#adsense

صفير بين سركيس والجبهة اللبنانية وبكركي – 2

حجم الخط

كتبت “المسيرة” – العدد 1694

في نيسان وأيار 1977، كان لبنان على مفترق طرق بعد عام واحد على انتخاب الياس سركيس رئيسًا للجمهورية، وبعد سبعة أشهر على تسلمه سلطاته الدستورية والدخول في مرحلة من السلام الهش، بعدما تبنت قمة الدول العربية في القاهرة ما تم التوصل إليه في قمة الرياض المصغّرة والمتعلق بإرسال قوات ردع عربية الى لبنان شكلت القوات السورية أكثريتها الطاغية.

ذلك السلام الهش بدأ بالأفول نتيجة عدم حل الميليشيات وجمع السلاح وتطبيق «إتفاق القاهرة». وما سرّع في عملية التحوّلات والإنهيار، إتجاه مصر لتوقيع إتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب دايفد وزيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس.

يوم الجمعة العظيمة، في 8 نيسان 1977، كان المطران صفير يقابل الرئيس الياس سركيس في قصر بعبدا لينقل إليه هواجس بكركي من إحتمالات إنهيار السلام وعودة الحرب، من دون إغفال الحرص على المحافظة على التمثيل المسيحي والماروني في التعيينات الجديدة في الإدارة.

في 14 أيار زار المطران صفير القصر الجمهوري مرة ثانية، وقد أسرّ له سركيس: «ما سأقول لم أبح به من قبل لأحد، إنما قلته بالأمس للشيخ بيار الجميل، وأقوله لسيادتك اليوم ليطلع عليه غبطته، وهو أن الوضع لا يخلو من صعوبة، وأن التقدم بطيء وهناك عراقيل لبنانيًا وعربيًا ودوليًا».

في ذلك اليوم، عرف صفير من الرئيس سركيس أنه ينتظر مجيء الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» صلاح خلف» أبو أياد» لمقابلته سرًا وبإسم مستعار، وقد كشف له أيضًا عن خوفه من أن يأخذ النظام السوري حجة مواجهة «التقسيم» للإبقاء على قواته في لبنان.

في 17 أيار من العام نفسه، إلتقى أعضاء الجبهة اللبنانية مع البطريرك خريش في بكركي بحضور المطران صفير. الخوف من عودة الحرب كان هاجس الجميع الذين كانوا متفقين على «أننا نريد أن نعيش بحريتنا ونحافظ على حضارتنا وتقاليدنا، ونأبى أن نعيش كالمسيحيين في البلدان العربية». في اليوم التالي حمل المطران صفير هذه الأجواء الى الرئيس سركيس في قصر بعبدا، بالإضافة الى مذكرة أعدّها حول هجوم الجيش السوري على بلدة بلاّ في قضاء بشري وتهجير أبنائها.

تلك كانت بوادر ما ينتظر لبنان على يد جيش النظام السوري ومؤشرًا أول لانهيار السلام الهش وبدء سلسلة من الحروب التي كان لـ»القوات اللبنانية» فيها شرف الدفاع عن لبنان، وللبطريرك صفير شرف تولّي المواجهة بالكلمة والموقف حتى خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، تاريخ عودة النظام السوري الى سوريا وعودة لبنان الناقصة الى لبنان… المطران صفير عند الرئيس الياس سركيس.

 

أخطار التقسيم وموقف سوريا

14 أيار 1977… المطران صفير عند الرئيس سركيس

بعد إتصال غبطة البطريرك خريش بالرئيس سركيس في 13 أيار يوم الجمعة، تحدد موعد زيارة المطران صفير الى القصر الجمهوري في بعبدا صباح السبت الساعة التاسعة والربع. وصل صفير الى القصر قبل الموعد بنحو ثلث ساعة وسأل عن المديرين العامين كارلوس خوري ورامز الخازن، فلم يكونا قد أتيا الى مكتبيهما. وانتظر في القاعة بضع دقائق ثم أدخله العقيد ناصيف على فخامته.

 

تقدم بطيء وعراقيل

بعد المصافحة، نقل المطران صفير تحيات غبطته وأمانيه الى فخامته بمناسبة مرور سنة على انتخابه رئيسًا للجمهورية، فشكر وطلب الدعاء. وسأله المطران رأيه في الوضع العام، وهذا ما يهم غبطته ويود الوقوف عليه. وصمت فخامته مقدار دقيقة ثم قال: ما سأقول لم أبح به من قبل لأحد، إنما قلته بالأمس للشيخ بيار الجميل، وأقوله لسيادتك اليوم ليطلع عليه غبطته، وهو أن الوضع لا يخلو من صعوبة، وأن التقدم بطيء وهناك عراقيل لبنانيًا وعربيًا ودوليًا.

1-العراقيل اللبنانية تأتي من الجانبين. وقد قلت للشيخ بيار الجميل: إذا كنتم تريدون أن ينسحب الجيش السوري من لبنان، فلا يمكنكم أن تستمروا في الطريق الذي تسلكون. وإذا كنتم تريدون جامعتين وإعلامين وجيشين، فهذا معناه تثبيت أقدام السوريين في لبنان. لقد أتوه لمنع التقسيم وأنتم تسعون الى التقسيم، والتقسيم معناه فشل السوريين في دخول لبنان، ومعناه كذلك تفجير الوضع عندهم في سوريا، ذلك أن التقسيم في لبنان لن يقف عند حدود لبنان فقط، وهذا ما لا يرضاه السوريون، وهي حجة بيدهم للبقاء عندنا لمنع هذا التقسيم. وبعد إذا كنتم تريدون التقسيم فاعلنوا ذلك صراحة ليعرف المعنيون كيف يجب أن يتصرفوا.

وسأله سيادته: وإذا امتنعت الدول العربية عن الدفع للقوات العربية في لبنان، فهل يبقى السوريون فيه برغم ذلك؟ فأجاب: نعم، إن المال لا يهمهم بقدر ما يهمهم منع التقسيم واجتناب الفشل في مهمتهم اللبنانية. وتابع الرئيس قائلاً: قلت للشيخ بيار، تقولون إن الجامعة اللبنانية قد أصبحت شيوعية، ولكن أليس كل الطلاب شيوعيون في سن العشرين؟ ولكن إذا وصلوا الى الثلاثين أصبحوا يمينيين ومن بينهم من هم متطرفون، ولا سيما أن جميع الطلاب الشيوعيين أصبحوا مدراء مؤسسات ويمنيين مغالين. وهل تضمنون أن القذافي لا يدفع للجامعة الملايين فتصبح مزدهرة أكثر بكثير من الجامعة التي تؤسسون؟ وهل تضمن أن الدول العربية لا تدفع الملايين للجيش في المنطقة الثانية فيصبح أقوى بكثير من الجيش الذي تريدون أن تستقلوا به في المنطقة الشرقية؟ والمسيحيون الموجودون في المناطق الإسلامية، ماذا تفعلون بهم وأين يذهبون؟ والى أية جامعة يتجه أبناؤهم؟

2-العراقيل الفلسطينية كثيرة وهم يعدون ويخلفون. طلبنا منهم إخلاء الدامور، فوعدوا ولم ينفذوا بعد. طلبنا منهم أن يتركوا الجنوب، فراحوا يراوغون. واليوم آت لزيارتي أبو أياد، قال ذلك ورن الجرس، فجاء العقيد ناصيف فقال الرئيس له: أبو أياد آتٍ باسم مستعار إلينا، فراقب جوار القصر وخذوا الإحتياطات، فقال العقيد: أخذنا كل الإحتياطات وسأعيد النظر، وانسحب.

وسأله سيادته: ماذا عن الجنوب، يبدو أن الحالة هادئة، قال: نعم لأننا بذلنا ما فوق الطاقة مع الأميركان ليقنعوا إسرائيل بالكف عن التحرشات، ويبدو أن الحالة قد تحسنت.

3-أما العراقيل العربية، فتنشأ لمجرد أن هذا الفريق قد يكون اتخذ موقفاً معيناً ليتخذ الفريق الآخر موقفاً مخالفاً، وهذا ينعكس علينا. ولكن الخلاف العربي إذا أخّر المساعدات، فإنه لا يحمل على قطعها.

4-أما العراقيل الدولية، فهناك مصالح متضاربة بين الدول تنعكس كذلك علينا، ولكني برغم كل الصعوبات لست متشائمًا، وإني أصر على التفاؤل. لذلك إن التقدم بطيء. وهناك خمسة أو ستة مواضيع تستنفد كل نشاطنا ووقتنا في الوقت الحاضر. أضاف فخامته قائلاً: إني مجبر على الإهتمام كل يوم مثلاً بالأمن، بالإعمار، بإعادة المهجرين، بإعادة تكوين الجيش، تنفيذ إتفاقية القاهرة، نودع هذه المواضيع كل مساء وتعود إلينا كل صباح. أما ماذا يجري مثلاً في وزارة الزراعة أو في وزارة الاقتصاد ومراقبة الحركة، فهذا أمر متروك الى ما بعد.

 

التشكيلات الإدارية

وقال المطران لفخامته: هناك كثيرون يأتون بكركي شاكين الغبن وعدم الترفيع، برغم أنهم، في زعمهم، أصحاب حق، ومن بينهم من يدّعون أن حقوق الطائفة المارونية مهضومة، ويبدو أن الطائفية لا تزال تعمل عملها. لقد نقلت الصحف بالأمس أن الكاثوليك قد ألّفوا لجنة لتلاحق قضايا التشكيلات والعمل على إنصاف الطائفة الرومية الكاثوليكية فيها. وما دام الأمر كذلك، فكثيرون يأتون ليلفتوا النظر الى هذه القضية. ولكن غبطته يعرف أن فخامتكم تحرصون على إنصاف الجميع. وبالرغم من هذه المعرفة، فهو يضع بين يديكم مطالب بعض الموظفين الموارنة، ومن بينهم من هم في سلك القضاء أو في ما سوى ذلك من الإدارات من مثل: ميشال شكري نادر في مصلحة السيارات منذ 30 سنة وقدم مباراة ونجح، على قوله، ولكن جيء أو هو يخشى أن يُجاء بسواه الى مركز يقول إن له حقاً فيه.

فأجاب فخامته: قد يحصل غبن في التشكيلات على بعضهم، ولسنا بمعصومين. وعلى كلٍ، ففي القضاء الرؤساء موارنة وعلى هؤلاء الرؤساء أن يتحركوا وأن يبدوا وجهة نظرهم في الأمر، وعلى كل سنرى. أما ميشال نادر، فقال إنه لا يعرف قضيته وسيكلّف من سينظر فيها. أما تعيين قضاة من خارج معهد القضاء، فلم يكن واردًا، قالها عندما اقترح عليه إسم الأستاذ جان مرعب حرب الطالب أن يُعيّن قاضيًا، ثم أضاف: سنرى. وسلمته لائحة بالتوصيات والأسماء المراد الإيصاء بهم، فأخذها وقال سأعطيها الى كارلوس خوري مدير عام الرئاسة، وسننظر في الأمر. وضمها الى مذكرة وضعها القاضي إدوار عيد، وموجز سيرة حياة جان مرعب حرب.

 

موعد لسيادة المطران أبو جودة

وقبل أن ينهض المطران للتوديع، طلب من فخامته موعدًا لسيادة المطران أبو جودة العائد من رحلة إستغرقت أحد عشر شهرًا في أميركا وأفريقيا وأوروبا، وهو يريد إطلاع فخامته على نتائج رحلته، فاستدعى العقيد ناصيف وطلب منه تعيين الموعد، فتعيّن يوم الإثنين في 16 أيار الساعة 11,30.

 

محضر إجتماع الجبهة اللبنانية في 17 أيار 1977

مستقبل المسيحيين.. والتوجه الى الفدرالية

المجتمعون: غبطته، الرئيس شمعون، فرنجية، الشيخ بيار الجميل، الأباتي شربل قسيس، الأستاذ جواد بولس، الأستاذ شارل مالك، الأستاذ فؤاد فرام البستاني، الأستاذ إدوار حنين، المطران صفير والمطران أبو جودة.

كان الشيخ بيار الجميل قد فاتح غبطته منذ أكثر من أسبوعين في إمكانية توجيه دعوة الى أركان الجبهة لتناول طعام الغداء على مائدة غبطته، وهذه الدعوة، في زعم الشيخ، تزيل الإنطباع السائد بأن هناك فتورًا بين بكركي والجبهة، وأنها تعزز الإلتفاف حول غبطته وتوحد صفوف الطائفة. وقد استمهل غبطته الشيخ بيار في الإجابة على طلبه، واقترح عليه أن يُشرك في الإجتماع بعض وجهاء الموارنة من غير أعضاء الجبهة، غير أن الفكرة لم تصادف قبولاً عند هؤلاء وأبوا إلا أن يكونوا أولاً وحدهم دون سواهم، وقبل غبطته العرض وحدد يوم الثلاثاء موعدًا للإجتماع في 17 أيار وتعيّن المدعوون وهم الرئيسان شمعون وفرنجية والشيخ بيار الجميل والأباتي قسيس، هذا ما كان قاله الشيخ بيار لغبطته قبل ثلاثة أيام، ثم عاد الشيخ بيار وتلفن صباح يوم الإجتماع لغبطته وأشعره بأن المدعوين الأربعة سيكونون ثمانية، إذ سيُضاف إليهم: بولس ومالك والبستاني وحنين.

 

لمحة تاريخية

بعد تبادل التحيات والمجاملات قال غبطته: كلنا نعرف أن الوضع صعب، وأن علينا جميعًا أن نهتدي الى طريقة لنُخرج معها البلاد من الأزمة التي وقعت فيها، وأنتم تسعون الى ذلك، وقد عرفنا أن عندكم أربع صيغ مقترحة أو على وشك أن تُطرح على الرأي العام. وأوضح غبطته الظروف التي قادت لبنان الى ما وصل إليه، منذ العهد التركي وقد كان ينعم بشبه إستقلال، ثم مجازر سنة 1860 والمتصرفية والبروتوكول وتجويع لبنان على يد الأتراك والحرب الكونية الأولى ومجيء فرنسا بناء على طلب البطريرك الحويك الذي فوّض إليه مجلس الإدارة وجميع المسيحيين وبعض العائلات الإسلامية مفاوضة الحلفاء في مؤتمر الصلح في فرساي بمنح لبنان الإستقلال، على أن تعدّه له الدول الفرنسية بوصفها منتدبة لذلك فيعود الى حدوده الطبيعية برد الأقضية الأربعة إليه. ثم جاءت سنة 1943 والإستقلال وانسحاب الفرنسيين والميثاق والخضات المتتالية، وكان أشدها وطأة ما حدث سنة 1958 و1975، حتى وصلنا الى ما نحن فيه الآن.

شمعون: إن الفلسطينيين كانوا ولا يزالون ثقلاً على لبنان وهم الذين خلخلوا القاعدة التي كنا ركزنا عليها الميثاق. وإذا كنا قد قبلناهم فلأسباب إنسانية أولاً، ودافعنا عنهم، ولكننا الآن لا يمكننا أن نقبل بإبقائهم عندنا ويجب أن يخرجوا من لبنان، وبعد ذلك نرى كيف يمكننا أن نتفق مع المسلمين وليس هذا بالأمر الهيّن، ولكن يجب أن نسعى وإذا تعذر الإتفاق، يجب أن نهتدي الى صيغة تريحنا ولا يمكننا أن نتعرَّض كل مدة الى ما تعرّضنا له بالأمس. نحن نريد أن نعيش بحريتنا ونحافظ على حضارتنا وتقاليدنا، ونأبى أن نعيش كالمسيحيين في البلدان العربية.

غبطته: هذا ما قلناه للكثيرين الذين زارونا من المسؤولين العرب: الخدام وحسن صبري الخولي ووزير التربية العراقي وغيرهم، ذلك أن أسباب البقاء عندنا أعز من البقاء، ولا نريد أن نعيش لنعمل ونأكل ونشرب دون أن يكون لنا وجود سياسي ونتمكن من المشاركة في تقرير المصير كالأقباط في مصر مثلاً. لا نريد أن يحمينا أحد ولا نريد أن نحمي أحدًا أو نستبد بأحد.

 

الجميل وميثاق سنة 1943

وتوقف الشيخ بيار الجميل على صيغة 1943 وقال إنه أقدم عليها أولاً دون إقتناع، ولكنه بعد ذلك اقتنع بها ودافع عنها. وثم منذ سنة 1970 بدأ إيمانه بها يخف الى أن وصلنا الى ما نحن فيه. وقال إن التعاون مع المسلمين صعب إذا ظلت هذه عقليتهم وظلوا يتهموننا بالإستئثار، ونحن نريد أن نطمئن وألا نخاف على يومنا وغدنا.

وقال غبطته: أية إمتيازات عندنا؟ وهذا ما قلته للمفتي حسن خالد. أي مفتي في البلدان العربية يعامل كالمفتي في لبنان، فهو مشترع وهذا الحق أعطاه إياه الرئيس شمعون. فقال شمعون: ليتني قطعت يدي. والمسلمون يقبضون من الدولة للمحاكم ولدار الإفتاء ولهم إعفاءات ليست للمسيحيين. وأردف غبطته قائلاً: أجاب المفتي خذوا من الدولة مثلنا ونحن نساعدكم للحصول على هذه الأموال. أما رئاسة الجمهورية تابع غبطته قائلاً: فبماذا أتتنا؟ إلا أنها قسّمت الموارنة لأن من يصل الى الرئاسة يختلف مع من يطمعون بها من أبناء الطائفة، ولا يمكن الرئيس أن يصبح رئيسًا إلا برضى المسلمين، وهو يفرضونه علينا في غالب الأحيان، وهم يختارون رئيس الوزارة الذي يريدونه.

وتطرق الكلام الى الصيغة التي يجب اعتمادها، فقال شمعون: إنا لا نرى غير الفدرالية مثل يوغوسلافيا، وكان سفيرها عندي الآن، وقد أخبرني عن هذه الفدرالية التي اعتُمدت في بلاده، وهذه هي الحال مع النمسا وستكون هذه هي الحال مع إنكلترا ووايلز وفرنسا وبريطانيا.

وقال بولس: إن وزير النمسا دلفوس في عهد هتلر قال: عندما نقول عن النمسا إنها ألمانية تكون قد انتهت النمسا، وقتلت هتلر، ذلك أن النمسا الألمانية أبى أبناؤها أن تكون بالواقع ألمانية وإن كانت لغتها ألمانية، هكذا تميّز الشعوب قومياتها.

 

الوثيقة الدستورية

وفي معرض البحث عن صيغة تضمن للمسيحيين حقوقهم، أثيرت قضية الوثيقة الدستورية التي اتفق عليها الرئيس فرنجية مع سوريا، والتي تضمن رئاسة الجمهورية للموارنة مع بعض إمتيازات تثبت كتابة في الدستور. وسُئل الرئيس فرنجية عما إذا كانت الوثيقة لا تزال سارية أم تخطاها الزمن، فأجاب: لقد تخطاها الزمن لأننا قبلنا بها وسلّمنا بما سلّمنا به لقاء الحصول على الأمن والطمأنينة، فكانت النتيجة أن الحرب وقعت بيننا وبين المسلمين وخربت البلاد.

 

على المائدة

وفي الواحدة والنصف، إنتقل الجميع الى المائدة البطريركية، فجلس غبطته على رأس المائدة وعن يمينه شمعون فالجميل فالمطران أبو جودة، فمالك فحنين، فالمونسنيور شاهين وعن يساره فرنجية فالمطران صفير فالأباتي قسيس فبولس، فالبستاني.

واستؤنف الحديث على المائدة وتشعب، فدار على الانتخابات الإسرائيلية وترجيح تراجع حزب «العمل» وتقدم حزب «ليكود» برئاسة بيغن، فقال شمعون: إذا ربح بيغن أعلن الحرب. وانتقل الحديث الى بيان البطاركة والأساقفة، فأثنى مالك على القسم السياسي منه دون تحفّظ، لكنه عاب عليه عدم ذكر إسم يسوع واكتفائه باستعمال إسم المسيح، وإغفاله الإشارة الى المسكونية والرغبة في التفاهم مع الكنائس الأرثوذكسية، فأجابه غبطته: هذ تحصيل الحاصل، وقد فقد معناه لكثرة الترداد. وقال البستاني إن كثيرًا من العائلات الإسلامية عاشت في فلسطين.

 

دور البطريركية

وقال مالك إن دور البطريركية المارونية على مر التاريخ كان دورًا عظيمًا، فلها رصيد محلي وعالمي، وكان البطاركة في مقدمة الصفوف في الدفاع عن القضايا الوطنية. وأضاف البستاني: بالأمس حاضرت في دانيال الحدشيتي الذي قاد المقاومة المارونية في حصن إهدن. فأجاب غبطته: أظن إنا لم نقصّر في القيام بما يمليه علينا الواجب، وإن لم نحمل البندقية وإن كنا نعرف كيف نستعملها، وقد أصبنا في ساعدنا بجرح بليغ، غير أن دورنا كان دور توعية واتصلنا بجميع الدول الكبيرة والصغيرة، غير أن عهد الحماية قد ولّى وأصدرنا رسالات عديدة تُرجمت الى مختلف اللغات وكان لها وقعها، وهوذا المطران أبو جودة قد قضى أحد عشر شهرًا وهو يطوف العالم لتوعية اللبنانيين المغتربين والرأي العام على القضية اللبنانية. وما قاله المطران أبو جودة إن الأميركان تساءلوا عما سيكون ثمن دخول السوريين الى لبنان، فأجاب شمعون: نحن نريد أن نسأل الأميركان ماذا عملوا للبنان ليجنبوا دخول السوريين إليه. ولكن ألم يدخل السوريون بموافقة الأميركان، ولولا هذه الموافقة لما تجرأوا على الدخول، وهل كان بالإمكان وقف القتال والنزف؟

 

حادثة بلاّ

وتطرق الحديث الى أحداث بلاّ التي دخلها قسم من قوات الردع فوقع ضحايا من أبناء البلدة ومن القوات. وقال الشيخ بيار الجميل: أفهمنا السوريين أنه كان عليهم ألا يدخلوا بلاّ وليس عليهم أن يقوموا بالبوليس المحلي، فلقد أخطأوا مثلما بدر كذلك عنا خطأ، وقد تسوّت الحادثة وما قيل فيها مبالغ فيه، أضاف الشيخ بيار.

 

لقاء ثالث بين صفير وسركيس

بعد ذلك الإجتماع، زار المطران صفير الرئيس سركيس وأطلعه على أجوائه، وحمل إليه مذكرة أعدها بشأن أهالي قرية بلاّ في قضاء بشري، التي جرى الحديث بأمر حادثتها خلال إجتماع بكركي. وقد طالبت المذكرة بمعالجة وضع الأهالي الذين دخلت قوات الردع الى بيوتهم وضربتها وتشردوا وهم يطالبون الدولة بالتعويض. ورد الرئيس سركيس: لا يمكننا سن قانون خاص بأهالي بلاّ، فهناك قانون لجميع اللبنانيين المتضررين وأهالي بلاّ يشملهم هذا القانون… وقد جاء إليّ النائب حبيب كيروز بهذا الخصوص. وسأتصل بقائد قوى الأمن لدرس مدى إمكانية إستبدال قوات الردع بقوى لبنانية.

كما طرح المطران صفير على الرئيس سركيس قضية بلدة جاج في بلاد جبيل، وتداعيات الحوادث الأمنية التي شهدتها. كما جرى نقاش في موضوع الجنوب، وفي مسألة تعيين سفير جديد للبنان في الفاتيكان خلفاً للدكتور بطرس ديب. وبدا الإتجاه واضحًا الى تعيين د. أنطوان فتال.

الى ذلك، كان حديث مطوّل بين الرئيس والمطران بشأن زيارة البطريرك خريش الى فرنسا في 21 أيلول 1977، وقد نسّق المطران صفير بعض مواضيع المحادثات بين الرئيس سركيس والبطريرك الماروني، بعدما كان الرئيس سركيس قد أبلغ المطران صفير سابقاً أنه سيعد ورقة مكتوبة بما يهمه من مواضيع ليبحثها البطريرك خريش مع المسؤولين الفرنسيين، ولكنه عدل عن ذلك، واكتفى بتعداد شفوي حفظه المطران صفير ونقله الى البطريرك خريش.

ويعود البطريرك خريش من فرنسا ويزور الرئيس سركيس لإطلاعه على أجواء زيارته. وبحضور المطران صفير دار الحديث عن زيارة السادات الى إسرائيل وتداعياتها المرتقبة على الساحة اللبنانية، وتعثر الإنطلاق بتطبيق «إتفاق القاهرة» حسب ما كان مقررًا في 9 تشرين الأول، وعن موقف الرئيس الفرنسي فاليري جيسكارديستان بشأن إرسال ثلاثة آلاف جندي فرنسي الى لبنان شرط موافقة جميع الأطراف، وعن الجنوب، وعن توقعات بقاء القوات السورية في لبنان طالما أن الدول العربية قد توقفت عن تسديد موجباتها المالية، والنتيجة سوف يتحمّلها لبنان.

وعن الوضع الداخلي وحديث ثنائي حول أن الجبهة اللبنانية، وإن بدت متفقة ظاهرًا، فإن أركانها مختلفون في النظرة الى الأوضاع. وقال البطريرك خريش: أمس كان شمعون في زيارتنا فسألناه عما إذا كان يريد التقسيم فنفى، وفرنجية يرغب في الفدرالية، والجميل يظل أمرن الجميع، وأما مستشاروهم فمتحجرون…

 

تلك كانت مهمة البطريرك صفير كاهناً ومطراناً وبطريركاً. وهو كان خير من حمل تلك الرسالة ونذر نفسه لها، وكان على قدر المسؤولية والحمل، ليستحق فعلاً مجد لبنان.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: صفير بين سركيس والجبهة اللبنانية وبكركي  – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل