مقاومة الجامعة: لا ندعَنّ روح الحرية تضعف فينا – 3

كتبت “المسيرة” – العدد 1692

كلمة رئيس جامعة القديس يوسف ـ بيروت الأب سليم عبو بمناسبة الإحتفال بعيد الجامعة السنوي في 19 آذار 2003

 

وقد أبرزتُ أمام الطلاّب أهميّةَ الكتابة، ودعَوْتُهم إلى أنْ ينشروا، في الصحافة المحليّة والأجنبيّة، مقالات رفيعة المستوى، تندّد بالظلم، ودعَوْتُهم أيضاً إلى إبداع أعمال أدبيّة، أو فنيّة، أو سينمائيّة، يلهج الناسُ بذكرها، وتنقل رسالةً مشابهة. يسهو عن بالنا أنّ مقاومة الاستبداد العثماني في عصر النهضة، إنّما كانت تتجسّد في الروايات، والقصائد، والمسرحيّات، التي كانت تستحوذ تأييدَ الفرنسيّين وتضامنَهم. وكان الفنّ الأدبيّ الرائج يوم ذاك هو الملحمة والأسلوب الفخم في الكلام. أمّا اليوم، فقد يكون النقدُ الساخر والمهازل هي الفنّ الأدبيّ الأشدّ إفحاماً. فلتتمرّس به المواهبُ الفتيّة. ولعلّه من المفيد التذكير بأنّ ألفرد جرّي (Alfred Jarry)  لمْ يكنْ قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره إلاّ بقليل عندما كتب مسرحيّته أوبو الملك  (UbuRoi)، هذا الكتاب الشهير، الذي ندّد فيه، تحت ستار مسرحيّةٍ هزليّةٍ، لاذعة وكاريكاتوريّة، بغباء الناس، وتخاذلهم، وقسوتهم.

 

وأظنّ أنّي ذكّرت الطلاّب أيضاً بأنّ أبطالَ المقاومة في أوروبا الشرقيّة الواقعة تحت السيطرة السوفياتيّة، كانوا من الكتّاب. ويطيب لي أنْ أقتبسَ هنا كلمات واحدٍ منهم، هو فاكلاف هافل (Vaclav Havel)، عند تسلّمه جائزة ايراسم (Erasme) عام 1986. فلقد قال، وهو يشير إلى مؤلَّف ايراسم الشهير، في امتداح الجنون ( Éloge de la folie): «إنّ ما أوصي به هنا، هو امتلاك الشجاعة لنكون مجانين، مجانين في أجمل ما في هذه الكلمة من معنى». ثمّ أضاف قائلاً وهو يلمّح إلى تجربته الشخصيّة وتجربة رفاقه في المقاومة: «أَوَ ليس مَن تكرّمون اليوم مجنوناً؟ أَوَ لسنا نكرّم من خلاله عشرات المجانين الآخرين بل المئات منهم، ممّن لا يتردّدون في تعريض أنفسهم لسنواتٍ من السجن، حين ينادون، كلٌّ بمفرده، بتغيير ما هو ثابت، وهم على استعداد، بصورةٍ جنونيّة تماماً، لمواجهة السلطة الهائلة التي تتمتّع بها بيروقراطيّة الدولة، والشرطة، بقوّة آلتهم الكاتبة الضعيفة». وتمّ في العام 1989، انتخاب فاكلاف هافل رئيساً لجمهوريّة تشيكوسلوفاكيا المحرَّرَة. ولمّا دُعي، بعد سنة، إلى التحدّث أمام مجلس الشيوخ في جمهوريّة بولونيا المجاورة، خاطبَ برهةً قصيرةً رفاقه البولونيّين في المقاومة، قائلاً لهم: «آدم ميشنيك (Adam Michnik)، وجاسيت كرسون  (JaciteKerson)، ويان ليكنسكي (Jan Lykinski)، أَمَا زلتم تذكرون لقاءَنا السرّي الأوّل عند الحدود التشيكوسلوفاكيّة – البولونيّة؟ كنّا – نحن وأنتم – منشقّين مزعومين، ورجالاً تطاردهم الشرطة، ومسجونين، وكنّا موضوع سخريّة. وكنّا نحن أيضاً بالتأكيد نسخر بدورنا من حرّاسنا، ونفرح بإفلاتنا من قبضتهم، ولكنْ لو أخبرنا أحدُهم يومذاك، أنّنا سنصبح بعد عشر سنوات، نوّاباً، ووزراء، ورؤساء جمهوريّات، لَكُنّا سخرنا منه سخريّةً أكبر. ومع ذلك، فهذا ما قد حدث».

 

المقاومة السياسيّة

إنّ المقاومة الثقافيّة وجهٌ أساسيٌّ من وجوه المقاومة السياسيّة، سواءٌ أتعلّق الأمر بالتفكير الرامي إلى تجريد الشعارات التي يتغذّى منها الخطابُ السياسيّ من أوهامها، أم بالبحث الضروريّ لتحديد رؤيا للبنان المحرَّر ولمشاريع الإصلاح التي تقتضيها، أم بالتجديد الذي يوظَّف في أشكال النضال من أجل التحرير كلّها. ولكنّ المقاومةَ السياسيّة أبعدُ شأواً منها. وليس المطلوبُ منّا بالتأكيد أنْ نقاوم بالسلاح، بل المطلوب أنْ نقاوم باللجوء إلى وسيلةٍ سلميّة هي أحياناً أكثر فعاليّة: ألا وهي الكلمة؛ لأنّه ينبغي ألاّ نقلّل من الشأن الذي يُضفيه على الكلمات ما في النقد، والسخريّة، أو الفكاهة من طاقةٍ تدميريّة. وتستعمل اللغةُ الإسبانيّة كلمةً معبّرة للدلالة على كلّ الذين يخونون وطنهم، قصداً أم عن غير قصد، سواءٌ أأقدموا على ذلك عن سذاجةٍ، أم عن غباء، أم عن طمعٍ. فتُطلَقُ عليهم تسمية «بائعي الوطن» «Vendepatria».

وإنّي أريد أنْ أصف، برسم بائعي وطننا، آليّات الارتهان، وآليّات التبعيّة، وآليّات الرعب، التي يشاركون فيها، شاؤوا ذلك أم أبوا، لعلّي أهزّ ضمائرهم. ولا أنوي، وقد شارفتْ ولايتي على الانتهاء بعد بضعة أشهر، أنْ أُلزمَ الجامعة بمواقفي، فكلامي يُلزمني وَحدي؛ غير أنّي أستند في مواقفي إلى الثقة التي حملتني إلى هذا المنصب.

 

يقدّم لنا التاريخُ أمثلةً كثيرةً لبلدانٍ محتلّة، رأى حكّامُها من المستَحسَن، لخير شعوبهم، أنْ يتحالفوا مع المحتلّ، من غير أنْ يُدركوا أنّهم يقعون في دوّامة الارتهان المُهلِكة. وأكثرُ هذه الحالات شهرةً هو بلا منازع تجربةُ فرنسا في العام 1940. فقد نذر فيليب بيتان (Philippe Pétain) نفسَه لفرنسا، وتقلّد زمامَ السلطة فيها. ونعرف كيف اضطرّ إلى أنْ يلبّي تدريجيّاً المطالب كلّها التي أملاها عليه المحتلُّ: تأليف شبكة من العملاء، وسنّ قوانين معادية للساميّة، وتشكيل ميليشيا مؤيّدة للنازيّة، وشرطة سريّة من النمط نفسه، ثم كيف آل الأمرُ بالمحتلّ في آخر المطاف إلى انتهاك اتفاقيّة الهدنة واحتلال الأراضي الفرنسيّة بكاملها. وقد حُكم على بطل الحرب العالميّة الأولى هذا، والمارشال الفرنسيّ الكبير، بعد انهيار بلد الوصاية، بالإعدام، واستُبدِلت هذه العقوبة بالسجن المؤبّد، ثمّ آل به الأمر إلى أنْ هوى في غياهب النسيان.

من الواضح أنّ الوجود السوري في لبنان قد تحوّل إلى احتلالٍ يستوفي جميع مواصفات الاحتلال، منذ اللحظة التي تمّ فيها انتهاك البندِ الذي ينصّ في اتّفاقيّة الطائف على انسحاب الجيش السوريّ وأجهزة استخباراته بعد مرور سنتَين على تأليف الحكومة اللبنانيّة، أي منذ عقدٍ ونيّف. وقد اشتدّت هيمنةُ المحتلّ تدريجيّاً على الدولة اللبنانيّة، إلى درجة أنّه عطّلَ أو أفسدَ لمصلحته الخاصّة مؤسّسات البلاد كلّها. فحملت التدخّلات الوقحة في الانتخابات التشريعيّة إلى المجلس النيابيّ أغلبيّةً نيابيّة تدين بالولاء لسوريا، ومن بينهم حجّابٌ صاروا نوّاباً بناءً على مجرّد إيعازٍ من الوالي الشاميّ في عنجر، على ما ذكره جهاد الزين في جريدة النهار.

وانطلاقاً من ذلك، أصبح كلّ شيء ممكناً. فتمّ تهميشُ الجيش لصالح المقاومة التي تتلقّى أوامرَها مباشرةً من دمشق تبعاً لمقتضيات خياراتها الاستراتيجيّة، كما بيّن ذلك الصحافيُّ نفسُه. وتمّ تقويض مصداقيّة القضاء من جرّاء تدخّلات سوريا وأتباعها المتواصلة في شؤونه، كما يُقرّ بذلك الرئيسُ السابق لمجلس القضاء الأعلى، نصري لحّود، وهو شقيق رئيس البلاد. وفقد المجلسُ الدستوريّ من أهليّته عندما أبطل انتخاب نائبٍ نبذه أخوه، المقرّب من رئيس البلاد، وهو من أنصار سوريا الخُلّص، وعَيّن مكانه مرشّحاً رديفاً لم يَنَلْ إلاّ 2% من أصوات الناخبين. وقد علّق محرّر افتتاحيّة جريدة السفير، طلال سلمان، على ذلك، متسائلاً: «فماذا يعني موقع نائب (بالزائد أو بالناقص) إذا كنّا قد خسرنا أهمّ ضمانات الممارسة الديموقراطيّة؟!».

 

ويقابلُ ارتهانَ الدولة استتباعُ المجتمع المدنيّ. وقد كتب دانيال روندو (Daniel Rondeau)  في مجلّة الاكسبرس بهذا الصدد: «نعرفُ ما آل إليه اللبنانيّون، وقد أُخضعوا للاحتلال السوريّ، بمباركةٍ أميركيّة، وفي جوٍّ من اللامبالاة الشاملة ومن اللاشرعيّة الدوليّة التامّة». ولقد أمكن تحقيق ذلك لأنّ سوريا نجحت إلى حدٍّ بعيد في إقناع الدول الكبرى بأنّ اللبنانيّين عاجزون عن تولّي شؤونهم بأنفسهم، وبأنّهم، من دون وصايتها، سيتقاتلون من جديد. وهي لا تجد في الواقع صعوبةً لإثبات ذلك ميدانيّاً: فلقد أمعنت في شرذمة المجتمع اللبنانيّ أيّما إمعان إلى حدٍّ بات بوسعها أنْ تتسبّب في اضطرابات داخليّة في كلّ حين، مِن شأنها أنْ تؤيّدَ حجّتها، وهي لا تتوانى في اعتماد ذلك حينما تراه مفيداً لها. فلا بدّ من الاعتقاد، حتّى يَثبت العكس، بأنّ سوريا لا تعتزم تخفيفَ هيمنتها على لبنان. كانَ يُقال لنا في السابق إنّها ستسحب جيشها وأجهزتها ما إنْ ينسحب الإسرائيليّون من جنوب لبنان؛ ثمّ أُكِّد لنا في مرحلةٍ لاحقة أنّه لا يسعها أنْ تنسحب قبل أنْ يجري توقيعُ معاهدة سلامٍ إقليميّة؛ ويتمُّ اليوم إفهامُنا أنَّ «الوجودَ السوريّ قد يبقى ضروريّاً، حتّى بعد حلول السلام، وذلك لحماية الترتيبات المنصوص عنها في المعاهدة، والتي قد تحاول أطرافٌ مخرّبة نسفها».

 

لا يسعنا أنْ نلوم المحتلّ على سعيه إلى تعزيز سيطرته واللجوء في سبيل ذلك إلى تواطؤ عملائه الذين يحتقرُ من دون شك خنوعَهم. ولكنّنا نستطيع أنْ نأخذ على النظام السوريّ وحليفه المحلّي اعتبارَهما اللبنانيّين شعباً من الأغبياء. فمهما بلغت مناوراتهما من الدهاء، فهي تتّسم بسذاجةٍ لا تنطلي على أحد. ومن ذلك: تدبيرُ استقبالٍ، زُعِمَ أنّه حارّ، لوفدٍ شاميّ رفيع المستوى في قلب الجبل، لطمس اللقاء الدرزيّ – المارونيّ المظفّر الذي عُقِدَ فيه لسنتَين خَلَتا؛ وتحويلُ حزبٍ تقليديّ، كان باستمرار حزب الاستقلال، إلى حزب الخضوع، وتسليمُ مقاليده إلى رئيسٍ يسمح لنفسه أنْ يُملي دروساً على المسيحيّين على رؤوس الملأ؛ وإنشاءُ حزبٍ ليكون بديلاً من حزبٍ حُلَّ بقرارٍ رسميّ، وهو يحمل اسمه، ويتزعّمه هو أيضاً مقاومٌ سابق ممّن تمّ تحويله إلى عميل؛ وأخيراً، جمعُ نوّابٍ مسيحيّين طيّعين بهدف مواجهة لقاء قرنة شهوان. فإنَّ هذه التدابير تنمّ على توتّر أصحابها المتنامي إزاء عناد المعارضة، وخلفها، عناد شعبٍ بأكمله، خطيئته الكبرى هي مطالبته باستعادة لبنان استقلاله وسيادته. كلاّ أيّها السادة، ليس الشعب اللبنانيّ شعباً من الأغبياء، وهو لم يتنازل عن روحه.

 

ويُرافق استتباعَ المجتمع المدنيّ بصورةٍ طبيعيّة حملةُ ترهيب. كلّنا يعرف مظاهرَها التقليديّة: القمعُ الوحشيّ، والسجنُ التعسّفيّ، والملاحقاتُ القضائيّة، والتهديداتُ المبطّنة ؛ غير أنّ أجهزة الدولة لا تعدمُ وسائلَ مبتَكَرة في هذا المجال، ومنها: إغلاقُ محطّةٍ تلفزيونيّة مؤيّدة للمعارضة إغلاقاً نهائيّاً، بذريعة أنّها تعكّر صفو السلم الأهليّ، وإن اقتضى الأمر تشريد عائلات موظّفيها الثلاثمئة والخمسين؛ وإلغاءُ مظاهرةٍ قرّر لقاء قرنة شهوان تنظيمها، وذلك بالإعلان عن مظاهرةٍ مضادّة، ممّا أمّن ذريعةً لرفض طَلَبَي الترخيص؛ وتجييشُ زمرةٍ من الادعياء، لمنع نائبةٍ شماليّة من نوّاب المعارضة من دخول مدينة طرابلس، لأنّها تجرّأت على فضحِ حملة الافتراءات التي استهدفتها وهدّدَت بتسمية أصحابها. تلك هي، على سبيل المثال، ثلاثة نماذج لما تتفتّق عنه مخيّلةُ أجهزة مخابرات الدولة المُبدعة. فالمطلوبُ في نظرهم هو أنْ يَعي جميعُ المعنيّين فحوى الرسالة الآتية: تواجه سوريا ظروفاً حَرجة؛ فالمطالبة بانسحابها من لبنان عملٌ مُنكَر، لا يمكن أن يُفيد منه إلاّ العدو.

 

إنّ حملة الترهيب مؤاتية لقيام الدكتاتوريّة. ويشكّل فسادُ الخطاب السياسيّ مؤشِّره وعامله في آنٍ واحد. فتتمُّ في أعلى مراكز السلطة المناداةُ بالوفاق الوطنيّ، في الوقت الذي تُبذَل أقصى الجهود للحؤول بالوسائل كلّها دون قيام الحوار الوطنيّ الذي يسعى إليه الفرقاء كافّة؛ وتتمّ المناداةُ بتخطّي الطائفيّة، في الوقت الذي يدأب المسؤولون على إثارة خلافاتٍ طائفيّة في المناطق بصورةٍ مفتَعَلة؛ وتتمُّ المناداةُ بوحدة البلاد المقدّسة، في الوقت الذي لا ينفكّ المسؤولون يُمعنون فيها تقسيماً وشرذمةً إلى أقصى حدّ. وتُرمى مسؤوليّة ذلك على المواطنين طبعاً، لأنّه يكفي، لتتحقّق هذه المناداة، أنْ يضبطوا خطابهم على إيقاع الخطاب الرسميّ، وأنْ يتبنّوا لغةَ السلطة والفكرَ الواحد الذي ترغب في فرضِه على الجميع. فالعدوّ الداخليّ هو المعارضةُ. ولكنّ صوتاً مسؤولاً يأبى أنْ يردّد هذه اللازمة، فلا يتردّد رئيسُ الوزراء، ولو أفضى به ذلك إلى إغضاب سوريا وحلفائها المحلّيين، في التصريح بما يلي: «إنّ المعارضة ضروريّةٌ جدّاً، ووسائل التعبير مكفولةٌ في الدستور والقوانين. وأتمنّى أنْ نعطي بلدنا فرصةً للتنفّس، حتّى يتخطّى المرحلة الصعبة التي نمرّ بها».

 

ستبقى المعارضةُ ما بقي الالتباس الذي يتحكّم في العلاقات بين لبنان وسوريا. فنأمل ألاّ تقتصر التغيّراتُ التي بوشر مؤخّراً في تنفيذها ميدانيّاً على مجرّد التكتيك فحسب، بل أنْ تشكّل فاتحةً لتحوّلٍ استراتيجيّ يرمي إلى إقامة علاقاتٍ متوازنة بين دولتَين مستقلّتَين وسيّدتَين. وفي انتظار أنْ يتحقّق ذلك، أكرّر القول إنّ واجب التذكّر أملى علينا التنديدَ بالتدابير السلبيّة التي أفسدت العلاقات المميّزة بين البلدَين.

 

خاتمة

أيّها الأصدقاء الأعزّاء،

لن تُتاحَ لي الفرصةُ بعدَ اليوم لأخاطبكم من على هذا المنبر، أقلّه بصفتي رئيساً للجامعة. يتعاقب المسؤولون على هذا المنصب، ولا يتشابهون، وأمّا المؤسّسة فتبقى، وتستمرّ أيضاً رسالتُها الفكريّة، والثقافيّة، والوطنيّة. إنّ رسالة جامعة القدّيس يوسف الوطنيّة بالذات هي التي تواجه اليوم امتحاناً قاسياً، أكثر ممّا تواجهه أوجهُ رسالتها الأخرى. وعلينا، كما يلفت انتباهنا إلى ذلك نقيبُ المحامين الأسبق شكيب قرطباوي، «أنْ نواجه هذه الأوضاع الجديدة التي يتقرّر فيها وجودُ لبنان. ولا أقصدُ – على حدّ قوله – الناحيةَ الجغرافيّة، بل أعني الحريّات، والسيادة، والديموقراطيّة، والوحدة، وأفضل العلاقات الممكنة مع سوريا، من الندّ للندّ. (…) ويقع على عاتق اللبنانيّين واجب الصمود، وعدم الاستسلام إلى اليأس، وأنْ يدركوا أنّ لهم دوراً يقومون به ليستعيد لبنان استقلاله. فما هو هذا الدور؟ إنَّ قوامه هو عدمُ الاقتصار على مطالبة السياسيّين بتقديم كشف حساب فحسب؛ وهو الإقلاعُ عن الوقوف أرتالاً على أبواب السفارات؛ والتمرّس بقول: «لا! لا للاحتلال، ولا للتعاون معه». فلقد كان زولا  Zola)) مصيباً في قولـه: «إنْ كان ثمّة فضيلة ينبغي التمسّك بها، فهي فضيلة الاستنكار».

فلا ندَعَنَّ روحَ الحريّة تضعف فينا !

أمّا المقابل الإيجابيّ للرفض فهو «القدرةُ على أنْ نردّد بلا هوادة ما نرغب فيه»، على ما يذكّرنا به رئيسُ الجمهوريّة التشيكيّة السابق، فاكلاف هافل، فيقول: «نستطيع جميعاً أنْ نُعلن جهاراً مُثُلَنا العليا، وأنْ نسعى جادّين إلى تغليبها ؛ ويُمكننا جميعاً أيضاً أنْ نضحّي في سبيل هذه المثُل العليا بقسطٍ كبير من سعادتنا الشخصيّة إنْ كنّا حقّاً مؤمنين (…) بأنّ ثمّة أموراً تستحقّ أنْ نقاسي من أجلها (…). وباختصار، نستطيع أنْ نفهم أنّ كلّ واحدٍ منّا قادرٌ على تغيير العالم، ولو لم يكنْ ذا شأنٍ يُذكَر ولا صاحب أدنى سلطة. إنّ هذا المبدأ خفيٌّ عجيبٌ لأنّه يحمل فكرةً مدهشةً مفادها أنّ أيّ واحدٍ منّا يُمكنه، بمعنىً من المعاني، أنْ يهزّ العالم. وهو مبدأٌ منطقيّ، لأنّه إذا لم نقرّر، أنا، ولا أنت، ولا هو، ولا نحن جميعا، سلوكَ هذا السبيل، فإنّه لن يكون أيضاً بوسع العالم الذي نعيش فيه، ونشارك في صنعه، ونضطلع بمسؤوليّته، أنْ يتبدّل أبداً». ويختم كلامه بهذه العبارة: «فلنسعَ إلى أنْ نكون مجانين وأنْ نطالب بأقصى ما يُمكن من الجديّة بأنْ يتغيّر ما هو في الظاهر ثابتٌ». وفي الحقيقة، إنّ ألدّ أعدائنا كامنٌ فينا، وهو متجسّد في إغراء الرضوخ للأمر الواقع. وفي حالتنا الراهنة، إنْ كان ثمّة موقف ينبغي أنْ نقاومه، فهو الرضوخ للأمر الواقع.

فلا ندَعَنَّ طعم الحريّة يفسد فينا !

ينبغي أنْ تتوطّد المعارضة، وتتوسّع ولا تحيد عن هدفها المركزيّ : أي المطالبة باستقلال لبنان وسيادته. وينبغي أنْ تتجرّأ الأكثريّةُ الصامتة التي تشاركها المثال الأعلى نفسه، على تحدّي المحظورات، والتعبير عن رأيها. فلنتبنَّ فعلَ الإيمان الذي جاهرَ به عالِمُ الاجتماع الكبير ريمون آرون (Raymond Aron)، عندما قال: «نرتضي مخاطر الحريّات والديموقراطيّة، ونراهن على أنّ النقاش المتواصل لن يحول، رغم كل شيء، دون استتباب السلم الأهليّ، وعلى أنّ تضارب المصالح الفرديّة سيسمح باستخلاص قراراتٍ تلائم مصلحة الأمّة. ونحن نفضّل اضطراب المجتمعات الحرّة وصخبها على السكينة الظاهريّة المخيّمة على الأنظمة التي يدّعي الممسكون بزمام الأمور فيها امتلاكَ الحقيقة ويُلزمون مواطنيهم – أو بالأحرى رعاياهم – بمنهجٍ في التفكير والكلام، وفي الوقت نفسه في العمل. ونحن نختار المجتمعات التي تُعتَبَر المعارضةُ فيها خدمةً عامّة لا جريمة».

فلا نَدَعَنَّ شعلة الحريّة ترتجف فينا!

حضرات الأساتذة، وأفراد الهيئة الإداريّة، والطلبة،

أيّها الأصدقاء الأعزّاء

فلْنَتعهَّد في داخلنا ومن حولنا روحَ الحريّة، وطعمَ الحريّة، وشعلةَ الحريّة !

عاشت جامعةُ القدّيس يوسف.

(انتهى)

 

مقاومة الجامعة: لا ندعَنّ روح الحرية تضعف فينا – 2

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل