رحيل البطريرك المقاوم… 99 عاماً من الايمان لمجد لبنان

على الرغم من ايمانه أن الموت حق، قاوم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الألم حتى اللحظات الأخيرة. قلبه الكبير اعتاد المقاومة على مرّ السنين من أجل مجد لبنان.

رحل البطريرك مار نصر الله بطرس صفير عن عمر يناهز الـ99 عاماً. صفير الذي ولد في 15 أيار 1920، طبع تاريخ لبنان بالأدوار والمواقف السياسية والدينية واللاهوتية التي قام بها، حتى أطلق عليه لقب بطريرك الاستقلال الثاني، وشكل علامة فارقة في تاريخ الشرق الأوسط، المليء بالخضات والتناقضات.

رجل وطني بامتياز، قام بدور محوري في تطورات الوضع اللبناني على الساحة المسيحية الداخلية، وعلى المستوى الوطني. فتح أبواب بكركي أمام جميع اللبنانيين من دون أي تمييز، وشكّل ملجأ لكل المضطهدين والمحاصرين في زمن الوصاية السورية. أطلق في أيلول عام 2000 نداء المطارنة الموارنة الشهير، الذي أشعل شرارة الثورة للمطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان، ورعى اجتماع القوى والشخصيات المسيحية التي اعلنت دعمها لمطلبه وشكلت برعايته “لقاء قرنة شهوان”.

وضع البطريرك صفير مع كل اتفاق حداً للحرب الاهلية، وهو الذي رفض زيارة سوريا، أثناء تبوّئه السدّة البطريركية، لأنها ستفسر على المستوى السياسي فيما شعبه في السجون والمنافي والاضطهاد والملاحقات، وقال “لا أذهب إلا ورعيتي معي”، أي بعد وقف اضطهاد شعبي ورفع يد الوصاية عن لبنان وقراره الحر.

بطريرك استثنائي، عنيد في الحق، وفي التمسك بسيادة لبنان وقراره الحر، وصف ببطريرك الاستقلال الثاني، بسبب الرمز النضالي الذي شكله قبل خروج جيش النظام السوري من لبنان، ولقب ببطريرك المصالحات كونه رعى إحدى أهم المصالحات التاريخية، “مصالحة الجبل” التي تمت عام 2000 بين أهالي جبل لبنان، والتي أفقدت النظام الأمني يومها صوابه، وأطلق على إثرها حملة قمع واضطهاد واعتقالات طاولت آلاف المطالبين بخروج جيش الاحتلال من لبنان، لكن البطريرك صمد مع شعبه ولم يتراجع.

كان صاحب إيمان عميق أن الحق لا بد أن ينتصر، وأن الظلم إلى زوال مهما طال الزمن. تميّز بإرادة صلبة لا تهتز ولا تتزحزح. إرادة من صخر ووعر، تشبه جبال لبنان الواقفة في وجه الزمان، تطويه وتبقى وتستمر ولا تنحني أمام العواصف.

احتار أعداء لبنان والطامعين فيه، معه. لم يلن، ولم يساوم، ولم يتراجع، ولم يستسلم، ولم ينكسر يوما أمام الصعوبات والتحديات والضغوط الشديدة التي مورست عليه للنيل من كرامة اللبنانيين ومن سيادة لبنان وقراره الحر. تشبث صفير بإيمانه بالله وبشعبه، ولطالما كان يردد في زمن الوصاية للخائفين والمحبطين: “إثبتوا ولا تخافوا… دوام الحال من المحال”.

وعلى هذه الصلابة، كان بسيطا في حياته اليومية، قليل التطلب، لا يحب البهرجة، وحافظ على الرغم من المهمات الجسام الملقاة على عاتقه وتصدّيه للأحداث التي عصفت بشعبه، على شخصيته المتواضعة المجبولة بروحانية أسلافه النساك القديسين ونقائهم.

يوم تم تكريمه بمنحه ريشة ذهبية، قال: “من أين لي، اليوم، هذه الريشة الذهبية وأنا لم أفكر يوما بالذهب، بل أمضيت حياتي، واضعا نصب عيني، وذاكرا في صميم وجداني، عبارة بداية الصوم، ومسح جبيني بالرماد، أنني تراب، منه جبلت، واليه أعود. وقد جاهدت، كل حياتي، لاستحق لقب الحقير الذي حمله أسلافنا، السعيدو الذكر، فعاشوا بتواضع وكرامة، وكرسوا ذاتهم للخدمة، يقينا أن ملكوت الله ليس أكلا وشربا لا ذهبا ولا فضة، بل بر وسلام، صفاء ومحبة”.

شهد على انتخاب 13 رئيساً للجمهورية وواكب الحرب اللبنانية الدامية ومآسيها، دافع بمواقفه عن لبنان ولم يهب الاحتلال السوري. احتضن القواتيين في فترة الاضطهاد يوم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في المعتقل. وهو الذي قال لهم عندما زاروه في بكركي، “أتطلع في وجوهكم، وأرى أن بعضكم منذ 10 سنوات لم يكن على علمٍ بما هي القوات اللبنانية ولا بقائدها سمير جعجع. لكنكم شببتم على محبة قائد لم تعرفوه، وفي هذا فضل كبير كبير لكم، لأنكم تلقيتم عن اسلافكم ما أنتم تعتقدونه صواباً.. إثبتوا وحافظوا على إيمان ومبادئ أجدادكم.. نحن معكم”.

صفير هو البطريرك الماروني السادس والسبعون، انتخبه مجلس المطارنة الموارنة خلفًا للبطريرك أنطون بطرس خريش في 19 نيسان 1986. قاد الكنيسة المارونية من بكركي خمساً وعشرين عاماً حتى استقال بداعي التقدم بالسن، ليكون بذلك ثاني بطريرك يقدّم استقالته، وخلفه منذ 25 آذار 2011 البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.

وُلد البطريرك صفير في ريفون – كسروان في 15 أيار 1920، والده مارون صفير ووالدته حنه فهد من غوسطا، وله خمس شقيقات: ماتيلا، جوهرة، أوديت، لور، ميلانه.

أتمّ دروسه الابتدائيّة والتكميليّة في مدرسة مار عبدا هرهريا في عرمون – كسروان، ودروسه الثانوية في المدرسة الإكليريكيّة البطريركيّة المارونيّة في غزير وفي المعهد الإكليريكي الشرقي التابع للجامعة اليسوعية، حيث تابع دروسه الفلسفية واللاهوتية.

في 7 أيار 1950، رقّي إلى درجة الكهنوت، وعيّن خادماً لرعية ريفون وأمين سر لأبرشيّة صربا وأمين سر البطريركية المارونية، ورُقِّي إلى الدرجة الأسقفيّة وعيّن نائباً بطريركياً في 16 تموز 1961.

عيّن مدبراً بطريركياً ورئيساً للجنة التنفيذيّة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان عام 1975 وممثلاً لرئيس مجلس البطاركة الكاثوليك في لبنان لدى كاريتاس لبنان عام 1977، ومستشاراً للجنة الخاصة بإعادة النظر في الحق القانوني الشرقي ومرشداً روحياً لمنظّمة فرسان مالطة، لكنه لم يعين راعياً على أي أبرشية، ومن نائب بطريركي انتخب بطريركاً عام 1986.

شغل منصب رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وشارك في 66 مجمعاً عاماً لسينودوس الأساقفة، وفي جمعية سينودوس الأساقفة الخاصة بلبنان، وسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط. وهو عضو مؤسّس لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك.

شغل منصب رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وشارك في 66 مجمعاً عاماً لسينودوس الأساقفة، وفي جمعية سينودوس الأساقفة الخاصة بلبنان، وسينودس مسيحيّي الشرق الأوسط، وهو عضو مؤسّس لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك.

عين كاردينالاً في 26 تشرين الثاني عام 1994 أي بعد 8 سنوات من توليه البطريركيّة، ثم عين عضواً في المجلس الحبري لتفسير النصوص التشريعيّة الكنسية وعضواً في المجلس الحبري لراعوية الخدمات الصحية.

عرف البطريرك صفير بإتقانه اللغة العربية بامتياز، وإلى جانبها 7 لغات أخرى. وألف كتباً عدة أبرزها: من ينابيع الإنجيل، وغابت وجوه (بجزئين)، عظة الأحد، رسائل الصوم، وكتابي رتبة العماد والزواج، وله أيضاً ترجمات عدة أهمها: يسوع حياة النفس، يسوع المسيح، بالإضافة إلى ترجمة عدد كبير من الرسائل البابوية والإرشادات الرسولية.

