أزمات 2017: موازنة وسلسلة وإيجارات وكهرباء ــ 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” العدد – 1643:

قال سياسي في معرض تفصيله للوضع الإقتصادي خلال العام 2017: «علت الجلبة حول المشاريع الإقتصادية خلال الأشهر الـ12 الماضية، لكنها لم تجلب ما يوازي من الخير العميم المنتظر. فلمن يراقب، كَثُر الحديث عن وعود ونمو، وهو بعدُ لم يعتلِ الدرجة الأولى من سلم الصعود. ولمن يذكر، بدأ العام 2017 أيامه بالسجال حول مناقصة المعاينة الميكانيكية وختمه بالسجال حول تغيير لوحات السيارات ودفاتر التسجيل، وما بينهما ما يشبه ويتقاسم معهما الصفات والصفقات. ولمن لا يعلم، هناك العديد من المؤشرات التي استمرت سلبية على الرغم من انطلاق عهد جديد واحتضانٍ دولي مريح». وختم السياسي بالتشديد على أنه «مع الأخذ بالإعتبار مجموعة الأزمات التي واجهت لبنان خلال العام، إلا أن هناك خللاً داخليا ظاهرا أجهض الوعود التي حملتها العهود!»

الهمّ الدائم

بعد إنتخابات جمعية المصارف في حزيران، وبعد انتهاء الموسم السياحي في أيلول، عاد اللبنانيون إلى هم الأقساط المدرسية على خلفية تطبيق سلسلة الرتب والرواتب. ومن هناك دخلوا الدوامة بين مطالبة الأساتذة برفع أجورهم، وتهديد المدارس برفع الأقساط لتغطية أي زيادة ستضطر لدفعها، وصولا إلى صرخة الأهل من عدم القدرة على تحمّل المزيد من الأعباء علما أن الأقساط هي أصلا مرتفعة. وبنتيجة ذلك شهت الفترة الممتدة من منتصف الصيف الماضي حتى اليوم سجالا وإضرابات واعتصامات. ومنذ تلك اللحظة لم يتوصل بعد إتحاد المؤسسات التعليمية الخاصة إلى الإتفاق على نسبة الزيادة المقررة على الأقساط المدرسية للعام الدراسي
2017 – 2018.

موظفو القطاع الخاص كما الأساتذة لم ينتظروا طويلا قبل أن يرفعوا الصوت مطالبين بزيادة أجورهم. لكن طريق هذه المطالبات ليست سهلة بل إن دونها رفض العديد من أرباب العمل حتى البحث في مبدأ الزيادة، بغض النظر عن نسبتها. فيما يقف الإتحاد العمالي العام داعما ما يعتبره مطالب محقة للعمال.

صعود وهبوط

القروض المدعومة من مصرف لبنان كانت واحدة من عوامل البلبلة قبل نهاية العام عندما سرى الحديث عن أن مصرف لبنان طلب من المصارف وقف منحها للمواطنين. لكن لم يطل الأمر قبل أن يوضح المصرف المركزي أن الإجراء موقت. وبالفعل عادت المصارف والمؤسسة العامة للإسكان، لمنح القروض المدعومة من مصرف لبنان، بعد أن أصدر البنك المركزي تعميماً أعلن فيه عن إفادة المصارف من تسليفات بقيمة إجمالية تبلغ مليار دولار في العام 2018. سرى القرار، لكن بقيت التساؤلات متوقفة عند العديد من التراكمات حول محاولات البعض توسّل القطاع المالي اللبناني وتعريض متانته للخطر، مقابل تحقيق مآرب خاصة والإلتفاف على قرارات خارجية.

فالبيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، حمّل حزب الله مسؤولية دعم الجماعات الإرهابية في الدول العربية. وأسس لفرض مزيد من العقوبات المالية عليه لتقييد حركته. هذا التوجه كان تجلّى أصلا في تشديد قانون «باتريوت» الأميركي العقوبات المالية على الحزب باعتباره «منظمة إرهابية»… ربما يكون هذا الهم هو ما سيورثه العام المنقضي إلى العام الجديد، إذ ليس ما يؤشر إلى أن حزب الله في وارد تغيير سلوكه، أو إلى أن العالم في وارد التراجع.

الثابت المتقلّب

حركة القطاع العقاري هي الأخرى تحمل مؤشرات عن اتجاهات الوضع الإقتصادي العام، كونه يمثل واحدا من الركائز الأساسية للإقتصاد اللبناني. وفي هذا الإطار ثمّة من تحدث عن تراجع على هذا الصعيد، خصوصا أن هناك فرقا كبيرا في الحركة بين الشقق الصغيرة وتلك الفخمة والكبيرة. كما أن هناك فرقا في الإتجاهات بين أسعار الأراضي وأسعار الشقق.

وخلال الأعوام الأخيرة، عرف القطاع العقاري اللبناني، لا سيما الشقق الجاهزة، موجات صعود وهبوط متأثرة بالعديد من العوامل المحلية والخارجية. لكن ما استدعى الكلام عن ملامح أزمة في القطاع، هو التراجع شبه المتواصل للأسعار منذ العام 2012 حتى اليوم. هذا الواقع دفع المطورين العقاريين وتجار الأبنية إلى إجراء حسومات على الشقق وصلت إلى 40 في المئة. وفي محاولة لإنقاذ الوضع، بادرت المؤسسة العامة للإسكان إلى خفض أسعار الفائدة على قروضها الجديدة من 4.67 في المئة و5 في المئة إلى 3.25 في المئة و3.50 في المئة. ويهدف الخفض إلى تشجيع الطلب على شراء المساكن، من أجل دعم قطاع البناء وتصريف السيولة بالليرة المتراكمة لدى المصارف، فضلا عن تخفيف حدة التململ الاجتماعي.

أم الأزمات

ختام أحداث العام الذي ما زالت تداعياته قائمة كان استقالة الرئيس الحريري وما تلاها من قرارات وتداعيات سياسية واستطرادا إقتصادية. فاللبنانيون الذين توسموا خيرا مع انطلاق مؤسسات الدولة من جديد، خيبت آمالهم عقبات ونكسات عديدة تلاحقت على مدى أشهر العام، وما كانت التطورات الأخيرة إلا تتويجا لمسار إقتصادي مرتبك لم ينعم بالدفع الكافي لانطلاقة حقا واعدة. وقد كان لهذه الأزمة كلفتها مالياً واقتصادياً بحيث بلغت تدخلات المركزي ملياري دولار وبلغت التحويلات إلى الخارج حوالى الـ 800 مليون دولار عاد قسم منها بعد انقشاع الرؤية وهدوء العاصفة.

وسط هذه المعمعة، ربما يكون الأمر الأبرز الذي أجمع عليه الخبراء هو أن التداعيات الناتجة عن إستقالة الرئيس الحريري، أو المنتظرة من جرائها، ليست وليدة الإستقالة بعينها، بقدر ما هي خلاصة تلك التراكمات السلبية وتضافر العوامل الطاردة للإستثمار والإزدهار والنمو الإقتصادي. وما زاد الوضع سوءا علاقة لبنان مع أشقائه العرب خصوصا الخليجيين والخشية من تأثر مصالح اللبنانيين هناك نتيجة سياسات غير مدروسة من جهة وأخرى لا تقيم وزنا لهذه المصالح من جهة ثانية.

… ويبقى الأمل

وجد معظم الإقتصاديين أن انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وعودة انتظام عجلة الدولة وانطلاق العمل مع بداية العام 2017، أكسب بيئة الأعمال ما تحتاجه من بصيص نور لاستعادة الأمل بانطلاق موعود. واعتبروا يومها أن عامل الثقة هو العنصر الأبرز في عملية التجاوب الإقتصادي، وعودة المؤسسات سبب كاف لمنح هذه الثقة، آملين في أن تظهر بوادر التحسن الفعلي في أسابيع أو أشهر قليلة. في المقابل رأى آخرون أن تحسن المؤشرات الإقتصادية فور انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، غير كاف لإشاعة الثقة إذا لم يترافق مع قرارات إجرائية منتظرة. وبرأيهم، فالإقتصاد الذي يعاني منذ العام 2011، لن يتعافى في أشهر، وأن العام 2017 لن يكون في أحسن الأحوال إلا مرحلة تمهيدية لتحقيق النمو. فهل صدق هؤلاء؟

اليوم وبعد طي العام آخر أوراقه يتبيّن أن الآمال كانت أكبر من الفرص والإمكانيات، ويتأكد أن الأزمات السياسية كانت أوسع من أن تترك مجالا لتحرّك الأعمال والأموال، وها هو العام الجديد يفتح عينيه على واحدة من من هذه الأزمات ويثبط الآمال التي ستظل قائمة علّها تجد في العام الجديد فرصتها في التحوّل إلى وقائع.

أزمات 2017: موازنة وسلسلة وإيجارات وكهرباء… إقتصاد متقلّب ووعود مؤجلة – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل