مقاومة الجامعة: لا ندعَنّ روح الحرية تضعف فينا – 2

كتبت “المسيرة” – العدد 1692

كلمة رئيس جامعة القديس يوسف ـ بيروت الأب سليم عبو بمناسبة الإحتفال بعيد الجامعة السنوي في 19 آذار 2003

 

المقاومة الثقافيّة

لقد عرضتُ أمامكم بإيجاز، بعضَ المقتضيات المرتبطة بالسعي المطّرد إلى التفوّق والامتياز، وهو الصيغة الوحيدة الممكنة لمقاومة انهيار التعليم العالي في لبنان. ولا يقتصر الأمرُ على ذلك، لأنّ الانهيار الأكاديميّ يرافقه تردٍّ ثقافي يضاعف من خطورته أنّ الثقافةَ في هذه البلاد كما في بلدان أخرى – لا الاقتصاد – هي البنيةُ التحتيّةُ التي يقوم عليها مباشرةً ما هو سياسيّ. وهذا يعني أنّ التردّي الثقافي يؤدّي حتماً إلى انحلالٍ سياسيّ، هو مصدرُ الارتهانات كلّها. ولكنْ هل يُمكننا أنْ نتحدّثَ عن تردٍّ ثقافيّ؟ ألَم يتمَّ إعلانُ بيروت «عاصمةً ثقافيّةً للعالم العربيّ»، في العام 1999؟ أَوَ لَم يستضف لبنان في العام الماضي القمّةَ العربيّةَ والقمّةَ الفرنكوفونيّة؟ أَوَلا يستقبل كلّ عام عدداً كبيراً من معارض الكتب، ومنها «أقرأ بالفرنسيّة وبالموسيقى»؟ أَوَلا يستضيف سنويّاً عدداً كبيراً من المؤتمرات الدوليّة في حقول المعرفة كلّها؟ أَوَلا يشكّلُ المركزَ المفضّل للمعارض الفنيّة أو التكنولوجيّة؟ أَوَ لَم يُحْيِ تقاليدَ المهرجانات العالميّة للمسرح، والموسيقى، والرقص؟ إنّ هذه الاحتفالات الثقافيّة هي بالتأكيد بالغة الأهميّة. فهي تذكّر العالم بأنّ لبنان موجودٌ؛ ولكنْ يبدو أنّ وجودَه في ذاته أو كواجهةٍ لسوريا، سيّان في نظر العالم.

 

إنّ الثقافةَ الأصيلة لا تَرِد من الخارج على شعبٍ يكتفي بتلقّي تجلّياتها، بل تتكوّن في صميم الشعب، منبثقةً من جَيَشانٍ عقليّ وعاطفيّ متواصل، وتعكس روحَه العميقة. وهي تُبدع نماذجَ مُمَيِّزة تحمل قِيَماً عالميّة؛ وهي التعبيرُ المتعدّدُ الأشكال عن التوق الواحد المشترَك إلى المطلق ؛ وهي لسانٌ خاصٌّ ناطقٌ بالحريّة الإنسانيّة. وهي بطبيعتها تتمرّدُ على أشكال الطغيان كلّها. فإذا توقّفت عن القيام بذلك، ارتهنت وجفّت، وولّدت روحَ العبوديّة.

وتُبيّن مرحلتان من تاريخنا الوظيفةَ التحريريّة التي تضطلع بها الثقافة. أمّا المرحلةُ الأولى فتختصُّ بنشوء لبنان المستقلّ في عهد الأمير فخر الدين. يُبرز غسّان تويني في كتابه «مئة عام من أجل لا شيء» الأهميّةَ الحاسمة لإمارة لبنان، فيقول: «إنّها في الواقع مقاطعةٌ عثمانيّة، ولكنّها كانت تقيم علاقاتها الخاصّة بالخارج (…). وكانت هذه الإمارة تقيم علاقاتٍ ثقافيّة وتجاريّة مستقلّة عن السلطنة العثمانيّة، وموجّهة بالتالي ضدّها. وإنّنا لَواجدون في هذه العلاقات، بدءاً من القرن السابع عشر، أوراقَ اعتماد لبنان الكبير والجمهوريّة اللبنانيّة».

 

وأمّا المرحلةُ الثانية، التي مهّدت مباشرةً لانتهاء السيطرة العثمانية، فهي عصرُ النهضة. كلّنا يعرف المسيرةَ التي أفضت بنهضة الفكر والآداب العربيّة، التي كان اللبنانيّون روّادها، إلى أن تَبعث، بتأثيرٍ من الثقافة الغربيّة، شعوراً قوميّاً عربيّاً، يقوم على اجتماع المسيحيّين والمسلمين على مقاومة الهيمنة العثمانيّة ومعارضتِها. وبرز في حركة التحرّر التي تلتها دورُ الجامعات بصورةٍ جليّة. وقد كتب المستشرق بروكلمان (Brockelmann) في هذا الصدد: «لقد استيقظ الشعورُ بالانتماء القوميّ الواحد بتأثيرٍ من الثقافة الفرنسيّة النافذة، المستقرّة في المناطق الساحليّة منذ قرنٍ ونيّف، ومن الأفكار الديموقراطيّة التي نشرتها الجامعةُ الأميركيّة في بيروت».

 

فما هو الدورُ الذي تستطيعُ جامعتُنا أنْ تقومَ به اليوم في تكوين ثقافةِ مقاومةٍ في وجه ثقافة الخنوع التي تتنامى؟ ثلاثُ عباراتٍ تحدّد هذا الدور ، وهي مدوّنةٌ في «رؤيا» جامعة القدّيس يوسف للسنوات الخمس الآتية. فلقد فلقد جاء في هذه الوثيقة أنّه يتعيّن على الجامعة أنْ تظلّ مركزاً للتفكير، والبحث، والابتكار. إنّ التفكير عدوّ الشعارات الفارغة: فالتفكيرُ يقتضي جهداً عقليّاً، في حين أنّ الشعارَ الفارغ يدلّ على خمولٍ ذهنيّ؛ ويهدف التفكيرُ إلى الوضوح، في حين أنّ الشعارَ الفارغ يستطيب الغموض؛ ويتطلّب التفكيرُ شجاعةً، في حين أنّ الشعارَ الفارغَ ينسجم مع الجبن. وحسبنا مثالٌ واحد لتبيان هذه الفروق بينهما. فمنذ ما اصطُلِح على تسميته باتّفاق الطائف، يُعلن المسلمون والمسيحيّون تأييدَهم إلغاء الطائفيّة السياسيّة، من غير أنْ يُعنَوا بالتفكير في ما يُعلنون، ومن دون أنْ يهتمّوا بتبديد الالتباسات الخطيرة التي ينطوي عليها هذا الشعار، والمقاصد الخفيّة التي يُبطنها، والعواقب المترتّبة عليه، مخافةَ أنْ يتسبّب الجهدُ التوضيحيّ في إثارة السجالات.

 

تُقدّم لنا أقوالُ المغفور له الإمام محمّد مهدي شمس الدين في هذا الخصوص مثالاً رائعاً لما هو التفكير وللشجاعة التي يتطلّبها، فقد كتبَ: «إنَّ إلغاء الطائفيّة السياسيّة هو شعارٌ من الشعارات الثابتة في السياسات اللبنانيّة، وقد تبنّيناه؛ تبنّاه «المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى»، وتبنّيناه شخصياً على مدى سنواتٍ طويلة، وعملنا بصيغٍ متنوّعةٍ، بالتعاون مع كثيرين، على بلورةِ هذا الشعار بمشروعٍ للنظام السياسيّ في لبنان لا يقوم على مبدأ الطائفيّة السياسيّة. وقد وضعتُ مشروعيَ الخاصّ في هذا الشأن، وهو «مشروعُ الديموقراطيّة العدديّة القائمة على مبدأ الشورى». ولكنّي تبصّرتُ عميقاً في طبيعة الاجتماع اللبناني، وفي المجموعات المكوّنة للمجتمع اللبنانيّ، وفي طبيعة النظام البرلماني، النّظام الديموقراطيّ البرلماني، الذي يتميّز بخصوصيّاتٍ معيّنة نتيجةً للتنوّع الطائفي.. وتبصّرتُ عميقاً في تفاعلات الفتنة اللبنانيّة، وفي خفايا ما تحمله في ثناياها أفكارُ القيادات في هذه الطوائف، سواءٌ أكانت قياداتٍ سياسيّةً أو قياداتٍ دينيّةً أو قياداتٍ ثقافيّةً، على تفاوتٍ ما بين هنا وهناك… تبيّنَ لي أنَّ إلغاءَ الطائفيّة السياسيّة في لبنان، يحملُ مغامرةً كبرى قد تهدّد مصيرَ لبنان، أو على الأقل ستهدّد استقرار لبنان، وقد تخلقُ ظروفاً للاستقواءِ بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخّلِ القوى الأجنبيّة من هنا ومن هناك. ولذلك فإنّي أوصي الشّيعةَ اللبنانيّين بوجهٍ خاصّ، وأتمنّى وأوصي جميعَ اللبنانيّين مسلمينَ ومسيحيّينَ، أنْ يرفعوا من العملِ السياسي، من الفكر السياسي، مشروعَ إلغاء الطائفيّة السياسيّة، لا بمعنى أنّه يَحرُمُ البحثُ فيه والسعيُ إليه، ولكن هو من المهمّات المستقبليّة البعيدة، وقد يحتاجُ إلى عشرات السنين لينضجَ بحسبِ نُضجِ تطوّر الاجتماع اللبناني وتطوّرات المحيط العربيّ بلبنان».

 

ولا يستقيم التفكيرُ غالباً ما لم يقترن بالبحث، بالمعنى الدقيق للكلمة. ممّا لا شكّ فيه أنّ الوعي والشجاعة يكفيان لتجريد شعار إلغاء الطائفيّة السياسيّة ممّا يخالطه من أوهام. ولكنّ الأمر يختلف عندما يتعلّق بإعداد مشاريع لإصلاح المجتمع والدولة؛ فهذه المشاريع تقتضي دراساتٍ نظريّة مقارِنة وأحياناً تحقيقاتٍ ميدانيّة. لقد سبق لي أنْ دعوتُ علناً في 19 آذار عام 1999، المسؤولين عن الكليّات والمعاهد إلى تأليف لجانٍ مختصّة، متعدّدة الاختصاصات عند الحاجة، مؤهّلة لأنّ تُنتج وتنشر مشاريعَ تمهيديّة تتناول الحقولَ التي ينبغي إصلاحُها، ومن شأنها أنْ تنوّر الرأي العامّ، وقلتُ بالحرف: «إنّ جامعة القدّيس يوسف مدعوّة اليوم إلى التميّز بتقدمةٍ جديدة أقلّ وصفيّة، وأكثر معياريّة، تقدمة نقديّةٍ تتّصف بالعزم والثبات. فواجبها الأخلاقيّ هو تنوير المشترعين، والرأي العامّ، لاعتماد الخيارات الأكثر ملاءمة في مجال الإصلاح، أَتعلّقَ الأمرُ بقانون الانتخاب، أم باللامركزيّة الإداريّة، أم بالتنمية المناطقيّة، أم بالعلاقة بين الانتماء السياسيّ إلى إحدى الطوائف والمواطنيّة المتمايزة، أم بالتشريع المدَني لنظام الأحوال الشخصيّة، أم بالسياسة الصحيّة، أم بحماية البيئة». ثمّ أوردتُ مبادئ ثلاثة منظِّمة ينبغي في نظري أنْ توجّه هذه الدراسات. فلنْ أعودَ إليها هنا.

 

لقد تطوّر البحثُ العلميّ في جامعتنا كثيراً، ولا يسعني إلاّ أنْ أغتبطَ بذلك. فإنّه من الأهميّة بمكان أنْ تكونَ جامعتُنا قد أنشأت قطباً تكنولوجيّاً (بيرتيك) يفتح أمامَ خرّيجيها أبوابَ تأسيس الشركات ويسهّل بصورةٍ أعمّ سبلَ تعزيز البحث. وإنّه من الأهميّة بمكان أنْ تنشر الجامعةُ دراساتٍ تتناول القوانين العربيّة المقارَنة، وأنْ تكشف للدول العربيّة عن مصدر قوانينها، لأنّها تؤدّي من خلال ذلك رسالة لبنان الدائمة تجاه العالم الذي ينتمي إليه. ومن الأهميّة بمكان أنْ تنشر الجامعةُ نتائج أبحاثها المتقدّمة أو أبحاثها السريريّة في حقل العلوم الصحيّة. فمن شأن ذلك أنْ يُكسبها مكانةً، ومزيداً من الكفاءة، ونفوذاً متنامياً في مجال الصحّة العامّة. ومن الأهميّة بمكان أنْ تشارك الجامعةُ في أبحاثٍ تتناول قطاع المياه أو البيئة، وذلك في إطار شبكةٍ من مختبرات الشمال والجنوب تحظى بدعم الاتّحاد الأوروبيّ، لأنّه يدخل في صلب رسالتها أنْ تكون عضواً فاعلاً في المنظومة الجامعيّة الدوليّة؛ وقِسْ على ذلك. ولكنّ ثمّة أنواعاً أخرى من الأبحاث الضروريّة والملحّة. فإنّ التحقيق الميداني الشامل في موضوع «الشباب والعمل والهجرة»، الذي قامت به كليّةُ الآداب والعلوم الإنسانيّة يبيّن الجُهد الباهظ التكاليف على الصعُد كافّة، الذي ينبغي أحياناً أنْ نبذله، لتأمين المعطيات الضروريّة لصياغة مشاريع تمهيديّة موثّقة توثيقاً صلباً، يتمّ التداولُ بشأنها ومناقشتها على أوسع نطاق. لا بدّ من القيام بهذا النوع من الأبحاث إنْ أردنا ألاّ يؤخذَ لبنان على حين غرّة، يوم يتحرّر ويُدعى إلى إعادة تنظيم المجتمع الذي شرذمه المحتلُّ وأعوانُه.

 

لا تتغذّى ثقافةُ المقاومة من التفكير والبحث فحسب، بل أيضاً وخاصّةً من الابتكار. ويفترض الابتكارُ أنْ نتخلّص من آليّات التفكير القديمة أو المعهودة، لنفسح في المجال لتعابير غير مألوفة عن مُثُلنا العليا، وفي هذه الظروف المحدّدة، عن مُثُلنا الوطنيّة العليا، أنْ تنبثق من أعماق ذواتنا، أي من هذه الأعماق التي تتلاقى فيها طاقاتُ الذكاء، والخيال، والشعور، وأنْ تكونَ قادرةً على لَفْت انتباه العالم الحرّ، بفضل جودتها وأصالتها، وعلى إثارة اهتمامِه بهذا البلد الذي تحتلّه قوّةٌ أجنبيّةٌ تعسّفاً، و إثارةِ اهتمامِه بشعبه المولَع بالحريّة. وثمّة طُرُق مختلفة لمقاومة الاحتلال، على ما بيّنتُ منذ عهدٍ قريب لأعضاء مكتب اتّحاد روابط الطلاّب، ومنها: نشاطاتٌ محدّدة، مُعَدَّة إعداداً دقيقاً، وغير متوقَّعة، ومثيرة، أو نشاطاتٌ رمزيّة، لا يمكن أنْ تتعرّض لها أعقابُ البنادق ولا خراطيمُ المياه، أو أيضاً نشاطاتٌ فكريّة مِن شأنها أنْ تضيء الخيارات وتوطّد الاقتناعات.

 

ولم أجد أيّة صعوبة في إقناع الطلاّب، خاصّةً أنّهم كانوا، إذا صحّ التعبير، قد سبقوني إلى ذلك. وجُلُّ ما كان يتعيّن عليهم هو أنْ يكثّفوا الجهود التي يبذلونها في ابتكار هذه الأساليب. واسمحوا لي أنْ أقتبسَ، في هذا الصدد، ممّا كتبه واحدٌ منهم، هو ميشال حاجي جورجيو، في جريدة الاوريان- لوجور، بتاريخ 31 كانون الأوّل 2002: «لا شكّ في أنّ المظاهرات هي سلاحٌ رهيب وضروريّ، وستجد الحركةُ الطلاّبيّة صعوبةً في التخلّي عنه. وهي تؤدّي وظيفةً مزدوجة، في نظر الطلاّب: الاستمرار في وضع اليد على الحيّز العامّ الذي يمثّله الشارع، من أجل التذكير الدائم بالمطالب، وتعريف الأكثريّة الصامتة بها وتوعيتها. ولكنّ هذه المظاهرات تصطدم بقمع قوى الأمن لها، وغالباً ما يتخلّف عن المشاركة فيها الطلاّبُ غيرُ الملتزمين أو الذين يرفضون أنْ يعرّضوا سلامتهم الجسديّة للخطر». ولكنّه يستدرك قائلاً: «ثمّة وسائل أخرى متاحَة للمقاومة». ومن بين النشاطات الرمزيّة التي نظّمها طلاّبُ جامعة القدّيس يوسف، يذكّر «بيوم التضامن مع المزارعين للتنديد بالمزاحمة السوريّة غير المشروعة»، وببيع «الفاكهة والخضار اللبنانيّة في الشوارع احتجاجاً على هذه المزاحمة». أمّا في شأن المقاومة الثقافيّة بالمعنى الحصريّ للكلمة، فيقول: «لقد بلغ عددُ المحاضرات والندوات ذات الطابع السياسيّ، أو الاقتصاديّ، أو الاجتماعيّ، أو الثقافيّ، التي نظّمها الطلاّب ذروتَه في العام 2002. وتجلّى ابتكارُ الطلاّب بصورةٍ خاصّة من خلال تنظيمهم ‘يوم شارل مالك’، في العاشر من كانون الأوّل،احتفالاً بثقافة حقوق الإنسان».

(يتبع)

مقاومة الجامعة: لا ندعَنّ روح الحرية تضعف فينا -1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل