طوني غريب… قصة مقاومة بين الأحراج والإعتقال – 2

كتبت سنتيا طوني غريب في “المسيرة” – العدد 1696

أنا وأبي والمخابرات السورية:

طوني غريب… قصة مقاومة

بين الأحراج والإعتقال (2)

 

لكل طفل بطل من عالم الحياة. ولكن الطفلة سينتيا كان بطلها من عالم الواقع… في الحرب اللبنانية آمن أجدادنا وآباؤنا بقضية، فتمسكوا بها ودافعوا عنها، لكن الثمن كان باهظاً على أمهاتهم وزوجاتهم وأولادهم… منهم من تهجّر ومنهم من صار في دنيا الحق، ومنهم من تعرّض للخطف والسجن القاسي، جريمتهم الوحيدة أنهم قرروا الدفاع عن وطنهم لبنان. وعائلتي الصغيرة هذه نالت نصيبها وذاقت مرارة الكأس مع غياب الأب لفترة، مما اضطّر الأم «رفيقة البطل» الى تحمّل الضغوط المعنوية والعاطفية والمادية…

بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة، تمت مداهمة منزلي في سنتر أبو ديوان، ولكنني لم أكن في المرة الأولى. وفي المرة الثانية أخذوا زوجتي وأوقفوها في مبنى الأمن العام بتهمة التحقيق بتفجير الكنيسة وأنني ضالع بتفجيرها، ولكن أخي المونسنيور غريب أجرى الكثير من الإتصالات حتى أُفرج عنها بعد 6 ساعات. داهموا المنزل مرات عدة ولكنهم لم يتمكنوا من القبض عليّ.

بقيت على هذه الحال حتى مساء اليوم الذي سبق توقيف الحكيم واحتلال الصندوق الوطني. في ذلك المساء ذهبت ومعي عنصر من عائلة واكيم وفي سترتي قنبلتين الى مبنى الأمن العام في بلدية جونية وكانت الساعة 11 ليلاً، فدخلت الى صالة فيها نقيب وملازمين أول وقلت لهم «أنتم تريدون طوني غريب، أنا هو شو بدكن مني». فصدموا وتعجبوا وقالوا لي «لا نريد منك شيئاً». خرجت وتوجهت الى مبنى الصندوق وكنت قبل التوجه الى الأمن العام أرسلت عائلتي، زوجتي وابنتي، عند أخي الى دير مار سمعان العمودي في وادي الكرم. بعد عشرين دقيقة من وصولي الى مبنى الصندوق إتصلوا بي من الإستعلامات حيث أسكن وقالوا لي إنهم يداهمون منزلك. وعلمت لاحقاً أن النقيب تعرّض للعقاب وتأخير بالرتبة.

 

عند الخامسة والنصف صباحًا، وكنت في مبنى الصندوق، إتصل بي جورج أنطون وطلب مني أن أختبئ خارج المبنى وأقول للعناصر إن الجيش سيداهم المبنى «فلا يتواجهوا معه واتركوهم يعملوا اللي بيريدوه». أرسلت الجميع الى منازلهم وتركت عنصرين لهم أقرباء في الجيش وقلت لهم أن لا يتواجهوا معهم إذا داهموا، وتوجهت للدير عند أخي في وادي الكرم. وعند انتهاء النهار داهموا صباحًا الصندوق واحتلوه وأوقفوا الحكيم. وفي تلك الليلة أوقفوا أخي وصهري وعديلي وداهموا منازلهم ومنزل أبي وأمي في الدكوانة، وكل من كان له علاقة بي أُوقف وعُذب أبشع تعذيب في وزارة الدفاع.

بقيت أسبوعًا في الدير مع عائلتي عند أخي، لا أحد يعلم بي، حتى اعترف مقرب لي تحت التعذيب أنني يمكن أن أكون عند أخي في الدير. وبدأت المخابرات بحصار الدير ودوريات للجيش على طريق الدير ليلاً نهارًا لكنهم لم يتمكنوا من مداهمته لأنه مركز مطرانية بيروت الصيفي. وبقي الدير مراقب من المخابرات، لكنني لم أكن أظهر لأحد وبقيت طيلة الوقت في غرفة مغلقة قبل أن أغادر الدير للإختفاء في الأحراج.

