زيارة دمشق بمناسبة عيد مار مارون… السبت 9 شباط 1963 – 3

كتبت “المسيرة” في العدد – 1694

 

من دمشق الى بكركي… فإلى قصر صربا… المطران صفير عند الرئيس شهاب (15/2/1963)

12 شباط 1963 ينهي المطران نصرالله صفير زيارته الرعوية، وقد تحولت سياسية بامتياز الى دمشق، ويعود الى لبنان حاملاً معه إنطباعات كثيرة حول وضع الموارنة وسائر المسيحيين في سوريا، وحول العلاقات اللبنانية ـ السورية، وقدر لبنان أن يظل بين نيران الخلافات والتجاذبات العربية وغيرها.

إن كل الإنطباعات الرعوية والسياسية التي حملها المطران صفير من العاصمة السورية أجمعت على الآمال المعلقة على دور البطريرك المعوشي في تسوية الأوضاع المتدهورة بين لبنان وسوريا. وكأن المسؤولين السوريين الذين التقاهم المطران صفير أعطوا شهادة جديدة على مقام وموقع البطريركية المارونية المتجذر في صميم هموم الناس، وفي قلب القضايا العربية الساخنة، وعلى دورها في تعميق الإستقرار في لبنان والمنطقة.

نقل المطران صفير الى البطريرك المعوشي صورة التلبّد في سماء علاقات البلدين الشقيقين من جانب دمشق، وحمل إليه تحيات المسؤولين السوريين وإجماعهم على انتظار دور ما يقوم به بطريرك الموارنة لمعالجة الخلل الحاصل. فما كان من البطريرك المعوشي إلا أن أوفد نائبه الحامل إليه رسائل الشام، الى قصر ذوق مكايل للقاء الرئيس فؤاد شهاب، والتباحث معه في هذه المسائل.

ماذا جرى بين الرئيس اللواء فؤاد شهاب والمطران صفير الساعة العاشرة من قبل ظهر الجمعة 15 شباط 1963؟ الجواب في المحضر الذي كتبه المطران صفير بعد عودته وسلّمه الى البطريرك. يقول: بناء على تكليف غبطة السيد البطريرك طلبت مقابلة فخامة رئيس الجمهورية يوم الأربعاء فأعطيتها يوم الجمعة الساعة العاشرة، وتوجهت الى القصر في صربا وبعد إنتظار عشر دقائق قابلت فخامة الرئيس ونقلت إليه دعاء غبطته، وأعربت له أنه كلفني أن أطلعه على نتيجة الإتصالات التي قمت بها في دمشق بمناسبة عيد القديس مارون والقداس الذي أقمته يوم الأحد في 10 الجاري وقد حضره ممثلون عن فخامة الرئيس (السوري)، ودولة رئيس مجلس الوزراء (السوري)، وأربعة وزراء وعدد من الوجهاء والمؤمنين.

ثم أخبرت الرئيس أني قابلت الفريق زهر الدين والوزير روبير الياس، وشكري القوتلي، والرئيس القدسي، وأوجزت له مقابلة الفريق زهر الدين ثم قرأت له ما كتبت بهذا الصدد، ولما قلت له إن القوم عاتبون أولاً للمتسللين الذين يحاولون إثارة الشغب، وثانيًا لحملات الجرائد، وإنهم ما طوقوا دير العشائر خلافاً لما نشرت الجرائد، وهم لو أرادوا لاجتاحوا لبنان، إنتفض فخامته، وقال: نحن تبعنا خطة ألا نرفع الصوت بالصراخ، إنما أن نعمل ما نعمله بهدوء، هم يريدون إجتياح لبنان فليقفوا أولاً على أرجلهم، لا إن لبنان لن يجتاحوه. ثم راح يشرح السياسة التي يتبعها في لبنان وهي قائمة على جميع العناصر في محبة الوطن، وتحبيب لبنان الى المسلمين الذين يميلون الى عبد الناصر. وقال: السوريون يأخذون علينا أمرين: نشاط السفارة المصرية وهجوم الجرائد عليهم. أما الأمر الأول، فلا يمكنهم أن يثبتوا لنا أمرًا واقعيًا يمكننا أن نلوم عليه السفارة، أن يطلبوا منا طرد السفير وقطع العلاقات، فهذا ما لن نصنعه. وأما الجرائد فيقتضي لنا قانون لنردعها وهذا معناه أننا نكون عطّلنا حرية الكلام، وسرنا بالبلاد في طريق الديكتاتورية، فإذا كان نواب الشعب يرضون بذلك، فأنا أرضى ولكني واثق أن الشعب لن يرضى، وقد لاقينا كثيرًا من الصعوبات في استصدار قانون يعاقب مهاجمة رؤساء الدول، وأظن لا بل أعتقد أن الرئيس القدسي مطلع على موقفي ويفهم نوايانا. وقد زارني هذا الصيف خالد العظم وحاول إقناعي بجر لبنان في خط سوريا، فرفضت فذهب يخبر في صوفر أني مباع لعبد الناصر، ويعلم الله كم أكره عبد الناصر، والعرب أجمعين، ولو لم أكن في الحكم ولو كنت من عامة الناس، لما كنت أضع يدي بيد أحد منهم.

وتابع: قد حاولنا أن نجتمع بالرئيس القدسي إنما اشترطت أولاً أن نتفاهم على نص البلاغ المشترك الذي سنصدره، ونتفاهم على جميع الأمور قبل الإجتماع بحيث يأتي هذا الإجتماع موفقاً فلم يقبلوا، وخالد العظم قال: إن المشكلة بين لبنان وسوريا هي مشكلة سياسية قبل أن تكون اقتصادية، وكلمة واحدة تخرج من فم سياسي لدليل على ما وراءها مما رسخ في ذهن قائلها. فالسوريون لا يرغبون في الإتفاق مع لبنان لغايات لا نعرفها، وعلى الأخص خالد العظم بعينه فهو رجل رأسمالي تهمه مصلحته الخاصة واللبنانيون إذا فتحت لهم أسواق سوريا غزوها بما عرفوا به من مرونة وهدوء، لذلك يقدم السوريون حججا يختبئون وراءها ونحن لا نصدقهم.

أما قضية الناصرية في سوريا، فإني أعتقد أن صغار الضباط هم ناصريون، والرئيس القدسي إذا كان قال لك ما قاله فلأنه لا يجرؤ على قول الخلاف، فهو سجين الجيش الحاكم فعلاً وما رجال السياسة سوى دمى يحركهم الجيش.

وعل كل فإني أعرف خطة السوريين، فهم يريدون أن يشقوا لبنان ليقتتل أبناؤه مثلهم سنة 1958، وما أتيت أنا الى هذا الكرسي لأضرم الفتنة في لبنان فإني أفضل أن أعتزل الحكم ألف مرة ولا أن تعود أيام الثورة، وخطتهم تقوم على إثارة الجميّل ضد إده، واليافي ضد سلام وهكذا غايتهم التفرقة والتقسيم ليسودوا ولكني لن أترك لهم منفذاً.

لقد استلمت البلاد في حالة خراب، فحاولنا أن نجعل منها جمهورية بحيث أصبح المسلمون يعترفون بلبنان ويهتفون له. وهذا كان مجهولاً من قبل لأنه معروف أن المسلمين يميلون الى عبد الناصر فهم لم يجربوه بعد، ويظنون أنهم سينالون السعادة على يده، أما المسيحيون فلبنانيون ونحن حاولنا أن نصهر جميع العناصر في الوطن الواحد.

يريد السوريون أن يعتمدوا على الدروز ومجيد إرسلان، ولكن ماذا يمثل؟ ويريدون أن يعتمدوا على ريمون إده. أمس استدعيت «إبن إده» و «غسلته»، لأنه يوهم الناس في سوريا أنه يمثل شيئاً ليصل الى رئاسة الجمهورية، ولكني جابهته بالحقيقة قائلاً له: قل لي ماذا تمثل ولماذا توهم الناس، كفانا تدجيلاً ومداورة؟

وعلى كل فإني باقٍ على اتصالي مع الرئيس القدسي فيمكنكم أن تطمئنوا غبطة السيد البطريرك الى أننا ساهرون على الأوضاع.

 

تهريب خالد العظم لاجئاً سياسيًا الى لبنان؟ … المطران صفير والسفير الأميركي راين ماير (26/4/1963)

لم تقتصر جولات المطران صفير في ذلك التاريخ على دمشق وبكركي والقصر الجمهوري بل تجاوزتها الى السفارة الأميركية في بيروت، والموضوع ذاته مسعى سياسي متصل بالعاصمة السورية، ولكن هذه المرة يتعلق برئيس الوزراء السوري السابق خالد العظم، ومحاولته الإنتقال من دار السفارة التركية في دمشق الى بيروت كلاجئ سياسي. وكان العظم قد سأل البطريرك المعوشي وساطته لدى الأميركيين بهذا الخصوص. فأوفد المعوشي نائبه المطران صفير الى السفارة وقد كتب خلاصة زيارته تحت عنوان: مقابلة السفير الأميركي في بيروت السيد راين ماير:

طلبت هاتفيًا من الأستاذ معماري مقابلة مع السفير الأميركي من قبل غبطته، فأجاب بعد أن اتصل بالسفير أن المواعيد مأخوذة في هذا اليوم وأنه باستطاعتي مقابلة المستشار السياسي الأول السيد باركر إذا كان الأمر لا يحتمل التأجيل، وإذا كان هناك ما يدعو الى مقابلة السفير فإن هذا يضطر أن يقطع مقابلته مع زميله السفير الأميركي في سوريا، الذي أتى خصيصًا الى بيروت للإتصال به ويقابلني، وتعيّن موعد مقابلة السيد باركر في الساعة الثانية عشرة.

وفي الموعد المعيّن توجهنا الى دار السفارة، وكان يرافقني الأب مبارك فرحات البلدي، وكان القواص بانتظارنا على الرتاج فقادنا الى المستر باركر. وبعد المجاملة أشرت على الأب المرافق بالإنسحاب وجلست إليه فحدثني بالعربية وأكد لي أنه يفهم بهذه اللغة كل ما أريد أن أفضي به إليه. فأخبرته أن الغاية من زيارتي هي أولاً رد الزيارة التي قام بها السفير الى بكركي لتقديم إحترامه لغبطته، ثانيًا شكره على الرسم الزيتي الذي قدمه له، وثالثاً لأعلمه بطريقة سرية أن السيد خالد العظم رئيس الوزارة السورية السابق والموجود حاليًا في دار السفارة التركية في دمشق أرسل من يقول لغبطته أنه يكون ممتناً إذا كان غبطته يتوسط له لدى السفارة الأميركية ليستعملوا نفوذهم لدى أصدقائهم في سوريا ليمهدوا له سبيل اللجوء الى لبنان، وأنهم بذلك يقلدونه ومؤيديه جميلاً كبيرًا.

فقال السيد باركر عندما عرضت عليه هذا الطلب أن في الأمر صعوبة وربما خلق لنا مشكلة مع الحاكمين، ولا بد من أن نسأل السفير عن ذلك ولعل زميله لم يأت بعد فيمكنه أن يقابلك لتسرد عليه الخبر بنفسك. وقام الى الهاتف وكلم السفير وعاد ليقول إن السفير قادم وسيقابلك مقابلة سريعة.

وبعد دقائق حضر السفير الى مكتب السيد باركر فأعدت عليه بالفرنسية ما قلته بالعربية للسيد باركر، فأبدى للأمر كل إهتمام وسأل قائلاً: هل يريدنا السيد خالد العظم أن نتوسط له لدى الحكومة اللبنانية أم السورية؟ فأجابه السيد باركر قبلنا بقوله: لا لدى الحكومة السورية لأني عارف أن الحكومة اللبنانية مستعدة لقبوله كلاجئ سياسي، وقد قرأ ذلك على ما أذكر في الجرائد. فأجاب السفير أتقبله بعد أن شن على لبنان ذلك الهجوم المعروف؟ فأجبناه: ليست هي المرة الأولى التي يتصرف فيها خالد العظم والسوريون إجمالاً مع لبنان على هذا الشكل. وضحك السفير ضحكة فيها شيء من الشك بجدوى مسعاه ثم أضاف أن في الأمر صعوبة، ونحن لا نريد أن يعلم الحكام في سوريا أننا نقوم بهذا المسعى، فإننا سنباحث زميلنا السفير الأميركي في سوريا في الأمر وسنرى، على شرط أن يبقى المسعى سرًا مكتومًا وربما تكللت المساعي بالنجاح إذا كان هناك من يمهد لها كما حدث في قضية السراج الذي هربوه الى مصر.

ثم قلت له إن هناك أمرًا ربما ترامى الى مسامعكم ومفاده أن المطران إيليا كرم مطران لبنان الأرثوذكسي زار غبطته وأبدى له قلقه من الحالة الراهنة والخطر الذي يهدد المسيحيين في هذه البقعة من الشرق إزاء قيام دولة إسلامية كبرى. فأجابه غبطته إن لدينا ضمانات من قبل أصدقائنا الأميركان، أن إستقلال لبنان لن يمس، وأنه لا خوف من ذلك، وعلى كل فإن لكم بين سفراء الدول كروسيا أصدقاء فراجعوهم، واطلبوا منهم أن يؤيدوا إستقلال لبنان. ولكنه راح عن عدم فهم أو عن سوء قصد راح يشيع أن غبطته قال له إن أصدقائنا الأميركان خانونا فهذا ليس بصحيح.

فأصغى السفير الى الحديث الذي قلناه له بالفرنسية، وعاد السيد باركر فأوضحه له بالإنكليزية فضحك ضحكة عريضة وقال: نحن ثابتون على ما قاله حكامنا لغبطته. ونحن نؤيد إستقلال لبنان وإذا كنت دفعت الى الجرائد صورة تمثلني مع غبطته بمناسبة زيارتي الأخيرة الى بكركي، فلكي أسهم في تبديد هذا الجو من الشك حول موقفنا، ولا يمكنني أن أدلي بتصريح للجرائد حول نيتنا في تأييد إستقلال لبنان مخافة إثارة خواطر المسلمين، فنحن لا ندفع عبد الناصر الى الاتحاد الذي يقوم به ولكننا لا نقاومه، وإذا كنا نتعاون معه فلأننا نعتقد أننا نؤدي بذلك خدمة للبنان فنوقفه عند حده إذا كان يطمح به. فنرجو من غبطته ومنكم أن تتابعوا ما أنتم تصرحون به حول هذا الموضوع وهو أن الولايات المتحدة تؤيد إستقلال لبنان وتدافع عنه، ونهض ليعتذر فقلت له إذ ذاك إنه كان بود غبطته أن يدعوه الى الغداء على المائدة البطريركية، ولكن الرياضة السنوية التي سيقوم بها الأساقفة طوال الأسبوع القادم تحول دون ذلك، فسيدعوه بعد الأسبوع القادم، فقال: نعم إننا سنلبي الدعوة بطيبة خاطر، وودع بعد أن دعا معاونه السيد باركر للبقاء معنا وللترحيب بنا. وبعد أن تناولنا القهوة، ودعنا السيد باركر فرافقنا حتى السيارة وكانت الساعة تقارب الثانية عشرة ونصفا.

قال سعادة السفير في سياق حديثه إنه سمع في بعض أوساط المسلمين أن الأحبار النصارى عقدوا إجتماعًا ووضعوا مذكرة يلفتون فيها نظر نظارة الخارجية الى موقف السفير في لبنان ويشكون من مجاهرته في تأييده للجمهورية العربية المتحدة وللاتحاد ولكنه لم يصدق الأمر.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: زيارة دمشق بمناسبة عيد مار مارون… السبت 9 شباط 1963 – 2

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل