غضب الجامعة: ثورة ضد الإحتلال السوري – 2

كتبت “المسيرة” في العدد 1692

كلمة الأب سليم عبو

لمناسبة الإحتفال بعيد الجامعة السنوي في 19 آذار 2002

 

 الدولة والحداثة

يأتي الخطاب الرسميّ باستمرارٍ على ذكر «دولة القانون والمؤسّسات». ولكنّنا لا نعرف أتشكّل هذه العبارة، التي تتكرّر باستمرار، إعلان نوايا، يعبّر عن الرغبة في تحقيق شروط قيام دولة القانون، أم تأكيداً لواقعٍ قائم، يحمل على الاعتقاد بأنّ هذه الشروط قد تحقّقت فعلاً. أمّا الحقيقة فهي أنّ الافتراضَين بلا معنى: فالواقع القائم أبعد ما يكون عن دولة القانون، والنيّة في تحقيق شروطها يناقضها التصرّف السياسيّ للنظام.

إنّ الدولة اللبنانيّة مجهّزة شكليّاً بمؤسّسات الديموقراطيّة البرلمانيّة كلّها، ولكنّها ليست دولة قانون إلاّ بصورةٍ جزئيّة جدّاً. فإنّ تباين الأنظمة القانونيّة المتعلّقة بالأحوال الشخصيّة تُضعف مؤسّساتها الديموقراطيّة في أساسها. ولم تُفلح السلطة المنتَدبة، بين 1920 و 1943، ولا دولة الاستقلال بعد 1943، في القضاء على هذا النظام القديم الذي ورثناه عن السلطنة العثمانيّة، وفي أن تفرض على الطوائف كلّها، في حقل العلاقات العائليّة الأساسيّ، قانوناً مدنيّاً موحّداً. وإن كانت الطوائف المسيحيّة قد تبنّت، في عددٍ من قضايا الأحوال الشخصيّة، وخاصّةً في قضايا المواريث، أحكام القانون المدنيّ، فالطوائف الإسلاميّة والطائفة الدرزيّة تتقيّد بحرفيّة التشريعات الدينيّة الخاصّة بكلّ واحدةٍ منها.

وفي حين طرأت على الأحوال الشخصيّة، في بعض البلدان الإسلاميّة التي تحتفظ الدولة فيها لنفسها بحقّ تفسير الأحكام الدينيّة، تغييراتٌ أساسيّة، كما هي الحال  في تونس، أو طرأ على الأقلّ بعض التعديلات لتلائم التحوّلات التي سبّبتها الحياة الحديثة، كما هي الحال في مصر، فإنّ أيّ تطوّرٍ ما زال ممنوعاً في لبنان منذ ثلاثة أرباع القرن. فثمّة في هذا المجال تكريسٌ لهيمنة الولاءات الطائفيّة هيمنةً مطلقة، بيّنتُ، هنا بالذات، منذ ثلاث سنوات، انعكاساتها السلبيّة على المواطنيّة. فنستطيع بالتأكيد أنْ نتصوّر أنّ تطبيق حقوق الإنسان، في مجال العلاقات العائليّة الحسّاس والخاضع لتقاليد عميقة التجذّر، يمكن أن يكون ثمرة تقدّمٍ بطيء ومتأنٍّ، ولكنّه لا يسعنا القبول بالجمود وبالتحجّر اللذَين يشهدان على لامبالاةٍ  أثيمة بحقوق الإنسان الأساسيّة.

وفي الواقع، إنّ ثبات قوانين الأحوال الشخصيّة المختلفة يكرّس عدم المساواة بين المواطنين وينال من حريّتهم الشخصيّة. ففي حين يتساوون في مجال الحياة الاقتصاديّة والمِهنيّة، التي يرعاها قانون الموجبات والعقود، لا يتساوَون في مجال الحياة العائليّة، التي ترعاها مجموعةٌ كبيرة من القوانين الدينيّة، تختلف مضامينها من طائفةٍ إلى أخرى. ومن جرّاء ذلك، لا يتمتّعون بالحريّة التي تعترف بها الديموقراطيّة عادةً للفرد في ذاته، بمعزلٍ عن ارتباطاته العائليّة والطائفيّة؛ ولا يُعترَف بهم كأفراد، بل كأعضاء تابعين لطائفةٍ معيّنة، شأنهم في ذلك إلى حدٍّ ما، شأن المواطن الحرّ في بلاد الإغريق القديمة، الذي لم تكن هويّته تتحدّد إلاّ من خلال عائلته وعشيرته، ولغته ودينه. وثمّة ما هو أشدّ خطورةً. فإنّ التشريعات العائليّة كلّها المعمول بها في لبنان تكرّس، بنسبٍ متفاوتة، عدم المساواة بين الرجل والمرأة. فلا تتمتّع المرأة عمليّاً بكيان الإنسان المستقلّ بذاته، بل تُعتبَر مِلكاً من أملاك العائلة. ومِن جهةٍ أخرى، فالقانون الجزائيّ اللبنانيّ ما زال حتّى اليوم يمنح، بموجب هذا التصوّر البدائيّ، الأسباب التخفيفيّة لجرائم الشرف.