بقيت عامين في أحراج وادي الكرم وزرعايا، أسكن المغاور وآتي كل ليلتين خلف الدير حيث تكون زوجتي وضعت لي الطعام في مكان اتفقنا عليه مسبقاً. بعد عامين أرسل لي أخي رسالة طالبًا أن أعود الى الدير وأبقى فيه ولا أخرج منه. رجعت، خافوا من مظهري، زوجتي وابنتاي: ذقني طويلة وشعري أشعث. إستحممت وحلقت ولاعبت بناتي. بقيت شهرين في غرفة ألعب مع أولادي وفي المساء أسهر مع سيدنا المغفور له المطران حبيب باشا ونتكلم عن كل شيء، الوضع السياسي والاقتصادي ووضع المسيحيين، وعن الإيمان المسيحي. بعد شهرين قال لي أخي إن رئيس الجمهورية الياس الهراوي قادم للغداء في الدير وسيكلمه سيدنا باشا عنك، ولكن يجب نقلك من هنا لأن المواكبة والمخابرات ستكون في الدير. نقلني الى دير زرعايا للأيتام في السر عند رئيسة الدير التي عاملتني معاملة حسنة. بقيت عدة أيام هناك حتى علمت المخابرات بذلك، فداهمت الدير لكن الأخت الرئيسة خبأتني في جرن صخري كبير ووضعت غسيل الأيتام عليّ، فتشوا الدير كله فلم يجدوني، فذهبوا.

 

جاء اليوم الذي أتى فيه رئيس الجمهورية الى الغداء مع المطران وأخي وعدة شخصيات روحية وسياسية. وفي ذلك المساء أتى أخي وأخذني الى دير مهجور قريب الى ديره في منطقة المشرع وبقيت ثلاثة ليالٍ وأربعة أيام، حتى أنه لم يكن بإمكاني أن أضيء شمعة. نمت مع العقارب والأفاعي، عشت فعليًا معهم. بعدها عدت الى الدير حيث عائلتي وأخي. وكان أُفرج عن أحد رفاقنا وهو صديق لي، فجاء خصيصًا الى الدير معرّضًا نفسه للخطر، وقال لي: «طوني إذا وصلولك ليسلخوا جلدك. بتطلع على السطح بتكب حالك وما يكمشوك. بدن راسك طيب أو ميت». بعد أسبوع أُصبت بذبحة قلبية ولكنني نجوت وكان عمري 35 عامًا.

بعدها داهمت مجموعة من المخابرات مدرسة سيدة اللويزة حيث تتعلم إبنتي وكان عمرها تسعة أعوام للقبض عليها لكي أسلِّم نفسي، لكن الأب فرنسوا عيد، وكان وقتها رئيس المدرسة، خبأ ساندي واتصل بأخي المونسنيور لكي يأتي ويأخذها ولا يرجعها الى المدرسة وأنها ناجحة، لأن أخي كان ينزلها من وادي الكرم الى المدرسة ويعود ويأخذها كل يوم.

بعت ذهب زوجتي وذهبي وسيارتين لكي تصرف زوجتي على الأولاد مع مساعدة أخي. وزوجتي التي كان لديها خادمة أصبحت تخدم الجميع في الدير مقابل الحماية لي ولها والأولاد. وحاول أخي وسيدنا المطران باشا من خلال المعارف والواسطات والمراجعات إنهاء مشكلتي من خلال ميشال المر والياس حبيقة، فكان الجواب أن السوريين يريدون رأسه. وبقي أهلي يتعرضون للإهانة كل يوم.

توفيت والدتي من حرقتها عليّ وأصعدوها الى الدير في وادي الكرم لكي أتمكن من حضور الجنازة ودفنت في مدافن آل نكد الذين قدموا لنا المدفن لأنهم متعاطفون معنا سياسيًا ومعنويًا. وبقينا على هذه الحال، لا أخرج من غرفة مغلقة حتى العام 2000، عندما زار سيدنا أندريه حداد أخي في الدير وشرح له أخي وضعي، فقال لي سيدنا «أمهلني أسبوعًا وأرد عليك». ولم يأتِ الجواب حتى آخر صيف 2000. جاء سيدنا حداد وقال «قبل ما ظبطت بس هلأ مشي الحال. ستذهب عند غازي كنعان الى عنجر لمقابلته وتنتهي القصة وتعود. لقد وعدوني بذلك.

في اليوم التالي صلّبت إيدي على وجهي وتوجهت مع أخي وكان مستشارًا عند الوزير ميشال المر وشخص من قبل سيدنا حداد الى فيللا يقيم فيها غازي كنعان، وكان الحرس بانتظارنا، فأدخلونا الى مكتبه. بعد دقائق دخل علينا وسلم. سألني: «إنت أنطون»، قلت له «نعم». قال: «إنت دوّختنا»، فأجبته «ليش شو عامل»، فقال لي: «ما تكون معّاز متل معلمك (يقصد الحكيم)، فقلت له: «لا أنا ولا هوي معّاز». فخبط يده على طاولة المكتب وبدأ بالسباب والصريخ، فهجم عليّ حراسه وكبلوا يدي وراء ظهري وأغمضوا عيني بقماش أسود وأصعدوني الى سيارة جيب ونقلوني الى معمل البصل حيث ضابط المخابرات السوري يوسف النبي. وعند وصولي الى هناك نزعوا ثيابي وحذائي وبقيت بالسليب والكلسات فقط، وأدخلوني مكتب يوسف، وعند دخولي قلت في نفسي «يا يسوع سلمتك أمري».

 

بدأ يوسف النبي بالسباب والشتائم لـ«القوات» والحكيم ولكل المقاومة المسيحية، ونزعوا عن عيني الربطة وأخذ يهددني وكمشني بزندي وأخذ يتجوّل بي من غرفة الى غرفة لكي أرى المعتقلين المعلقين على البلانكو أو الدولاب أو الذين يُضربون لكي يؤثر عليّ وإخافتي. وقال لي: «هذا مصيرك واللي بدو يصير فيك إذا ما بتخبرنا وبتحكي كل الحقيقة وكل شي بتعرفوا». لم أجاوب شيئاً. لا أدري الوقت الذي بقيته، يوم أو يومين. ثم أتى أربعة عناصر وأخذوني الى غرفة، أجلسوني على كرسي على الحائط ونزعوا الغطاء عن عينيّ، فإذا أمامي ثلاثة أشخاص مقدم ونقيب وملازم أول جالسين أمامهم طاولات عليها أوراق. وبدأنا في مرحلة التحقيق. أولا عن BTR التي قصفت بـ صاروخ B7 عند دخولها الى منطقة فرن الشباك الشفروليه وقتل 6 عناصر. ثانيًا عن أسماء الضباط السوريين الذين كانوا يتعاملون معنا، وعن تفجير سيارات مفخخة، وعن السلاح الآتي من العراق. بقي التحقيق لمدة ثلاثة أيام متواصلة لا راحة، الأسئلة نفسها وأنا أرد بالأجوبة نفسها، فقط عن الذخائر التي أتينا بها أعطيت أجوبة تقديرية. وبقوة إلهية بقيت أعيد الكلام نفسه مع أنني بلا نوم ولا طعام ومنهك وأتعرض للضرب. كنت أعيد الكلام نفسه وكانت قوة إلهية ترافقني.

بعد أسبوع في منتصف الليل، وكنت ما زلت عاريًا ومكبّل اليدين، وضعوني في صندوق سيارة مرسيدس وانطلقت، وبعد خمسة عشر دقيقة، بحسب تقديري، توقفت السيارة ثم عادت الى المكان نفسه.

كل هذا الوقت كان سيدنا حداد وأخي يراجعان المسؤولين لحق قضيتي ولإطلاق سراحي. وعندما عدنا أرجعوني الى الغرفة نفسها المليئة بالقذارة والأوساخ حتى الصباح. وعند شروق الشمس أتى نقيب وقال لي: «طوني تعا». وقفت وأتيت إليه. فك الأصفاد وأخذني الى غرفة الضباط وقال لي: «إلبس ملابسك»، وأتاني بالشاي وقال: «هل تريد أن تأكل» لأن طيلة تلك الأيام لم آكل إلا قليلاً من الأرز المعفن. فقلت: «لا». شربت الشاي وعند انتهائي أخذني الى مكتب يوسف النبي، وبدأ بوعظي عن المقاومة ضد إسرائيل ودور سوريا الإيجابي في لبنان وفي حماية المسيحيين. وبعد ساعة من الوقت، وكنت شاعرًا بأنه سيُفرج عني، قال لي العقيد يوسف النبي إن أخي وممثل عن سيدنا حداد آتيان لأخذي. وبالفعل بعد ساعة من الوقت رأيت أخي المونسنيور وأخي وليد والشخص من قبل سيدنا والسيد أديب الهيبي وأخذوني الى سيدنا حداد، حيث شكرته وعدنا الى الدير.

 

بعد يومين من عودتي أتت سيارة بيجو 504 فيها رجلين من المخابرات اللبنانية ليسألا عني، وقال لي إنه غدًا يجب أن أذهب الى مركز المخابرات في بيت الشعار لمقابلة الرائد المسؤول. وهكذا حصل، ذهبت في اليوم التالي وقابلت الرائد وجعلوني أوقع على الورقة المشهورة بعدم تعاطي السياسة أو الإلتحاق بأي حزب وغيره، وعدم الإنتماء الى «القوات اللبنانية». وعدنا الى التحقيق من جديد. الأسئلة نفسها كل مرة: بمن تتصل؟ من ترى من رفاقك؟ ماذا تعمل كل نهار ثلاثاء؟

ويوم الخميس أنزل الى البوريفاج عند رستم غزالة أيضًا للتحقيق، ولكن عند رستم غزالة كان يرافقني أخي المونسنيور. بقيت على هذه الحال ستة أشهر حتى شعرنا يومًا أخي وأنا أن رستم غزالة سيعود ليوقفني ويرسلني الى سوريا. إتصلنا بسيدنا أندريه حداد وشرحنا له الوضع وأن كل نهار ثلاثاء عند المخابرات اللبنانية والخميس عند رستم والمخابرات السورية، وبذلك لا يمكنني العمل أو فعل أي شيء. فقال لي سيدنا إنه سيتكلم مع إميل لحود وكان رئيسًا للجمهورية وهو صديقه.

جاء نهار الثلاثاء فنزلت الى مركز المخابرات. كنت أنتظر ساعات عدة في ممر قبل المقابلة، يومها استقبلني الرائد خارج المكتب وأدخلني وقال لي إذا كنت أريد قهوة. شربنا القهوة وقال لي: «يمكن الذهاب ولا تعود إلينا وروح اشتغل». بدأت البحث عن عمل من خلال أصدقاء لي لديهم شركات ومحلات، وكل شركة أبدأ العمل فيها كانت تبلغني بعد يومين «طوني ما بدنا مشاكل ما فيك تشتغل عنا». أسأل عن السبب، فيأتي الجواب: «المخابرات تهددنا إذا منشغلك».

بقيت فترة من دون عمل حتى علم بوضعي صديق لأخي المونسنيور هو نبيل الصحناوي، فقال لي: «تعا لعندي واشتغل اللي بدك ياه ولا يهمك شي. حتى إذا بدّك خليك بالبيت وبيوصلك الراتب على البيت»، فلم أقبل. وسعى لي لكي أتسلم مواكبة وحرس السفير والسفارة الكورية الجنوبية بعد موافقة حكومة سيول على إسمي وعلى المشروع المقدم. جاء الرفض من المخابرات اللبنانية على إسمي. فوظفني في شركته.

(انتهى)

إقرأ أيضاً:

طوني غريب… قصة مقاومة بين الأحراج والإعتقال – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل