









خاص – “المسيرة” – واشنطن – العدد 1682
لم تبدأ قصص الرؤساء الأميركيين وسيرهم الذاتية وممارستهم خلال مدة رئاستهم مع دونالد ترامب. وإذا كان من المسلّم به تاريخيًا أن تتم الكتابة عن أي رئيس بعد انتهاء ولايته، فإن ترامب كسر المعادلة هذه المرة وكانت سيرة حياته وطريقة ممارسته للسلطة وصولاً الى البيت الأبيض محط اهتمام أكثر من قلم تماشيًا مع تداعيات مواقفه وتصرفاته، إن على المستوى الشخصي أو على المستوى السياسي، ذلك أن للرجل حياة حافلة بالإنجازات والتقلبات والعواطف والعواصف.
وإذا كان الرئيس في الولايات المتحدة الأميركية يغادر البيت الأبيض بعد انتهاء ولايته الى منزله لينزوي في التاريخ أو ليبحث عن وظيفة أخرى، فإن ثمة رؤساء كان لديهم الوقت والقدرة على أن يدوّنوا سيرهم الذاتية ودورهم في الأحداث التي رافقت ولاياتهم، وشاركوا في صناعتها. وثمة آخرون تركوا غيرهم يكتب عنهم. تلك العادة الأميركية الرئاسية بدأت منذ أكثر من مئتي عام، ومنذ كان للولايات المتحدة الأميركية رئيس مؤسس هو إبراهام لينكولن الذي كُتبت عنه أكثر من قصة وكان حوله أكثر من فيلم سينمائي.
المفارقة أن تناول الرئيس في واشنطن يبقى أمرًا في متناول اليد من دون أن يضطر الكاتب الى المثول أمام المحاكم، وخير مثال على ذلك ما يحصل مع الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي حاول بعض الكتاب تهشيم صورته.
بين لينكولن وترامب رؤساء كثيرون وقصص كثيرة. قصص تروي تاريخ الولايات المتحدة الأميركية والعالم كله من خلال ما لواشنطن من تأثير في كل أحداث هذا العالم، خصوصًا منذ الحرب العالمية الأولى. ولذلك تبقى هذه الكتب بمثابة شهادات أمام محكمة التاريخ الذي يرفع رؤساء الى مراتب القادة ويُسقط آخرين الى مراتب أدنى.
وفي ما يلي بعض حكايات الرؤساء وبعض ما كتب عنهم.
توماس جيفرسون… مسودات من 200 رسالة
كتاب «توماس جيفرسون» The Life and Selected Writings of Thomas Jefferson الذي حرره الكاتبان «أدريان كوش» و»ويليام بيدين» كنزا لعشاق التاريخ الأميركي ولهواة ما يعرف بالكلاسيكية الحديثة.
فهو خليط لافت للكتابات الشخصية (مسودات عن السيرة الذاتية علاوة على أكثر من 200 رسالة)، بالإضافة إلى أوراق عامة تحتوي خطابين افتتاحيين ونسخا أصلية ومنقحة عن «إعلان الاستقلال».
إبراهام لينكولن خطابات جعلت منه قامة وطنية
حرر «دون إي فيرنباخر» وعلق على الكتاب الذي سطره أبراهام لنكولن: «Abraham Lincoln: Speeches and Writings 1832-1858».
ثمة مجموعتان لكتابات لنكولن، الأولى أسماها الكاتب فريد كابلان «مارك توين سياساتنا» وذلك في نوع من الدعابة، والثانية تعكس شخصية لنكولن رجل الدولة والتي تكشف على نحو أفضل الرجل الذي كتب مئات صفحات الرسائل إلى الأصدقاء والزملاء وإلى زوجته بالإضافة إلى خطاباته الأولى شأن «Fragment on the struggle Against Slavery» الذي كتب عام 1858 والتي جعلت منه قامة وطنية.
وتناولت المؤرخة دوريس غودوين في كتابها «فريق من المنافسين» قصة حياة الرئيس الأميركي «إبراهام لينكولن»، وركزت على المواقف التي اتخذها حيال الحرب الأهلية خلال السنوات الأولى من عقد الستينات في القرن التاسع عشر، وتحدثت عن الفريق الذي اختاره كي يكون إلى جانبه في إدارة البلاد، والذي كان من بينهم أربعة من منافسيه للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لهم لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1860.
تيودور روزفلت
الرئيس الأول في القرن العشرين
من دون منافس
وتبعا لستيفن أمبروز المؤرخ الأميركي وكاتب سيرة الرئيس «ثيودور روزفلت» الذي كتب American Ideal and Other Essays, Social and political، فإن روزفلت يشمخ وحيدا، لا يمكن أن يواجهه أي رئيس آخر في القرن العشرين، بوصفه كاتبا، ودارسا. وإضافة إلى هذا وذاك كان خصب الإنتاج، فقد أنجز 42 كتابا لا يزال البعض منها موجودا في الأسواق.
لقد تم تجاهل روزفلت كمفكر سياسي طويلا. وتم النأي عن مجموعة مقالاته التي كتبها بين عامي 1894-1897 والتي نشرت عام 1900 عندما كان حاكما لنيويورك. وهي لا تزال جديرة بأن يعاد نشرها والوقوف عندها، وفقا للكثير من الأكاديميين والنقاد.
بيل كلينتون… رقم قياسي في المبيع «بالمقامرة»
ترى مجلة «الناشرون» الاسبوعية ان المبلغ المقدم الذي حصل عليه الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون من الناشر الفريد نوف والبالغ عشرة ملايين دولار يمثل «مقامرة» إذا ما أخذنا بالاعتبار التجارب السابقة، وبذلك يتضح ان هذه الكتب تصل الى عدد محدود من القراء وبالتالي لا تخدم كثيراً كاتبها.
ورأى جون أوكس، وهو ناشر أميركي ان ما دفعه الناشر ألفريد نوف هو أعلى رقم مالي دفع لمذكرات رئيس أميركي ويكون كلينتون بذلك سجل رقما قياسيا بعدما كانت مذكرات البابا يوحنا بولس الثاني الذي حصل عام 1994 على مبلغ مقدم بلغ 8 ملايين دولار، واعتبر رقما قياسيا حتى صدور مذكرات كلينتون.
ويؤكد الناشرون ان أيًا من مذكرات الرؤساء الأميركيين المعاصرين لم تحقق مبيعاتها مبالغ تغطي الدفعات المقدمة التي دفعت للرؤساء. لكن الناشرين يرون ان فرص نجاح كتاب كلينتون قد تكون اكبر «فهو متميّز في كل شيء»، بالإضافة الى ان من قام بتحرير كتابه هو المحرر الأبرز في أميركا روبرت غوتلييب محرر الكثير من الكتب التي حصلت على جوائز عالمية. ويذكر ان الناشر نوف سيقوم ببيع الحقوق الخارجية لنشر كتاب كلينتون وقد تدر عليه هذه الخطوة مبلغا يزيد على خمسة ملايين دولار. كما يرى عدد من النقاد ان كتاب كلينتون قد يحقق نسبة مبيعات عالية بشكل اساسي بسبب فضيحة مونيكا، كما حقق كتاب زوجته هيلاري مبيعات للسبب ذاته، وتشير المؤشرات الاولية الى ان الكتاب يحقق بالفعل مبيعات عالية، فقد جاء على رأس قائمة مبيعات موقع «أمازون. كوم» قبل صدوره بأسبوع، ويذكر انه تم اصدار مليون ونصف المليون نسخة عن الطبعة الاولى للكتاب بيعت جميعها، تبعا لما جاء على موقع ال»بي بي سي» الإلكتروني. ويقول الموقع إن كتاب «الساحر السياسي وفنان الهروب» تحدى الساحر الصغير «هاري بوتر» في المكتبة. وقال ناشر مذكرات بيل كلينتون ان مذكرات الرئيس كلينتون سجلت رقما قياسيا في مبيعاتها في اليوم الأول بالنسبة للاعمال غير الروائية، حيث بيع منها 400 ألف نسخة في الولايات المتحدة الأميركية، كما وصلت مبيعات النسخة الصوتية من الكتاب الى 35 ألفا في اليوم الأول.
رونالد ريغان.. وفاته أحيت مذكراته في المكتبات
بعد صدور مذكراته بعنوان «حياة أميركية» عام 1990 قال رونالد ريغان بدعابة: «إنني أسمع عن كتابي بأنه جميل وممتع، وإنني سأقوم بقراءته في يوم من الأيام». وهذا مؤشر على أن مؤلفين «أشباحاً» هم الذين قاموا بتأليف كتابه الذي يتحدث عن الأوضاع داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها وعن حياته الخاصة وعن نفسه كممثل.
ويذكر أن حجم مبيعات الكتاب ازدادت بشكل ملحوظ بعد وفاة ريغان، وأعطت وفاته للكتاب دفعة قوية إلى الأمام ليحتل مركزاً متقدماً على قائمة مبيعات شركة «أمازون. كوم».
ريتشارد نيكسون.. لعنة فضيحة «ووترغيت»
حياة ريتشارد نيكسون اعتبرت «مادة جيدة» لكتاب بسبب فضائحه الكثيرة، وأشهرها فضيحة «ووترغيت» التي اطاحت به واجبرته على الاستقالة من منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية.
كتب كثيرة ألفت عن عهد نيكسون الرئاسي، ولكنه سرد مذكراته في مجلدين بعنوان «مذكرات ريتشارد نيكسون» تناولت القضايا الخارجية، وتحدثت باختصار ومرارة عن فضيحة «ووترجيت» وحاول تبرير ما حدث باعتبار انه كان ضحية لمؤامرة سياسية.
يقول المحللون ان نيكسون قضى حياته منذ خروجه من البيت الابيض بفضيحة حتى وفاته عام 1994 وهو يحاول اعادة ترميم صورته ليذكر في كتب التاريخ كرجل دولة عظيم، ومن اجل تحقيق ذلك، كتب حوالي تسعة كتب تتضمن افكاره حول الرئاسة ومهنة رجل الدولة ويعتبر كتابه «ما بعد السلام»، آخر كتبه وضمنه رؤيته لوضع السياسة الأميركية في تسعينات القرن الماضي وحاجة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات الجيوسياسية بعد انهيار الكتلة الشيوعية، أما كتابه التاسع «انتهزوا الفرصة» فقد ألفه بعد حرب الخليج الثانية وأثناء مرحلة سقوط الاتحاد السوفييتي، ويهدف من ورائه الى تسجيل موقف سياسي يوضح بقوة اهمية اغتنام فرصة سقوط الشيوعية وتربع أميركا وحيدة على عرش العالم ومحاولة ايجاد آلية للهيمنة المستمرة، وشدد على اهمية استمرار التفوق العسكري وعدم الاكتفاء بالتأثير الاقتصادي. وحازت مذكرات ريتشارد نيكسون الكثير من التحليل الأكاديمي ووصفت بأنها مطولة (جاءت في ألف صفحة) وبأنها أفضل سيرة ذاتية تخدم صاحبها لانه بكل بساطة كان يتعين على نيكسون تبرير وتفسير أمور كثيرة.
بنجامين فرانكلين…. يفتح بوابة السير الذاتية
تاريخيا، يعتبر بنجامين فرانكلين (1706 – 1790) أول رئيس أميركي يكتب سيرة حياته في كتاب. وكانت النسخة الاولى من مذكراته قد صدرت بعد وفاته بعام في باريس، ونشرت باللغة الفرنسية، ثم نشرت أول نسخة مترجمة له بعنوان «الحياة الخاصة للراحل بنجامين فرانكلين» في لندن عام 1793.
ويذكر ان مذكراته التي تحمل حاليا عنوان «السيرة الذاتية لبنجامين فرانكلين» والتي صارت عملا من التراث الأميركي! قد كتبت أساسا لابن فرانكلين وهو ويليام الذي كان يشغل منصب حاكم ولاية نيوجيرسي. وكتبت المذكرات على شكل رسائل موجهة لويليام تسجل مسيرة حياة فرانكلين منذ طفولته في بوسطن الى فترة شبابه التي قضاها في فيلادلفيا التي انتهت عام 1757 بإرساله في أول بعثة إلى انجلترا. وتركز المذكرات على إعطاء صورة عن الحياة في فيلادلفيا، كما تتضمن ملاحظات حول الأدب والفلسفة والدين في ذلك الوقت.
كتب فرانكلين الفصول الخمسة الأولى من مذكراته وهو في لندن عام ،1771 ثم استكمل الكتابة بعد ثلاثة عشر عاما في باريس في العامين 1784 ،1785 ثم عاد لها في ما بعد عام 1788 عندما عاد الى الولايات المتحدة الأميركية. وانهى فرانكلين كتابة سيرة حياته عام 1787 عندما كان في الحادية والخمسين من عمره. وتعتبر سيرة حياة فرانكلين من اعظم كتب السير التي صدرت في مرحلة الاستعمار البريطاني لأميركا، ونشرت في 14 فصلا.
ليندون جونسون.. أشرطة سرية تكشف الحقيقة
أصدر الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون كتاب مذكرات بعنوان «نقطة الأفضلية: نظرات رئاسية 1963 ـ 1969» عام 1971 تناول فيه الوقائع السياسية المهمة التي شهدتها فترته الرئاسية، وخصوصا حرب فيتنام.
ويبدو ان هذه المذكرات كانت ستهدف فقط الى إعطاء صورة لجونسون مغايرة تماماً عما كان عليه وضعه في ما يتعلق بالحرب الفيتنامية. في حين كشفت اسرار جونسون الحقيقة، التي أهملها تماما في مذكراته، آلاف الاشرطة التي سجلها شخصيا ما بين العامين 1964 و1965 على جهازه السري والخاص بالتسجيل في البيت الأبيض. وقد نقلت وحللت هذه التسجيلات التي أجازت نشرها أخيرا مكتبة جونسون الرئاسية.
تحدثت مذكرات جونسون انه بدأ الحرب الفيتنامية وكان واثقاً من انتصار أميركا، ففي شهر آب 1965، عندما أرسل جونسون أول مجموعة كبيرة من الجنود المقاتلين على الأرض الى فيتنام أكد لجمهور المستمعين ان «أميركا تنتصر في جميع الحروب التي تخوضها من دون شك». لكن وتبعا للأشرطة فإن جونسون لم يكن يفكر حقا بذلك. فقد كشفت هذه الأشرطة عن أخطر وأصعب سر تمت المحافظة عليه في رئاسة جونسون وهو أنه طوال الأشهر التي صعد فيها جونسون الحرب، كان في مجالسه الخاصة يتوقع هزيمة أميركا في فيتنام.
وأظهرت الأشرطة جونسون رجلا مغلوبا على أمره، خائفا وغاضبا وكثير الشكوك. ويقول المحللون إنه كان يندب مراراً وتكراراً للذين حوله بأنه «مكتئب وخائف حتى الموت»، من ان الحرب ستنتهي بكارثة. وتظهر الأشرطة جونسون بأنه رجل يقوم بأعمال يعرف أنها ستحطمه وتحطم رئاسته والبلاد ولكن يشعر بأنه مجرد كليا من القدرة على كبح نفسه.
ويُسرّ جونسون في الأشرطة بأخطر أفكاره الخاصة الى زوجته بيرد صارخا «لا استطيع ان أخرج من فيتنام ولا أستطيع ان أنهيها بما في حوزتي، ولا أعلم ماذا أفعل، لست مؤهلا مزاجيا لأن أكون قائدا أعلى». ويقول: «إن اتخاذ أي قرار بشأن ما اقوم به في فيتنام، يشبه وجودي في طائرة، وعليّ الاختيار بين تحطيم الطائرة أو القفز منها بلا مظلة».
وتصف زوجة جونسون حالته النفسية المتردية جدا أثناء حرب فيتنام، فتقول إنه كان «شديد الاضطراب ومصابا بالاكتئاب». وتصف الأشرطة مخاوف جونسون وشكوكه التي تزداد حدة بازدياد حدة المعارك في فيتنام، حتى أنه أصبح غير قادر على اتخاد عدد من القرارات الحاسمة في هذا الخصوص.
إذاً يشكل وجود أشرطة سرية لجونسون تتضمن حقائق أخفتها مذكراته المكتوبة والمنشورة دليلا على ان مذكرات الرؤساء تكون عادة موجهة ودعائية أكثر منها واقعية وصادقة.
(يتبع)…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]