يبدو من الوهم أن نأمل من لبنان أن يقتدي يوماً بتونس التي لم تتردّد، في وعيها العميق لمقتضيات الحداثة، في منع تعدّد الزوجات والطلاق، ولا في إقرار قانونٍ مدنيّ للزواج والمواريث والتبنّي، ولا في فصلِ الجنسيّة عن الانتماء الدينيّ. ولكن يمكننا على الأقلّ، بل يتوجّب علينا أن نقتدي ببعض بلدان افريقيا السوداء، على ما يذكّرنا به بيار غنّاجه تذكيراً مناسباً، فقد كتب في هذا الخصوص: «رأت الدولة من المفيد، في بعض الأمم المتعدّدة الجماعات، التي تتعايش فيها اتنياتٌ مختلفة شديدة التمسّك بعادات أجدادها، وبتقاليدها، أن تنشئ، إلى جانب القوانين الموروثة، تشريعاً مدنيّاً اختياريّاً، يستطيع مواطنو الاتنيّات المختلفة أن يلتزموا به، وذلك استجابةً منها لدواعي الحداثة، ومن أجل تأمين ممارسة حريّة الضمير. وهكذا فقد منح التشريع للعائلات الجديدة المختلفة التي تتكوّن حقّ الاختيار بين الخضوع للقانون الموروث أو للقانون الحديث» .

فإذا امتلك لبنان الشجاعة ليُقِدم على خطواتٍ مماثلة، مكّنه ذلك من أن يطبّق حقوق الإنسان بطريقةٍ مبتكَرة، من دون أن يمسّ بالمشاعر الدينيّة الحسّاسة، بدلاً من أن يرفض تطبيق هذه الحقوق رفضاً متعنّتاً، مردّه إلى عقدةٍ يصعب تحديد نوعها.

ومن شأن إقرار تشريعٍ مدنيّ اختياريّ، من جهةٍ أخرى، في ميدان الأحوال الشخصيّة، أن يمهّد لإلغاءٍ تدريجي للطائفيّة من العقليّات، تبقى بدونه كلّ فكرة لإلغاء الطائفيّة السياسيّة مجرّد خدعة، وأسلوباً منحرفاً لتغليب قانون الأكثريّة العدديّة، على صعيد الإدارة، إذ لا أحدَ يجهل أنّ معيار الكفاءة، الذي غالباً ما يُكثر المسؤولون من ادّعائه، لا يُقام له عمليّاً أي اعتبار. أمّا السائد، فصراع أقطاب السلطة على النفوذ، بغية انتزاع أفضل الحصص لمصلحة أنصار كلّ واحدٍ منهم، وهم عادةً من طائفتهم. ولَمَا اختلف الأمر لو كانت طوائفنا مجموعات لغويّة، بدلاً من أن يحدّد الدين خصائصها. فليس للطائفيّة أيّة علاقة مباشرة بالدين في ذاته، واسمها الحقيقي هو المحسوبيّة، وهي صيغة متخلّفة من العشائريّة. ويجدر بنا أن نضيف أنّ دولة الوصاية، بواسطة الضغوط المتنوّعة التي تمارسها، إنّما هي التي توظّف محاسيبها، من خلال بعض أقطاب السلطة.

لم تَعُد الدولة اللبنانيّة دولةَ قانونٍ إلاّ بالمظهر، بعد أن أضعفها قانون الأحوال الشخصيّة الذي يجذّر الفرد منذ صغره في طائفته على حساب اندماجه في الأمّة، وقوّض أركانها الصراع على النفوذ بين أقطاب السلطة الذي يذكيه عملاء دولة الوصاية ببراعة، وأفقدتها كلَّ مصداقيّة ممارساتٌ مافيويّة تتجاوز حدود التصوّر. تبقى النيّة في إقامة دولة القانون. إنّ تسبّب المحسوبيّة والفساد في الحؤول دون تحقيق هذه النيّة شيء، وأمّا أن تتسبّب الدولة التي تدّعي تحقيقها بمخالفتها، فأمرٌ آخر. فما هي، في خلاصة الأمر، دولة القانون؟ يحدّدها أحد كبار رجال القانون كما يلي: «إنّ دولة القانون هي الضمانة «العمليّة» للحرّيات وللديموقراطيّة، فلا يمكن أن تتوافر هذه الضمانة فعليّاً بمعزلٍ عن هذه المجموعة من القواعد، وطرق المراجعة، والأصول، والآليّات، والمؤسّسات التي من شأنها مراقبة السلطة في أشكالها كافّةً وحماية حقوق الأشخاص» [16]. وأمّا الدولة التي تدأب على كبت حريّة التعبير عند الشبّان، وعلى خنق توقهم إلى استقلال بلادهم وسيادتها، وعلى تسليمهم إلى لكمات العملاء السرّيين وأعقاب بنادق العسكر، وعلى جرّهم إلى المحاكم ليمثلوا أمام قضاةٍ موجَّهين أو فاسدين، وعلى تيئيسهم لدرجةٍ تدفعهم إلى الهجرة، فهي تحديداً نقيض دولة القانون. وعلينا أن نضيف أنّ النيّة في إقامة دولة القانون في لبنان، ولو كانت واعية وصادقة، لا يمكنها أن تؤدّي إلى نتيجة، لأنّ من نسمّيهم، تأدّباً أو تهكّماً، بأصحاب القرار، هم أبعد ما يكونون عن تبنّيها. ولقد آن الأوان للحديث عن موضوع التواطؤ بين النظامَين، اللبنانيّ والسوريّ.

 

 الدولة المرتَهَنة

يُقال لنا في أعلى مراكز السلطة إنّنا لا نستطيع أن نقارن لبنان بالبلدان المتحضّرة، بل علينا أن نقارنه بجيراننا، وإنّه من بلدان العالم الثالث، وإنّ جيشه بالتالي لا يُمَسّ.

ينطوي هذا التصريح على ثلاثة معانٍ مضمَرة، جليّةٍ بمقدار ما هي مقلقة. فاعتبار لبنان بلداً ينتمي إلى العالم الثالث هو بلا ريب واقعٌ محقَّق، مع أنّه مرّ في ما مضى بمرحلةٍ لم يَعُد فيها اسمه مدرَجاً في قائمة البلدان النامية. ولكن ما هو البلد الذي علينا أن نقارن به بلدنا لنتطوّر ونتقدّم، ونكوّن أمّةً متماسكةً، ونقيم دولة القانون، إنْ لم يكن بالبلدان المتحضّرة ؟ وإن كانت مؤسّسات البلد، من جهةٍ أخرى، متخلّفة، فالمجتمع المدنيّ يشتمل، بخلافها، على نخبة هي على درجةٍ عالية من الثقافة، ينتمي أفرادها إلى الطبقات الاجتماعيّة كافّةً، وهي تُثبت كفاءتها في البلدان الغربيّة أو في غيرها من البلدان، بعد أن تعذّر عليها ممارسة كفاءتها وإثبات تفوّقها في لبنان. ومن المؤكّد أنّه إذا تواصلت الهجرة، سيؤول الأمر بلبنان إلى الغرق في تخلّفٍ مقيم، كما هي حال سوريا منذ أن تشتّتت نخبتها عبر العالم. أمّا الأمران الثاني والثالث اللذان أكّدهما التصريح، فأشدّ خطورةً، لأنّهما يعنيان بصورة ضمنيّة تخلّي لبنان في الوقت نفسه عن الاستقلال والديموقراطيّة. فالقول إنّ «علينا أن نقارن أنفسنا بجيراننا»، يعني أنّ سوريا هي المثال الذي يُحتَذى، بدءاً بعسكرة النظام. والجزم بأنّ «الجيش لا يُمَسّ»، يؤدّي إلى منحه الإذن بانتهاك الدستور، عن طريق تعرّضه للحرّيات، وللديموقراطيّة ولحقوق الإنسان.

تبلغ «سورنة» لبنان شأواً أبعد ولم تتوقّف عن التوسّع. ففضلاً عن التناغم شبه التامّ بين أجهزة المخابرات اللبنانيّة والسوريّة، يقوم تنسيقٌ بين جَيشَي البلدَين، هو في حقيقة الأمر تبعيّة أحدهما للآخر. فقد ولّى الزمن الذي كان ضبّاطنا فيه يقصدون فرنسا أو الولايات المتّحدة للتخصّص، فإنّهم، منذ عقدٍ ونيّف، يستكملون إعدادَهم في سوريا، حيث يتلقّون بمثابة عِلاوة، دروساً في عقيدة البعث. وتقترن بالسيطرة العسكريّة هيمنةٌ سياسيّة متعاظمة. فبعد أن ضمنت سوريا، بفعل الضغوط الوقحة التي مارستها أثناء الانتخابات النيابيّة [19]، أغلبيّةً نيابيّة يضاعف من ولائها لها أنّها تدين لها بمناصبها، صارت تتدخّل في تعيين الوزراء، وهي تنزع متذرّعةً بالحفاظ على التوازن بين سلطَتي رئاسة الجمهوريّة ورئاسة مجلس الوزراء، إلى تعطيل إحداهما بالأخرى. وها هي الآن تتدخّل في تعيين موظّفي الفئة الأولى، مزكّيةً في هذا المجال، على ما يبدو، المطالب الطائفيّة المفرطة التي يرفعها رئيس المجلس النيابيّ؛ فلن يبقى لها قريباً إلاّ أن تهتمّ بتعيين الحجّاب، فهم مهيّأون لأن يكونوا مُخبرين ممتازين.

ولا تسمح سوريا، بعد أن بسطت سيطرتها على سياسة لبنان الداخليّة، بأن تقوم محميّتها بأيّة مبادرةٍ على صعيد سياستها الخارجيّة. ولذلك يمكننا أن نستشفّ غيظها ممّا يحظى به رئيس مجلس الوزراء اللبنانيّ من مكانةٍ على المستوى الدولي. أمّا لبنان الرسميّ، فلا استراتيجيّة لديه غير الاستراتيجيّة السوريّة، ولكنّ هذه الأخيرة تتميّز بأنّها تكتفي باعتماد خطابٍ سياسيّ مختصَر وحَذِر، وتَعهد إلى حلفائها الظرفيّين من «حزب الله» بمهمّة إلقاء خطبٍ ناريّة ضدّ قرارات المراجع الدوليّة أو توصياتها. لا أحد يمكنه أن يُنكر الانتصار الذي حقّقته المقاومة على المحتل الإسرائيليّ، ولكنّنا ما زلنا نذكر الارتباك الذي وقعت فيه دولة الوصاية والدولة الدائرة في فلكها عندما أعلنت إسرائيل عن نيّتها في سحب قوّاتها من لبنان الجنوبيّ: فلقد خسرت سوريّا من جرّاء ذلك ورقة ضغطها على العدوّ. فتمّ إذ ذاك اختراع مزارع شبعا، لتسويغ مواصلة الأعمال الحربيّة. واعتصمت سوريا بالصمت في حين راح لبنان يتحدّى المراجع الدوليّة، مستعملاً أحياناً لهجةً دون كيشوتيّة، رافضاً إرسال الجيش إلى الجنوب وإرجاء البتّ في قضيّة شبعا إلى مفاوضاتٍ لاحقة. ويمكننا على كلّ حالٍ المراهنة على أنّه، إذا انسحبت إسرائيل من هذه المنطقة، فلن نُعدَم الوسيلة لاكتشاف بعض الأمتار المربّعة، في مكانٍ ما على الحدود، تحتاج إلى أن ندافع عنها بقوّة السلاح.

وفي هذه الأثناء، وبينما تتمسّك الدولة اللبنانيّة ومعها حزب الله بالتمييز بين المقاومة والإرهاب، تعلن سوريا عن انضمامها غير المشروط إلى التحالف الدوليّ لمواجهة الإرهاب، وتدعو حتّى الولايات المتّحدة إلى «الإفادة من الخُبُرات السوريّة الناجحة» في هذا المجال، ملمّحةً بذلك إلى عمليّات القمع الدمويّة التي تعرّض لها الإخوان المسلمون، في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات [20]. ومن الممكن جدّاً أن تتعهّد دمشق، في إطار المفاوضات الجارية حاليّاً بين الولايات المتّحدة وسوريا، بضبط حزب الله لتنال مقابل ذلك الضوء الأخضر لبقائها الدائم في لبنان. فإذا حدث ذلك، فإنّه لن يعدو أن يكون نسخةً جديدة للمساومة التي تمّت بمناسبة حرب الخليج. وهل من حاجةٍ إلى التذكير بأنّ التحالفات المسمّاة استراتيجيّة، التي تعقدها دمشق على الأراضي اللبنانيّة كانت دوماً، وبصورةٍ ثابتة، تحالفات ظرفيّة وخاضعة لتقلّبات الأوضاع؟

لقد أنجزت المقاومة الإسلاميّة مهمّتها، عندما اضطرّت المحتلّ الإسرائيليّ إلى الجلاء عن جنوب لبنان، على غرار ما حقّقته المقاومة المسيحيّة في الأمس القريب، عندما أحبطت المشروع الأميركي الرامي إلى تحويل لبنان وطناً بديلاً للفلسطينيّين. فقد آن الأوان لتجاوز هذه المقاومات الطائفيّة ذات الأهداف الوطنيّة، للانخراط في مقاومةٍ وطنيّةٍ فحسب، ديموقراطيّة وتوافقيّة، ترمي إلى تحرير لبنان من كلّ وصاية. ولقد أسعدني على هذا المنبر بالذات، في 19 آذار عام 2001، أن أشير إلى التوافق الذي عجّلت في قيامه شخصيّاتٌ فذّة، تمثّل الطوائف التاريخيّة الكبرى، هي البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ووليد جنبلاط، وعلياء الصلح، والإمام الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، وبعض المواطنين الشجعان أيضاً الذين ينتمون إلى هذه الطوائف. ولقد نزل التوافق اليوم إلى الحلبة السياسيّة، ويتمّ التعبير عنه في حركاتٍ سياسيّة، كلقاء قرنة شهوان، والمنبر الديموقراطيّ، وحركة التجدّد الديموقراطي، ما زالت تشكو من ضعف الحضور الإسلاميّ في صفوفها، في حين أنّ المسلمين يضيقون ذرعاً بالهيمنة السوريّة على مقدّرات الحياة السياسيّة والاقتصاديّة في لبنان – على ما نعرفه ونسمعه منهم في اللقاءات الخاصّة – كالمسيحيّين تماماً في أقلّ تقدير.

تريد سوريا، على لسان مسؤوليها، أنْ تقنع العالم بأنّ «السياسة السوريّة في لبنان ليست سياسة تدخّلٍ في شؤونه»، وبأنّ «الوجود السوريّ فيه هو لخدمة اللبنانيّين»، وبأنّ مَن يطرحون منهم هذا الحضور للمناقشة «لا يمثّلون إلاّ مجموعات صغيرة». ويصحب هذه الشعارات البسيطة التي تُطلَق، سيلٌ مذهلٌ من الأكاذيب والمناورات في إطار حملةٍ منسّقة تشارك فيها أجهزة المخابرات المتعاونة، والحزبان السياسيّان المناديان بسوريا الكبرى، وفريق الموالين أخيراً، الذي يضمّ في صفوفه مَن يوالي عن اقتناعٍ، أو مصلحة، أو إكراه. وأمّا المخيّلة في هذا المجال ففيّاضة، وأمّا سوء النيّة فبارز للعيان. فتُصَوَّر المطالبة بانسحاب السوريّين على أنّها طعنةٌ تسدّد إلى سوريا في ظهرها، واعتداءٌ على وحدة الأمّة، وإحياءٌ لرؤى الحرب الأهليّة. ويُقال لنا أيضاً إنّ أجهزة المخابرات وعملاءها إنّما اعتدوا بطريقةٍ وحشيّة، في آب المنصرم، أمام قصر العدل، على طلاّب مسالمين، لأنّ هؤلاء كانوا يتآمرون على أمن الدولة، ويريدون تقسيم البلاد بمساعدة الإسرائيليّين!

وتُضاف إلى الإرهاب الفكريّ تهديداتٌ ومحاولاتُ تخويفٍ متنوّعة. فتُمارَس ضغوطٌ على عددٍ من أعضاء لقاء قرنة شهوان، وتُقطَع لهم الوعود لحملهم على فكّ ارتباطهم بهذه الحركة؛ ويهدَّد زعماء الحركات الطلاّبيّة بالسجن أو بالتعذيب الجسديّ، أوبتعرّضهم المحتَمَل لحادث سيّارة، أو بصرف والدهم من الخدمة في حال كان موظّفاً في إحدى الإدارات الرسميّة. وتُوَزَّع في عددٍ من الأحياء الإسلاميّة مناشير تحرّض على الحقد الطائفيّ على المسيحيّين لارتكابهم جريمة التعرّض لدولة الحماية. وأخيراً لا يخشى بعضهم أن يثير سخرية الناس عندما يدبّر ظهور عصابة من الملثّمين، في محيط بعض الجوامع، مزوّدين بالهراوات، وسكاكين المطبخ، والفؤوس، وهم يطلقون صيحات التنديد بحقّ مَن يتجرّأ على المطالبة بانسحاب السوريّين. ويُطلِق عيسى غريّب على هذه المظاهرة تسميةً ظريفةً هي «فؤوس الحوار»، ويعلّق عليها قائلاً: «… فلقد وُضع في سلّةٍ واحدة مَن طالب بفتح حوارٍ سلميّ وإنقاذيّ، بهدف إعادة التوازن إلى العلاقات السوريّة اللبنانيّة، ومَن لجأ إلى التهديد المسلّح للحؤول دون قيام أي حوارّ». أوَ ترانا بحاجة إلى أنْ نضيف أنّ حملة الاقتصاص الوحشيّة التي جرت أمام قصر العدل ما هدفت إلاّ إلى إسدال ستارٍ من النسيان على مفاعيل المصالحة التاريخيّة بين الدروز والموارنة، التي كرّستها زيارة البطريرك صفير المظفّرة إلى الشوف، والحؤول دون قيام الحوار الوطنيّ الذي حملت تباشيره؟ ويعود الفضل في تلخيص معاني هذه الحملة الشائنة كلّها، إلى رئيس حزب البعث، المعروف بلياقته، إذ قال: «لن تخرج سوريا من لبنان ما دام العماد إميل لحّود رئيساً للجمهوريّة، ولو ماتوا» .

لا بدَّ في نظري من توافر ثلاثة شروط لتتحوّل الحركات التي تتألّف منها المعارضة إلى مقاومةٍ وطنيّة حقيقيّة للاحتلال السوريّ. أمّا الشرط الأوّل فيقضي بأنْ توسّع هذه الحركات قواعدها وذلك بأنْ تضمّ إلى صفوفها عدداً متنامياً من المسلمين؛ وأمّا الشرط الثاني فيقضي بأنْ تقيم  فيما بينها تنسيقاً أوثق، وذلك عن طريق مشاركتها في وضع خطّة عملٍ منظّمة ودائمة؛ وأمّا الشرط الثالث فيقضي بأنْ تخاطب بصوتٍ واحد البلدان الغربيّة التي من شأنها أنْ تضغط على سوريا، لحملها على أنْ تقوم بعمليّة إعادة انتشار حقيقيّ لقوّاتها تمهيداً لانسحابها النهائي، عوضاً من أنْ تُجري انسحاباً صوريّاً كالانسحاب الذي ولّد في حزيران الماضي آمالاً خادعة، وكان الهدف منه محصوراً، كما بدا، في كسب ودّ فرنسا، عشيّة الزيارة الرسميّة التي قام بها رئيس الدولة السوريّ إلى باريس. ولكن لا تكفي المطالبة بانسحاب القوّات السوريّة وأجهزة مخابراتها وفق برنامجٍ زمني. فيحقّ للمعارضة، التي اسمّيها بطيبة خاطر المقاومة، أنْ تطالب بإلحاحٍ بمغادرة «المفوّض السامي» السوري وبطانته الأراضي اللبنانيّة، وأنْ تطالب بإلحاحٍ أيضاً بتبادل السفراء بين البَلدَين.

 

خاتمة

أودّ أن أنهي كلامي بنبرة تفاؤل، أستعير مسوّغاتها من شخصيّتين مرموقتين، إحداهما سنّيّة، والأخرى درزيّة. فأسمح لنفسي أن أقتبس ممّا قالتاه مقاطع طويلة. تبدأ السيّدة علياء الصلح حديثها بما يشبه الشكوى، فتقول: «نعيش اليوم تناذر أعراض العام الأوّل من عهد الديكتاتور، الذي يسعى فيه نظامٌ عسكريّ جديد إلى إزالة آثار الماضي وإقامة مبادئ جديدة ومعالم استدلال جديدة. ولكنّ الأكثر مدعاة إلى الأسى، هو أنّ الديكتاتور عندنا ليس حتّى لبنانيّاً. فكأنّما بدأ تاريخ لبنان اليوم مع دخول السوريّين بلادنا. وفي نظر المسؤولين الحاليّين، لم يعد لبنان في ذاته موجوداً. فبتنا نقول: «لبنان – الذي – سوريا – شقيقته». وكذلك عندما نتحدّث عن الاستقلال والحريّة، فنبدو موضوع تندّر». ولكنّ علياء الصلح سرعان ما تتمرّد فتقول: «عندما ينتمي المرء إلى بلدٍ يضمّ سبع عشرة طائفة مختلفة، لا يسعه إلاّ أن يدين بالولاء لسيّدٍ واحد، هو الحريّة (…). يولد المرء هنا مع فكرة التعايش، وبالتالي فكرة الحريّة». ثمّ تتّجه نحو الشبّان، فتقول لهم: «في لبنان، ما إن يبلغ الشبّان سنّ الثامنة عشرة حتّى تستحوذ عليهم فكرة الهجرة. إنّها سنٌّ مبكّرة لليأس. فكيف لنا أن ننسى أنّ لبنان كان، في ما مضى، بلد السعادة. فلقد كنّا ننعم هنا بنوعيّة حياة لم تكن متوافرة في أيّ مكانٍ آخر. وكم أودّ أن أروي على مسامع الشبّان أيّام لبنان ذاك لأثير فيهم كوامن الحنين إليه، ولأولّد فيهم الرغبة في النضال من أجل استعادته» .

أمّا الوزير مروان حمادة، فخاطب مباشرةً خرّيجي حَرَم العلوم الطبيّة في جامعة القدّيس يوسف، قائلاً: «أخاطبكم في هذه الأمسية، بعد أن جبت مناطق لبنان كلّها، وأقمتُ روابط  بين عائلتي وطوائفه كلّها. فاستخلصت من تجربتي اللبنانيّة، في مواطن نجاحها وفشلها، أمثولةً أستودعكم إيّاها بعد أن تعلّمتها جيّداً. إنّ لبنان جديرٌ بأن يُحَبَّ لذاته. ويستحقّ أن نعيشه من أجل ما يقدّمه. ويتطلّب منّا أن ندافع عنه لأجل ما يجسّده (…). فلا تدعوا التهديد، أيّاً كان مصدره، يرهبكم، ولا التعصّب أيّاً كان مشربه، يفقدكم توازنكم، ولا الأصوليّات التي تطوّقنا توهن عزيمتكم (…). فعلى الضغط الشعبي والديموقراطيّ أن يستمرّ، ويتّسع، ويتعاظم، حتّى نصل إلى نتيجة ثابتة. إنّ كلّ قرارٍ نتّخذه اليوم بالإغضاء، أو الانكفاء، أو المغادرة، يعادل في حالتنا هذه جرم الامتناع عن إغاثة شخصٍ في حال الخطر. ولمّا كان لبنان هو بالضبط في حال خطر، يتعيّن على نُخبه، وأنتم منهم، أن يلازموه. فعلينا، وعليكم، الاعتصام بالصمود، وإن تمّ التنصّت علينا جميعاً، ووُضِعْنا جميعنا تحت المراقبة، وتمّ رصدنا وتصنيفنا وتبويبنا، والتجسّس علينا. فإنّ خلاص لبنان رهنٌ بذلك. وعليه يتوقّف أمر استكمال استقلاله، واسترجاع سيادته، واستعادة حرّيته، وبناء ازدهاره».

لن أضيف إلى هذه الكلمات البليغة حرفاً واحداً.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: غضب الجامعة: ثورة ضد الإحتلال السوري – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل