بطريرك القضية اللبنانية – 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1695

بطريرك القضية اللبنانية

البعد الكياني في فكر البطريرك صفير (2)

 

ظهر جليًا في وداع البطريرك صفير والمشاركة الشعبية العارمة في جنازته، أن البطريرك الكبير شكّل في حياته رمزًا وطنيًا من خلال سلوكيات وطنية عابرة للطوائف تستهدف الكيان بالذات، يقينًا منه أن مصلحة المسيحيين، والموارنة خصوصًا، هي في الحفاظ على لبنان بصيغته الفريدة وانفتاحه المميّز وتكافل كل أبنائه في تكامل الدفع نحو الوطن المرتجى. وأهمية هذا الموقف في أي حال، أنه يحافظ على استمرار الخط التاريخي للبطريركية المارونية عبر مئات السنين والأزمات، أكثر مما هو اجتراح لخط جديد، إذ إن التحدي خلال العقود الأربعة الأخيرة، كان الحفاظ على الوحدة الوطنية والتمسّك بها نموذجًا مثاليًا للبنان على الرغم من كل ما عصف بهذا المفهوم من تصدعات وما أصابه من وهن بسبب الحرب الأهلية، وما يرافق مثل هذه الأزمات عادة من تجييش وعمل على التفرقة والحقد تأمينًا للوقود اللازم للحرب. وخلال تلك المراحل العصيبة تجلّى دأبه على مستويين: حماية لبنان الكيان من التفكك والتسيّب، وحماية المسيحيين أولا من استهدافهم كجماعة وكعقيدة وطنية وإيمانية، وثانيا حماية دورهم في تحقيق المستوى الأول. وتحقيقًا لذلك، كانت للبطريرك صفير مجموعة واسعة من الخطوات والمواقف والإجراءات، طبعت بقوة تلك الحقبة المميّزة من تاريخ لبنان وسائر المشرق.

 

خطّ طريقا للتاريخ

كيف تتجسد النظرة الكيانية في سلوك البطريرك صفير بحسب الباحث الدكتور نبيل خليفة؟

يقول خليفة إن التسمية الأصح للبطريرك صفير هي «بطريرك القضية» لأنه حمل القضية اللبنانية همًّا ومشروع عمل. فبين النظرتين إلى لبنان: لبنان الدولة الكاملة المواصفات، ولبنان الخطأ التاريخي، اعتنق البطريرك صفير النظرة الأولى أيديولوجيًا وثقافيًا ودافع عنها وعمل على تأكيدها وتثبيتها. وقال لبنان ليس خطأ جغرافيًا تاريخيًا، وإنما هو حقيقة جغرافية تاريخية.

وفي مثال آخر يشير د. خليفة إلى عبارة البطريرك صفير: «الوطن لا يحمل في الجيب بل يحمل في القلب»، ليقول إن هذا يعني الحب للوطن والإيمان به وبالتالي العمل لأجله لأنه قيمة بذاته وليس سلعة تحمل في الجيب وتباع وتشرى. المعنى العميق لهذه النظرة هو أن الكيان اللبناني يحمل ميزة تجعله ضرورة لمحيطه وللعالم، ويستحق النضال في سبيله والتضحية من أجله بهذه الصيغة الكيانية والبعد الرسالي.

ويتابع أن إيمان البطريرك صفير بلبنان هو إيمان عاطفي وعقائدي، ومن هنا الرابط بينه وبين الأرض. هذا الرابط الذي وثّقه الموارنة عبر تاريخهم وعملوا في ضوئه وبهدف تثبيته. فالموارنة بنظر البطريرك صفير ليسوا مجرد جماعة هائمة في التاريخ. الأرض والإيمان والحرية هي أجزاء صلبة من تاريخهم، بل هي أساس هذا التاريخ. فلدى المسيحيين في لبنان هموم حقيقية ولدى المسلمين هواجس حقيقية أيضًا. ولكنهما ليسا من النوعية ذاتها. فهموم المسيحيين هي هموم كيانية وجودية تتعلق بمعنى حياتهم وحريتهم الشخصية والجماعية في حين ان هواجس المسلمين هي الى حدّ كبير هواجس حقوقية ولا يمكن ان تكون وجودية كيانية لأنهم يعيشون في منطقة ذات طابع إسلامي: الإسلام السياسي فيها قاعدة، والمسيحية السياسية فيها شواذ رغم أن الوجود المسيحي في الشرق هو وجود حضاري تاريخي أصيل.

ويرى أن في تحليل الأب ميشال الحايك ان هذا «الشاذ» السياسي – الثقافي هو ضرورة حضارية لأنه مهماز للقاعدة ومحرك لها، فلا تصاب «بالقعود والتقاعد». وميزة «الشاذ اللبناني» بخلفيته المسيحية أنه على صلة بينابيعه وقواعده الحضارية في المشرق والعالم بحيث يرفد الثقافة العربية – الإسلامية، بالجدة والحداثة والتطور، أي بمقومات النهضة وهي حقائق تفرض نفسها على تاريخنا المعاصر وليست بحاجة للدليل عليها. لهذا يصح القول إنه لا معنى للكيان اللبناني الحر من دون الإنسان اللبناني الحر.

من هنا فإن قراءة متأنية لهموم المسيحيين ومهماتهم ولهواجس المسلمين ومطالبهم وللتجارب التي مرّ بها الجانبان في محطات مفصلية من تاريخ لبنان تؤكد ضرورة صياغة استراتيجية مسيحية تتخطى الإتجاهات الفئوية والحزبية والإقليمية، بل تشكل أفقاً فكرياً ولاهوتياً وفلسفياً ووطنياً لها. استراتيجية لا تهدف الى الصراع مع المسلمين ومع محيطنا العربي، بل على العكس تهدف الى الحوار والتفاهم معهم على قاعدة فعل الإيمان بالحياة المشتركة وبالفوائد المشتركة والمصالح المشتركة، وآخذين في الإعتبار القاعدة السوسيولوجية القائلة: إن مشكلة الأقلية هي قبل كل شيء مشكلة الأكثرية… وهذا ما عمل على تحقيقه البطريرك صفير.

 

رجل الإنفتاح والحوار

كذلك شجع البطريرك اللقاءات الإسلامية ـ المسيحية التي تصب في اتجاه لبنان الوطن. بما يعمل على تعميم قيم المواطنة وثقافتها باعتبارها عقدًا سياسيًا واجتماعيًا يقوم على الشراكة والقرار الحر في دولة المؤسسات، وتحقق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وترفعها إلى مستوى المؤاخاة الإنسانية المتكاملة والمكفولة بالقوانين والدساتير. فلبنان يحظى بصيغة متميّزة تجعله متفردًا في محيطه العربي، ومن هذه الفرادة والحفاظ عليها تنبع أهمية التمسك بصيغة لبنان الرسالة التي تقوم على الأعراف واحترام التعدد والإختلاف لتكون نموذجاً يُحتذى في العيش المشترك على قاعدة إحترام الحريات العامة وفي مقدمتها الحريات الدينية. وهذا يصلح لأن يكون منطلقاً لصياغة حلول للمشاكل التي يواجهها الوطن تكريسًا لفكرة المواطنة وتعزيزًا لمبدأ المساواة بين المواطنين .كذلك معالجة الإختلالات بما يجمع المواطنين على قيم الإحترام المتبادل والعيش المشترك.

ويقول أمين سر لقاء قرنة شهوان سابقا المحامي سمير عبد الملك إن رحيل البطريرك صفير هو خسارة للبنان، لكنه «ترك إرثاً كبيراً للوطن». فهو تمكن من حفر فكرة أن «خلاصنا هو في وحدتنا» بأذهان الجميع. وشدد على أننا تعلمنا من البطريرك صفير أن لبنان أكثر من بلد وهو رسالة للعيش المشترك. فيما يعتبر عضو لجنة الحوار الإسلامي ـ المسيحي القاضي عباس الحلبي أنه بقي الكثير من إرث البطريرك صفير. وأنه استحق فعلاً ان مجد لبنان أعطي له.

ويتوقف الحلبي عند مرحلة مصالحة الجبل، معتبرًا أن البطريرك صفير تجرأ على خرق العلاقات المسيحية ـ الدرزية رغم الأوضاع. وهو لم يكن يرى لبنان بغير عيشه المشترك. ووقفاته كانت وقفات حق وهذه هي الجرأة بحد ذاتها.

 

صفير في إرساء الكيان والكينونة

يحدد البطريرك صفير نفسه جانبًا من نظرته إلى لبنان الكيان في تقديمه لكتاب الدكتور نبيل خليفة «مدخل إلى الخصوصية اللبنانية»، ويقول: «الذين بدأت تتسرب إلى نفوسهم الشكوك في هذه الأيام في ما يتعلق بمقوّمات الكيان اللبناني ومصيره ومستقبل أبنائه، قد تناسوا أن لبنان عمره ستة آلاف سنة تناوبت عليه شعوب كثيرة وعرف غزوات عديدة واجتاحته جيوش جرارة وتقلبت عليه أحوال وأصابته أهوال، ولكنه بقي لبنان، لبنان يتميّز بما له من خصائص أتته من مجموعة عناصر منها بكلام أخر طبيعة أرضه وموقعه ومناخه وموارده وتاريخه وتراثه وثقافة أبنائه وما كانت يومًا إلا متعددة.»

ويتابع: «وإذا كان لبنان يعتبر وطن الطوائف فلأن كل واحدة منها جاءته لتلوذ بحماه وتجد فيه مناخاً من الحرية فقدته حيثما كانت تقيم في هذه البقعة من العالم. والذين يقولون إن لبنان لا وجود له في التاريخ وإنه غلطة تاريخية وإن كيانه مصطنع وإن حدوده رسمها الإنتداب، يبدو أنهم في جهل من تاريخه. وعندما انهارت الدولة الإسلامية في أوائل هذا القرن (القرن الماضي) وكان لبنان ينعم تحت إشرافها بنظام منحه وحده دون سواه شبه استقلال، كان مطلب اللبنانيين الرسمي إعادة وطنهم إلى حدوده التي كانت له قبل سنة 1920 وهذا ما حصل».

وأضاف: «ولبنان على صغر رقعته وضعف تكوينه وشح موارده المادية، يبقى ضرورة لا لأبنائه وجيرانه وحسب بل إلى العالم أجمع الذي هو في حاجة إلى الصيغة التي مكنت اللبنانيين من أن يعيشوا في جو من التفاهم والسلام، وإن عكرته بين الحين والحين عواصف تهب عليه من شرق وغرب لكنها لا تلبث أن تهدأ ليعود الصفاء إلى سمائه…»

إنطلاقا من كل ما رسّخه البطريرك صفير من قيم وما أرساه من قواعد عمل، لا يتردد الباحثون ممن عايشوه في وصفه بأنه يعتبر بحق رجل الكيان وبطريرك القضية وليس فقط بطريرك الإستقلال الثاني، مؤكدين أن الزمن الآتي سيظهر لمن لم يدركوا بعد كم كان هذا البطريرك عظيمًا، وكم تعرّض للتجنّي الذي بدد وطأته الكثير من الإنجازات والقيم التي لم تكن في أي حال غير معلومة من الكثيرين.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: بطريرك القضية اللبنانية – 1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل