 4 آلاف عسكري للمعركة