تركت أعماله ومواقفه أثراً كبيراً فكتبت عنه عدة مؤلفات: طريق العودة، السادس والسبعون (جزآن)، حارس الذاكرة، الجيل حقًا قام، رحلة إلى أستراليا، صوت الراعي، كما قام الأب أنطوان ضو والإعلامي جورج عرب بجمع وتحقيق الأعمال الكاملة للبطريرك صفير، فيما أعدّ الإعلامي ايلي احوش فيلماً وثائقياً عن حارس بكركي بعنوان “البطريرك”.

تميّز البطريرك صفير بنشاطه “الصامت”، فعلى الصعيدين الكنسي والإداري عيّن نوّابًا بطريركيّين في جبيل، البترون، الجبّه، دير الأحمر، صربا، وجونيه، وترأس سيامة 44 أسقفاً منهم البطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي، وأعلن رتبة القداس الماروني الجديد.

كما شارك في السينودس من أجل لبنان عام 1995 الذي تلته زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى بلاد الأرز في 10 أيار 1997. والعلاقة التي جمعته مع البابا القديس كانت مميزة من نواح عدة، فالبابا يوحنا بولس الثاني أحب لبنان من صميم قلبه وحمل قضيته في مختلف المحافل والمواقع الدولية، وهو البابا الذي خبر الظلم والقمع والاضطهاد في بلده بولونيا فتفهّم ما يعانيه لبنان في ظل الوصاية وصراع المصالح الدولية، ما قرّب وشائج الصلة والتفاهم بينه وبين البطريرك صفير.

ألغى الشراكة وملّك الشركاء بيوتهم في الديمان ووادي قنوبين وبلوزا وسرعل، وأسّس الصندوق الاجتماعي الماروني والصندوق التعاضدي الاجتماعي الصحّي واستصلح أراضٍ في الديمان. كما أنشأ صندوق ضمان المطارنة المتقاعدين المشترك، وعمل على تصنيف وادي قنوبين وغابة الأرز في لائحة التراث العالمي وأسّس المركز الماروني للتوثيق والأبحاث ومؤسّسة البطريرك نصراللّه صفير والمؤسسة والمارونية للانتشار.

على الصعيد العمراني، أنشأ البطريرك صفير جناحاً جديداً جنوب الصرح، يضم قاعات مختلفة، قاعة كبيرة للمحفوظات، مكتبة، قاعة البابا يوحنا – بولس الثاني، غرفاً للأساقفة، وجناحاً شمال الصرح يحتوي على مساكن راهبات وموظّفين ومرافقي الأساقفة، مع قاعة رحبة للمحاضرات ولاجتماعات مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان.

أنشأ ساحة مهيّأة للاحتفالات الدينيّة الكبرى، مقابل مدخل الصرح البطريركي في بكركي، تتضمن خوروس رحب ومذبح، وتتّسع لحوالي 20 ألف نسمة، كما أنشاء قاعة في بكركي باسم البابا يوحنا بولس الثاني إضافة الى ترميم بعض أجزاء المقر البطريركي في قنوبين وإقامة راهبات فيه.

وأنشأ في منطقة زوق مصبح، بناءًا جديداً يجمع المحكمة الروحية المارونية والصندوق الاجتماعي الماروني واللجنة البطريركية للشؤون الليتورجية والأمانة العامة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان ولمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك والمركز الماروني للتوثيق والأبحاث. وبعدما بنى مركز البطريرك صفير الطبي في منزل والده في ريفون، وهبه الى رابطة كاريتاس لبنان لإدارة المركز المذكور والمكتبة والقاعات التابعة له. رمّم كنيسة سيدة لبنان والبيت الفرنسي – اللبناني في باريس وكنيسة سيدة لبنان والبيت الفرنسي – اللبناني في مرسيليا والمدرسة المارونية في روما الذي أعاد فتحها.

قام البطريرك صفير بزيارات رسمية وراعوية إلى الفاتيكان، شمال آسيا، الجزائر، الولايات المتّحدة الأميركيّة، الكويت، قبرص، المانيا، أفريقيا الجنوبية، مصر، الأردن، استراليا، البرازيل، نيجيريا، غانا، شاطئ العاج، توغو، بنين، السنغال، كندا، الأرجنتين، المكسيك، الأورغواي، بلجيكا، سويسرا، السويد، بريطانيا، قطر واسبانيا، وأسهم في الكشف عن نفوس الكنوز الروحيّة في الكنيسة المارونيّة، وكان له دور بارز في إعلان تطويب وتقديس عدد كبير من أبناء الكنيسة المارونيّة اللبنانية.

شارك البطريرك صفير في روما، بحدث إعلان الراهب اللبناني الماروني الأخ شربل مخلوف طوباوياً وقديساً، وشارك في إعلان الأخت رفقا الراهبة اللبنانية المارونية مكرّمة ثمّ طوباويّة وقدّيسة، وفي إعلان الأب نعمة اللّه الحرديني الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباوياً وقديساً، وفي إعلان الأخ اسطفان نعمة الراهب اللبناني الماروني مكرّماً ثمّ طوباويًا وترأس صفير تطويب نعمة بتكليف من الحبر الأعظم.

من أبرز أقوال البطريرك صفير التي طبعت في أذهان اللبنانيين، “نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طِوال مئات السنين لِيسلم لنا الايمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ ولتَبقى لَنا الحُريّة التي إذا عُدمناها عدِمنا الحياة”.

توجه الى اللبنانيين بإحدى الرسائل قائلاً، إن “الظرف يقتضي منا جميعاً ان نتناسى، ونغفر ونصفح لأن كلّاً منا قد يكون أخطأ وهو بالتالي بحاجة الى توبة، هي عودة الى الله عبر الأخوة”.

قال عن الرئيس الشهيد بشير الجميل إنه “استشهد لكن أحلامه الجميلة باقية”، وأن من واجباته أن يعمل على تحقيق القضية التي استشهد لأجلها، وقال عنه أيضاً إنه “سطع نجماً كبيراً في سماء لبنان”، وهو نفسه كان نجماً كبيراً سطع في سماء لبنان.

قال عنه أيضاً إن “ذكراه ستبقى مشتعلة في الخواطر والضمائر وجوانب التاريخ”، وهو نفسه ستبقى ذكراه مشتعلة في الخواطر والضمائر وجوانب التاريخ. في آخر تصريح له تمنى البطريرك صفير ان ينصفه التاريخ وان يكون موضوعياً معه.

بعد استقالته، ظلّ البطريرك صفير مقيماً في بكركي وعضواً في مجمع أساقفة الكنيسة المارونية، متنحياً بالتالي عن رئاسة مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وكذلك كاردينالاً للكنيسة الجامعة وهو اللقب الذي منحه إياه البابا يوحنا بولس الثاني عام 1994.

في الفترة الأخيرة، دخل صفير مراراً الى مستشفى “أوتيل ديو” ـ الأشرفية بسبب التهابات كثيفة بالرئتين والمسالك البولية، وتعرّض السنة الماضية الى الحالة الصحية نفسها وتمت معالجته واستقرت صحته وعاد الى بكركي.

طوى آخر صفحات تاريخه المجيد، اليوم 12 أيار عام 2019. لن تكفي هذه الكلمات بالتأكيد لإيفاء هذا البطريرك العظيم حقه، وإبراز ما صنعه من أمور عظيمة في سبيل عزة وكرامة شعبه، وفي سبيل وطنه لبنان. كتب ومجلدات وحلقات وربما أفلام عدة لن تفيه حقه. قليلون هم الرجال من هذه الطينة المباركة الذين عرفهم التاريخ، ولا يتكررون إلا في ما ندر. بطريركنا الدائم إلى الأبد علّمنا أن الثبات في الحق هو الطريق نحو الخلاص، وأن ما من ظلم إلا وسيزول، وأنه، رغم “هذه الأيام البائسة”، مجد لبنان باق إلى الأبد طالما تمسّكنا بإيماننا وثبتنا على خطى الأجداد في الحق والحرية.

البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الكبير، الفارس القديس المحبّ، الذي “مجد لبنان أعطي له”، “أتم سعيه وحفظ إيمانه” وثبت على خطى أسلافه النساك المباركين وحفظ لبنان، سيبقى خالداً خلود أرز لبنان في وجدان الكنيسة المارونية وأبنائها وفي ضمائر جميع اللبنانيين. سيبقى معلّما ومرشداً وقائدا ونورا تهتدي به الأجيال، ليبقى لبنان بقاء الله في الأزل.

إقرأ أيضاً:

الكاردينال صفير في ذمة الله

مات البطرك صفير؟! مستحيل!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل