“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -2-

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” العدد – 1664:

من مرفأ جونية وبواسطة باخرة ركاب انتقل المطران نصرالله صفير الى الفاتيكان في رحلة تخللتها محطات في ثلاثة مطارات: لارنكا وأثينا وروما، حيث التقى لبنانيين باحثين عن ملجأ. كان صفير متسلحًا بإجماع المطارنة الموارنة في لبنان على المطالبة بانتخاب بطريرك جديد معبّرين عن اعتراضهم على قرار تعيين المطران الحلو مدبّرًا رسوليًا، وهو الوحيد الذي لم يوقع على الكتاب وحاول أن يبعد المطرانين صفير وأبو جودة عن بكركي. في الفاتيكان كانت للمطران صفير سلسلة لقاءات قبل أن يتوّج زيارته بلقاء هام مع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني. هناك في هذه اللقاءات اتضحت له الصورة الكاملة تقريبًا حول الظروف التي استدعت اتخاذ قرار تعيين المدبّر الرسولي والطريقة التي تصرف بها البطريرك خريش الذي لم يعلن صراحة استقالته ولا طلب منه ذلك مباشرة البابا، وكان تعيين المدبّر الرسولي هو المخرج لهذه الأزمة البطريركية.

هنا يروي المطران صفير أسرار لقاءاته في الفاتيكان من تاريخ انتقاله بحرًا من جونية حتى ما قبل اللقاء الكبير الأول مع البابا يوحنا بولس الثاني. فماذا حصل خلال هذه الأيام الفاتيكانية للمطران صفير؟

قبل أن يتخذ المطران صفير قراره في ما إذا كان سيغادر مقره في بكركي كان يدرك أنه سيخوض معركة البقاء وأن مركز القرار القابل للمراجعة لم يكن إلا في الفاتيكان. كان يعرف أن الطريق صعب ولكنه كان متسلحًا بالكتاب الذي أجمع عليه المطارنة الموارنة. ومع ذلك كان يدرك أنه ليس من السهل خوض هذه المواجهة مع الكرسي الرسولي.

بعد أربعة أيام على إسقاط الاتفاق الثلاثي، كان الهدوء القلق قد عاد الى المناطق الشرقية بعد فشل محاولات الضغط العسكري على بعض الجبهات في الشمال والمتن الشمالي لمنع سقوط إيلي حبيقة والاتفاق أو لتأمين خروجه من المناطق الشرقية. ذلك اليوم في 19 كانون الثاني 1986، حزم المطران صفير حقائبه متوجهًا الى روما للمشاركة في أعمال لجان الحق القانوني ولعقد سلسلة لقاءات على هامشها مع المسؤولين في الكرسي الرسولي سعيًا الى عقد اجتماع خاص مع قداسة البابا. وربما كان هذا هو هدف صفير الأول من هذه الإقامة الطويلة هناك.

عند الساعة التاسعة والنصف من صباح ذلك اليوم، وصل المطران صفير الى مرفأ جونية قرب القاعدة البحرية. كانت طريق سفره شاقة منذ البداية في ذلك اليوم العاصف من أيام كانون الثاني. كان البحر هائجًا فلم تستطع السفينة الاقتراب من الشاطئ وكان المسافرون من أبناء المنطقة الشرقية يزدحمون عند ذلك المرفأ الذي كان طريقهم الوحيد من لبنان الى الخارج بسبب عدم القدرة على السفر من مطار بيروت. لذلك كان يتم نقل المسافرين عبر قارب صغير الى الباخرة الأكبر التي منعتها الأمواج العالية من الاقتراب من الميناء. كغيره من المسافرين ركب صفير القارب الصغير ومرت في باله على الفور صورة النزوح المسيحي الكبير من السعديات في 19 و20 كانون الثاني 1976 حيث كان أبناء الدامور والجية ينتقلون بالطريقة نفسها الى شاطئ كسروان والى ذلك المرفأ الذي يسافر منه المطران صفير. وتذكر أيضًا كيف أنه انتقل من بكركي الى جامعة الكسليك ليتفقد أوضاعهم. هؤلاء المهجرون مع مهجري الجبل بعد معارك 1983 و1984 كانت لديهم غضبة كبيرة على بكركي وعلى البطريرك خريش، وكانت هذه الغضبة من بين الأسباب التي حملت الكرسي الرسولي على اتخاذ القرار بتعيين مدبّر رسولي مكانه وكف يده. كان المطلوب أن يكون هناك بطريرك قوي وصاحب شخصية هادئ ورصين يعرف بكركي جيدًا ويعرف دورها ليكون على قدر المسؤوليات التي تتطلبها المرحلة.

من القارب انتقل صفير الى السفينة وتوجه الى قاعة الاستقبال وصادف وجود عدد من الشخصيات التي يعرفها فتبادل الحديث مع الياس ربابي وجورج أبو عضل رجل الأعمال المعروف. في منتصف الطريق أصيب المطران صفير بدوار البحر وهو الذي لم يكن معتادًا بعد على السفر في البواخر. استلقى في غرفته وارتفعت حرارته واعتقد لوهلة أنه سيمرض وأنه لن يتمكن من متابعة السفر وقد يعود عبر الباخرة نفسها من قبرص الى جونية وأن مهمته ستفشل. ولكن كل ذلك لم يحصل. فقد تحسنت حالته بعد الوصول الى قبرص حيث أمضى ليلة هناك ثم تابع في اليوم التالي سفره. كانت محطته الأولى في مطار أثينا في اليونان حيث التقى عددًا من اللبنانيين الهاربين من الحرب أو الباحثين عن عمل في الخارج، أو المتوجهين للدراسة في جامعات أوروبا وأميركا. المشهد في مطار أثينا ردّه الى مشاهداته المماثلة في مطار لارنكا. وفي مطار روما حيث حطت الطائرة التي استقلها لم يكن المشهد مختلفاً. وهذا ما ترك في نفسه حزناً بسبب ما آل إليه وضع مطار بيروت من سوء أحوال. في روما توجه من المطار الى المدرسة المارونية بواسطة سيارة تاكسي. عندما وصل وجد باب المدرسة مقفلاً. إنتقل الى مطعم قريب إسمه مطعم الفجر واتصل هاتفيًا بالمطران عيد المسؤول عن المدرسة فأرسل من فتح له الباب.

الموعد الأول الذي كان على جدول زيارة المطران صفير كان في المجمع الشرقي. عندما وصل سأل عن المونسنيور راميزي. قالوا له إنه لا يزال في بولونيا. سأل عن المونسنيور فانتوري المكلف بمتابعة القضايا المتعلقة بالكنيسة المارونية وكان حاضرًا. سلّم عليه وعانقه وانتقلا الى صالون صغير حيث جلسا وتحدثا بالإيطالية. كانت أجواء الخلاف داخل مجلس المطارنة ومع المدبّر الرسولي قد سبقته الى روما. سأله فانتوري عن المدبّر الرسولي وطلب منه إحاطته بإيجابية وتشجيعه ودعمه، خصوصًا أن معلومات وصلت الى المجمع الشرقي وفيها أن المطارنة لا يعاونونه وأنه يشعر بعزلة. لم يتردد صفير في الرد على هذه المعلومات بنفيها، وبالتأكيد أنها زعم لا أساس له من الصحة، وأن المطارنة يعاونون المدبّر وموقفهم المعترض ليس يتعلق بشخصه بل بالطريقة التي تم تعيينه فيها. وأضاف: «إن الحالة تستوجب تعيين بطريرك يتحمل مسؤولية كاملة في هذه الظروف المأساوية التي يتقرّر فيها مصير المسيحيين في لبنان والشرق ومصير لبنان بالذات». كان صفير قد ترجم مجموعة رسائل البابا الى العربية وجمعها في مجلد واحد وحملها معه الى الفاتيكان وقدّم نسخة منها الى فانتوري الذي علّق قائلاً إنه كان من الأفضل لو نشرت الترجمة الى جانب النص اللاتيني ليتسنى للبابا قراءتها، فرد صفير أن هذا الأمر غير قابل للتحقيق في الوقت الحاضر.

بعد هذا اللقاء عرف صفير ما ينتظره في الفاتيكان. عاد الى المدرسة المارونية، وفي اللقاء مع المطران عيد أخبره أن المحامي محسن سليم موجود في روما وأنه تلقى منه اتصالاً هاتفيًا قال له فيه إن لديه موعدا لمقابلة قداسة البابا وسيتوسط معه من أجل العمل على إنقاذه وإنقاذ المسيحيين فيه لأنه يزول من الوجود إذا رحل عنه المسيحيون.

في 23 كانون الثاني 1986 شارك المطران صفير في اجتماعات لجنة الحق القانوني حيث كان على جدول البحث موضوع القوانين المتعلقة بامتداد سلطة البطريرك الى خارج المكان البطريركي أو حدود البطريركية، واستقر الرأي على أن تمتد هذه السلطة إذا كان هناك حق عام أو خاص أقره الحبر الأعظم بإصدار مرسوم خاص به.

بواسطة المطران عيد تم الاتصال بين المحامي محسن سليم والمطران صفير واتفقا على الالتقاء. دعاه سليم الى تناول طعام الغداء في فندق «جون» في روما مع المطران عيد، ودعا أيضًا سفير لبنان لدى الفاتيكان غازي الشدياق والأب باسيل هاشم والمونسنيور توران والمونسنيور غاتي من أمانة سر الدولة البابوية. هناك دار الحديث عن الشؤون اللبنانية وتحدث سليم بحماسة مشددًا على دور البطريركية المارونية في جمع كلمة اللبنانيين. وتطرق الحديث أيضًا الى الأشخاص والقيادات ومواقفهم السياسية والاتفاق الثلاثي الذي يقطع عن لبنان روافده الفكرية في الغرب ويجعل منه بلدًا تابعًا لا كرامة له ولا سيادة. وأشار سليم الى أن سوريا ترغب في مفاوضة المسيحيين في لبنان بواسطة البطريركية المارونية لأنها فقدت الثقة بالزعماء التقليديين من أهل السياسة. وكان واضحًا أن سوريا تلقت ضربة قوية من خلال إسقاط الاتفاق الثلاثي وفشلت في الاختراق السياسي والأمني الذي كانت تخطط له في المناطق الشرقية.

في 24 كانون الثاني 1986 التقى المطران صفير رئيس المجمع الشرقي في روما الكاردينال لوردو سامي. عند الساعة العاشرة والنصف ترك قاعة اجتماعات لجنة الحق القانوني ونزل لمقابلة الكاردينال. قيل له إن لديه زائرين. وبعدما انتظر وقتاً قليلاً جاء من يبلغه أن الموعد قد تأجل الى يوم غد.

عند الساعة الثانية عشرة والنصف قابل المونسنيور ريزي بحضور الأب بروجي. دعاه الى الجلوس على مقعد أمام المكتب وجلس هو وراءه، وبدا مستمعًا ومصغيًا لما سيقوله صفير الذي جاء خصيصًا تقريبًا لهذه المهمة. قال له صفير: «أردنا من خلال هذه الزيارة أن نطلعك على الحالة في لبنان وفي الطائفة المارونية. هل أطلعتم على الكتاب الذي وجهه المطارنة الموارنة عن الحالة؟» من خلال هذا السؤال يتضح أن الكتاب سبق المطران صفير الى روما وأنه جاء ليبحث في مضمونه وليس لتسليمه. وقد تم إرساله عن طريق السفارة البابوية في حريصا. أجابه ريزي: «نعم لقد اطلعت عليه منذ مدة قصيرة وعجبت لأمر وهو إما أن المطارنة لم يطلعوا على استقالة البطريرك المقدمة خطيًا، وإما أن هناك ما يدعو للتساؤل عن القصد من كتابهم». رد صفير: «إن قضية الاستقالة كانت مدار تساؤل ولم تُعرف إلا في ما بعد»، قال ريزي: «لقد أعلن البطريرك خريش على المطار عندما جاء الى روما ونشرت الجرائد أنه سيقدم استقالته، والحقيقة أنه كان مترددًا». وتابع ريزي بينما كان صفير يصغي: «لقد جلس هنا على هذا الكرسي الذي أنت جالس عليه وحاورناه في قضية الاستقالة فكان مترددًا. ثم قابل البابا ولعله كان منتظرًا أن يطلب منه البابا أن يستقيل. لكن هذا الطلب لم يأتِ من البابا لأن البابا لا يريد أن يمس شعور أحد، لذلك وقعنا في الإرتباك وكان لا بد من اتخاذ إجراء فاتخذناه على هذا الوجه»، أي قرار تعيين المدبّر الرسولي المطران الحلو. ولم يكتف ريزي بهذا الحد من المعلومات بل تابع: «كان المطران الحلو وعد أنه سيحمله على الاستقالة وأنه مسموع الكلمة لديه، لكن ذلك لم يحصل على رغم أنه من أقرب الناس إليه».

كان صفير يستمع للمرة الأولى الى هذه المعلومات التي تكشف بعض ما حصل مع البطريرك خريش والمطران الحلو الذي كان مطلعًا مسبقاً على القرار الذي سيصدر. وكان يدرك أنه في مهمة واضحة ومحددة. لذلك قال للمونسنيور ريزي: «إننا كاثوليك ومتعلقون بروما. وما خرجنا عليها يومًا ولن نخرج. لكن التدبير الذي اتخذ كان له وقع غير مرضٍ في أوساط الأساقفة والشعب. لقد قيل لأن الأساقفة منقسمون، ولأنهم لم يأتوا الى المجمع الذي دعوتهم إليه في روما، ولأن البابا غير راضٍ عنهم، لذلك اتخذ التدبير، والوقع غير ذلك. وإن من قال إنه لن يأتي الى روما ولو أتاها الجميع هو المطران الحلو». فقال ريزي: «لقد وقعنا في حيرة مثلكم، وقد فهمنا الآن الجو».

تدخل الأب بروجي وقال: «التدبير أُخذ. وإذا عاد البابا عنه يقال إنه وقع في خطأ وهذا غير صحيح». وتابع ريزي مضيفاً: «لقد جاء في كتاب التعيين أن البطريرك ألح على الاستقالة وكان ذلك إنقاذاً للموقف، أما هو فكان مترددًا». وسأل ريزي صفير: «هل تعتقد أن الأمر ملح لانتخاب بطريرك؟» أجاب صفير: «إن كتاب المطارنة يطلب أن يكون ذلك في أقرب وقت، ولا سيما أن الحالة مأساوية وتتطلب بطريركاً يتحمل مسؤولياته كاملة. ونحن في ظروف يتقرر فيها مصير المسيحيين قاطبة في لبنان وربما في الشرق. وبعد لا يمكن عقد المجمع بعد مضي شهرين نظرًا الى أن دعوة المطارنة لانتخاب بطريرك وتبلّغها يجب أن تتم قبل شهرين».

ويبدو أن توضيحات المطران صفر قد لاقت آذاناً صاغية لدى الكرسي الرسولي، فتطرق الحديث في هذا الاجتماع الى عملية انتخاب بطريرك جديد وآليتها، فتبيّن أن هناك خشية من أن يتجدد ما وقع في المجمع الذي انتخب خريش، حيث أنه بعد مضي 15 يومًا على عقد الجلسات للانتخابات اضطرت روما الى التدخل، وهي لم تكن ترغب بذلك. وقد علق ريزي على هذا الوضع وتابع قائلاً: «لقد اخترنا الحلو وعيّناه مدبّرًا رسوليًا. وقد قيل لنا إن هذا يشكل خطوة على طريق صيرورته بطريركاً، خلافاً لما يصح في الغرب وهو أن المدبّر يذهب ضحية ذلك، وعلى ما يبدو أن عقلية الشرقيين هي غيرها عند الغربيين».

أثار صفير مع ريزي في هذا الاجتماع موضوع الكتاب الذي وجهه المدبّر الحلو إليه والى المطران أبو جودة المتعلق بانتقالهما الى مقر آخر خارج بكركي، وأبلغه أيضًا ردهما عليه لجهة عدم قدرتهما على اتخاذ قرار في هذا الشأن قد يلزمان به البطريرك العتيد بعد انتخابه، مضيفاً «ربما لا يريدنا نوابًا له»، فوافقه ريزي والأب بروجي على هذا الرأي.

وتطرق الحديث أيضًا الى مسألة انتخاب مطارنة جدد، فعلّق بروجي معتبرًا «أن هذا الأمر هدفه أن تتسع دائرة الانتخاب فيسرَّع في انتخاب البطريرك المقبل، وأن ما من أحد يقول إن البطريرك الجديد سيكون من بين المطارنة الجدد المنتخبين. أما القول إن المطارنة الجدد قد يُنتخبون ليّنتخبوا بدورهم شخصًا معيّناً للبطريركية، فلا يصح لكون المطارنة غير ملزمين بانتخاب من لا يريدون انتخابه».

كان واضحًا أنه كانت هناك خشية من مسألة زيادة عدد المطارنة الجدد بحيث يكون هناك توجيه معين لانتخاب بطريرك متفق عليه مسبقاً، وقد جادل صفير ريزي وبروجي في هذا الموضوع. وقبل فضّ الاجتماع ومغادرة المكتب، طلب صفير تحديد موعد له لمقابلة قداسة البابا. سأله ريزي عن الهدف وعن موضوع المقابلة، قال صفير إنه جمع رسائل البابا بعد ترجمتها الى اللغة العربية في مجلد وأنه يريد أن يقدمه إليه. واستأذن صفير للخروج ووقف ووقف معه ريزي وبروجي وتابعوا الحديث في الموضوع وهم يغادرون المكتب، وقد أسرّ ريزي لصفير أن المطران يوسف الخوري صدمه التدبير الجديد المتخذ وشكره على الإيضاحات التي أعطاها.

خرج صفير من هذا الاجتماع مرتاحًا لأنه تمكن من إيصال الرسالة التي يريد إيصالها، والتي جاء من أجلها، وانتظر أن تسمح لقاءاته مع رئيس المجمع الشرقي ومع قداسة البابا بأن تتوضح الصورة بشكل كامل من أجل انتخاب بطريرك جديد.

ـ يتبع في العدد المقبل: لقاء مع قداسة البابا –

“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -1-

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل