معركة شكا الكورة: عندما أصبت واستشهد دينامو برحليون

كتبت جومانا نصر في المسيرة – العدد 1623:

معركة شكا الكورة (2)

دافيد داوود يروي: من أميون الى دده وكفرحزير وفيع… عندما أصبت واستشهد دينامو برحليون مطانيوس طراد

ودقت ساعة الصفر للدخول إلى قلب معركة الكورة بعد تحرير شكا من الغرباء والمرتزقة. الإنتشار الأول الذي نفذه مقاتلو «قوات المقاومة اللبنانية» كان على طول أوتوستراد اميون نحو ضهر العين في ظل خط نار كثيف تولاه مقاتلو «القوات» من عين عكرين لتأمين التغطية لرفاقهم. ومع انبلاج خيوط الفجر، وصلت المجموعتان إلى محيط سرايا أميون ودارت معارك عنيفة أسفرت عن سقوط شهداء. لكن دماء الشهداء أينعت بطولات مع تحرير السرايا من مسلحي التنظيمات الفلسطينية والمرتزقة.

في الجزء الثاني من معركة تحرير شكا والكورة يستعيد دافيد داوود محطات موجعة من دفاتر تلك الأيام. محطات حفرت في ذاكرة لم ولن تنسى رفاقا وأبطالا سطروا بطولات في قرى قضاء الكورة. وكان يمكن أن تحمّلهم الكثير الكثير من وجع الضمير لولا تدخل العناية الإلهية.

«ما كنا فايتين ع الكورة تا نظلم ناس على رغم اختلاف انتماءاتن. كان همنا نحرر المنطقة من الغربا المحتلين والمرتزقة. وبس خلصت المعركة صرت إنسان أكثر إيمانا وتقرّبت أكثر بعلاقتي مع الله. ولولا الإيمان كان ممكن إخسر نفسي». قالها دافيد ودخل في سرد تفاصيل الجزء الثاني من معركة تحرير الكورة مع أبطال «قوات المقاومة اللبنانية» وحراس الأرض الذين لم ولن يناموا.

ثمة اعتبارات كثيرة وضعها مقاتلو «قوات المقاومة اللبنانية» عند دخولهم منطقة أميون خصوصا ان معظم الأهالي كانوامن المؤيدين والمناصرين والمنتسبين في صفوف الحزب السوري القومي الإجتماعي. لكن المفاجأة كانت في أن عددًا كبيرًا منهم أعلنوا تضامنهم وولاءهم لمقاتلي حزب «الكتائب اللبنانية» و«القوات اللبنانية» مما أثار جوا من الإرتياح وعزز من معنويات الشباب خصوصا أن الهدف من المعركة تحرير قرى الكورة من الغرباء والمرتزقة وليس الإشتباك أو كسر ذراع أبناء اي منها على مختلف انتماءاتهم.

عند الوصول إلى عين عكرين كانت مجموعة سمير جعجع المعروفة بإسم مجموعة س.ج على رأس باقي المجموعات وتولى شباب البلدة عملية التغطية للمجموعات المقتحمة من على جانبي الطريق بالسلاح المتوسط ومدفعية الهواوين. هناك بدأت عملية تنظيم صفوف المقاتلين تتظهر أكثر فأكثر، ومن تلك النقطة توجه المقاتلون إلى بلدة كفرحزير حيث جرت مفاوضات مع كاهن رعية البلدة لتسليم المنطقة سلميا بعدما فر منها المسلحون على أثر تحرير أميون التي كانت بمثابة قلعة الكورة. «كان المشهد مؤثرا. فالأهالي الذين رضخوا قسرا لتهديدات الحزب السوري القومي بضرورة إعلان الولاء والقتال في صفوفه، رفعوا الشراشف البيضاء على سطوح المنازل حيث وجدوا أنفسهم في دائرة الخطر والعزلة بعد تحرير أميون. ودخلنا بلدة كفرحزير سلميا على صدى الزغاريد ونثر الأرز. وبادلناهم التحية بالمثل».

رفع أعلام لبنان و«الكتائب» على خط التوتر العالي في كفرحزير شكل إحباطا للمسلحين الغزاة. ويروي دافيد:» أثناء توجهي نحو خط التوتر العالي لرفع علم «الكتائب اللبنانية» لاحظت أن هناك سيارة من نوع جيب عسكري متوقفة إلى جانب الطريق. عدت أدراجي وطلبت المساندة من 3 رفاق من بينهم الرفيق سمير فارس. عند وصولنا إلى النقطة المحددة اكتشفنا أن هناك كمينا نصبه مسلحون فلسطينيون وأعوانهم من الحزب السوري القومي ومرتزقة. فتحنا عليهم النار بغزارة وبطريقة مفاجئة وتمكنا من الإطباق عليهم. تقدمنا ورفعنا العلم اللبناني على خط التوتر العالي مما أدى إلى إحداث توتر وبلبلة في صفوف المسلحين الذين بدأوا يتراجعون تباعا».

ثقيلة كانت الساعات التي مرت على مقاتلي «القوات اللبنانية» وهم يتقدمون وفق مجموعات منظمة من بلدة إلى أخرى في قضاء الكورة. وبين جولة وأخرى كانت الإنتصارات التي تحبك مع كل طلعة شمس بمثابة مسبحة صلاة، بالإضافة إلى العلاقات الإنسانية التي حاكها شباب «القوات» مع الأهالي في القرى: «في بلدة كفرحزير وخلال استراحة المقاتل اجتمع الأهالي وحضروا وليمة غداء للشباب في انتظار هبوط ساعات الليل استعدادا لاقتحام بلدة فيع. ودقت ساعة الصفر. اقتحمنا البلدة تحت غطاء مدفعي وما أن وصلنا إلى مشارف البلدة حتى سمعنا دق أجراس الكنائس دلالة على سقوط البلدة وانسحاب المسلحين منها. هنا حصلت بلبلة وتضارب في الآراء بين من كان يؤكد أن البلدة سقطت بدليل أن الأهالي كانوا يقرعون أجراس الكنائس ومنهم من كان ينفي الأمر ويشكك في الأمر. فكان القرار في دخول البلدة بكامل جهوزيتنا. ودخلنا بلدة فيع.

جثث قتلى المسلحين كانت تنتشر على جانبي الطريق المؤدية الى ساحة البلدة. عند وصولنا إلى الساحة أقمنا خط انتشار على طول الطريق قبل أن نتوزع على مجموعتين في قبو منزلين مجاورين لمنزل كاهن الرعية. في هذا الوقت كنا نسمع أصوات رصاص متقطع مما خلق جوا من البلبلة والضياع وارتسم على الوجوه السؤال التالي: «هل سقطت بلدة فيع أم لا تزال هناك جيوب للمسلحين الغزاة؟». إزاء هذا الواقع العسكري كان لا بد من اتخاذ قرار. انقسمنا إلى ثلاث مجموعات وشكلنا ثلاث خطوط دفاع لكن التقدم كان مستحيلا بسبب انقطاع خطوط الإتصال عبر أجهزة اللاسلكي مع المسؤولين في مركز القيادة. ففضلنا البقاء بجهوزية كاملة في مواقعنا. مع انبلاج خيوط الفجر وصل الجواب. جيب عسكري تابع لمنظمة فتح بدأ يطلق قذائف من نوع B7  علينا وبدأت المعركة من الجهة الجنوبية لساحة فيع. أما الجبهة من جهة طرابلس فكانت تقتصر على أصوات طلقات رصاص دون سواها.

مجموعة النسور التي كنت في عدادها انسحبت نحو الخط الثالث لتعبئة الذخائر. وبدأنا في تعداد عناصر المجموعة. كلهم حاضرون باستثناء الرفيق صلان طراد. وبعد التأكد من المواقع التي تنقلت فيها المجموعة والتشاور مع الرفاق تبين أن صلان كان يأخذ قيلولة في أحد الأقبية التي اجتمعنا فيها وبقي هناك! فقررنا تشكيل مجموعة ضمت الرفاق كميل كرم وسمير فارس ومارون طراد ورفيق يدعى هنري وأنا وتوجهنا نحو القبو في ظل قصف مركز لكن العناية الإلهية ترأفت بنا. ودخلنا القبو المظلم ووجدنا صلان ينتظرنا في الداخل. وبنفس السيناريو العسكري الذي سطر عملية دخولنا القبو لإنقاذ صلان خرجنا تحت وابل من الرصاص وعدنا إلى مواقعنا.

لاحقا علمت المجموعة أن اسباب قرع الأجراس في بلدة فيع  كانت حزنا على استشهاد إما كاهن الرعية او مختار البلدة. وبعدما تمكنت المجموعة من فك الطوق بواسطة القصف المركز على المسلحين بقذائف الهاون تقدمنا من جديد وتمركزنا في ساحة فيع من دون أية مواجهة تذكر بعدما تم القضاء على المسلحين، ووصلنا إلى كنيسة مار سمعان. هناك تم إبلاغنا بوجوب اقتحام بلدة دده لتحرير المدرسة المهنية التي تحولت إلى ثكنة س.ج بعد تحريرها. وكان يؤازر تلك المجموعة شباب من بلدة الكورة».

«عند وصولنا إلى دده أُبلغنا أن المسلحين يتمركزون في خزان الماء ويجب القضاء عليهم. وانطلقت مع الرفاق توفيق خليفة من برحليون وسمير فارس وتسللنا نحو الخزان ودارت معركة بالقذائف والرصاص. بعدما تأكدنا من القضاء على المسلحين الغزاة توجهنا نحو المدرسة المهنية تحت غطاء ناري كثيف. لكن المفاجأة أن أحدا من المسلحين لم يخرج من المدرسة ولم نسمع طلقة رصاص من الداخل. فقررنا سمير فارس وأنا الدخول تحت غطاء الرصاص الذي كان يؤمنه لنا الرفاق. وعندما وصلنا إلى سطح المدرسة فوجئنا بوجود 3 مسلحين مدججين برشاشات الدوشكا يتمترسون وراء سواتر ترابية. ودارت مواجهات عنيفة تمكنا بعدها من القضاء على المسلحين الثلاثة. وقبل أن نغادر رفعنا علم «الكتائب» على سطح المدرسة.

بعد عودتنا إلى المدرسة اقمنا خط انتشار ضمن مجموعتي فرقة النسور وفتحنا النار مدة ربع ساعة على بساتين الزيتون المحيطة بالمدرسة وإحدى الفيللات المواجهة التي كان يتمركز فيها عناصر من الحزب السوري القومي الإجتماعي. وهنا كان لا بد من وضع خطة عسكرية لاقتحامها. وشكلنا مجموعة ضمت كل من كميل كرم وابن عمه جورج وهنري طراد والشهيد مطانيوس طراد وأنا بقيادة سمير فارس وأعددنا خطة لاقتحامها. أقمنا خط انتشار وكان سمير أول من تقدم وألقى قنبلة أصابت إحدى غرفها. ثم تقدمت زحفا ووصلت إلى مسافة تبعد نحو 15 مترا عن الفيللا. فجأة رأيت شابا يضع شريطا أبيض على جبينه ويركض نحو الفيللا. أول الأمر فكرت انه قد يكون أحد مقاتلينا لأننا كنا نضع هذه الشارة على جباهنا. لكن فضلت التريث واتخذت موقعا قتاليا تحت العريشة. وما هي إلا لحظات حتى تنبهت إلى وجود حركة غريبة. لقّمت الرشاش وقبل أن أطلق النار إذا بقذيفة من نوع آر بي جي تسقط بالقرب مني. للحظات شعرت أن الأرض تهاوت تحت قدمي. أصبت في يدي اليمنى إصابة بليغة وبدأت أنزف بغزارة. فجأة سمعت صراخ رفيقي الشهيد مطانيوس: «دافيد انصبت؟ بعدك عايش؟» أجبت: «ما تخافوا غطوني بس تا إقدر إطلع من هون». في هذه اللحظات خرج الرجل الذي كان يضع الشريط الأبيض على رأسه يركض نحوي وهو يكبّر: «الله أكبر، ألله أكبر». وما كاد يقترب مني حتى التقطت رشاش الكلاشنكوف بيدي اليسرى وأفرغت المشط في رأسه فهوى على الأرض. عندها قررت أن أزحف إلى الخلف مسافة 50 مترا وشعرت بأنني سأفقد الوعي بسبب النزيف الحاد. لكن العناية الإلهية وصلوات أمي كانا يرافقانني. وصلت إلى الرفاق فحملوني إلى سيارة الجيب العسكري. وقام أحد الرفاق بتمزيق المقعد الجلدي ولف ما تبقى من زندي الذي كان منفصلا عن جسمي لوقف النزيف. وأكمل كميل وجورج وسمير عملية اقتحام الفيللا وتحريرها. لكن سطور الملحمة أقفلت بتسجيل إسم الرفيق مطانيوس طراد شهيدا في تلك المعركة.

تلقى دافيد داوود الإسعافات الأولية في مستوصف كنيسة عبدين ومنه انتقل عبر طريق قنات الى مستشفى البترون برفقة سمير فارس بعدما انتقلت قيادة فرقة النسور من فارس إلى كميل كرم. هناك خضع دافيد لعملية جراحية دقيقة «كانوا مفكرين يقطعولي إيدي. بيقللن الدكتور أنطوان رهبان ما راح نبتر إيدو ل دافيد بعدو عم بيحركا من وقت للتاني. بس بدك تتحمل وجع كتير. فرضخت لمشيئة الله وقرار الدكتور رهبان. أذكر يومها أنني احتجت لكميات كبيرة من الدم بسبب النزيف الحاد الذي تعرضت له. وعلمت لاحقا ان رفيقا من آل نخول من كفرعبيدا تبرع لي بالكميات المطلوبة».

بعد 3 أيام من التخدير استيقظ دافيد وكان يجلس إلى جانب سريره الياس طراد شقيق الشهيد مطانيوس. «بس فتحت عيوني قللي الحمدالله ع السلامة. بعد فيك تقوّص. إيدك ما انبترت. سألتو عن الشباب. قللي كلّن متل السباع. بس في خبر بشع… دينامو برحليون مطانيوس استشهد. بلحظتا حسيت الأرض برمت فيي. وغبت عن الوعي… مطانيوس البطل ما بيتعوض. بعد يومين بسمع صوت رصاص ورشقات غزيرة. سألت شب بالمستشفى: خير شو القصة؟ قللي استشهد شبل عيسى الخوري. وكانت تاني غصة بقلبي.

على شريط ذكريات دافيد الكثير الكثير من الحكايات والمحطات التي حفرت خلال معركة تحرير شكا والكورة. منها ما يقال ومنها ما يفضل ان تبقى وتحفر وحيدة في خبايا ذاكرة ذاك المقاتل العنيد الذي ابى ان يستسلم وهو على شفير الموت.

ومن الروايات التي تدمع عيناه عند ذكرها تلك التي سجلتها الذاكرة وهو لا يزال على سرير العلاج في مستشفى البترون: « بإحد الإيام بشوف شاب واقف ع باب غرفتي بالمستشفى. بحط إيدي تحت المخدة تا إسحب المسدس اللي استرديتو بعد ما وعيت من البنج. سألتو مين حضرتك؟ جاوبني أنا الشاب اللي خلصتو من أميون وبيتي حد السرايا. أنا من بيت خنيصر. للحظات لم أستوعب ما يحصل. اقترب مني وغمرني ثم خرج ونادى على والدته وقال لها: «تعي شوفي مين في هون. غمرتني وكانت لحظات مؤثرة جدا».

5 عمليات خضع لها دافيد واستمرت إقامته المتقطعة في المستشفيات 8 أشهر. وفي كل مرة كان يشعر بتحسن جزئي كان يتوجه إلى الجبهات لمساعدة الرفاق آخرها كانت جبهة راس مسقا «وما عدت قدرت نزلت ع الجبهات».

بعد 12 يوما من تاريخ اندلاع معركة الكورة سمع دافيد أصوات قرع الأجراس وهو على سريره في مستشفى البترون. كان رصاص النصر والفرح بتحرير الكورة. تلك المعركة التي سطر فيها شباب «القوات اللبنانية» ملاحم من البطولات والكثير الكثير من حبات الصلاة التي تغمست بدم الشهداء.

وقبل ان يختم دافيد داوود الذي احترف لاحقا مهنة النقش على الحجر وحوّل جماده إلى تماثيل تنبض بعطر القداسة يقول: «رحنا لنقاتل وندافع عن أرضنا ووجودنا مش لنقتل. هيدي المعركة خلتني اتعرف أكتر على الله. ولولا مشيئة الله وصلوات إمي ما كنت اليوم عم خبر حكاية تحرير معركة شكا والكورة».

ـ إنتهى ـ

معركة شكا والكورة 1976… “داعش” مرَّ من هناك – 1 –

  • للإشتراك في “المسيرة” Online:
  • http://www.almassira.com/subscription/signup/index

    from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل