#adsense

من تاريخ المخابرات السورية في لبنان – 2

حجم الخط

نشرت “المسيرة” من كتاب سامي جمعة أوراق من دفتر الوطن (1946 ـ 1961) – العدد 1696

من تاريخ المخابرات السورية في لبنان – 2

• إغتيال أبو الحن وغندور كرم

• تذويب فرج الله الحلو بالأسيد

• ثوار 1958 مال وسلاح وفشل

• تفجير بغل مفخخ في زحلة (2)

 

لم يبدأ عمل المخابرات السورية في لبنان في العام 1976 مع ناجي جميل ومحمد الخولي ثم مع غازي كنعان ورستم غزالة ووليد حسناتو وجامع جامع وابراهيم حويجي وغيرهم ممن حفرت أعمالهم جراحًا كثيرة في أجساد اللبنانيين وعقولهم على فترة طويلة إمتدت حتى نيسان 2005.

قبل الحرب كان للمخابرات السورية حضور دائم على الساحة اللبنانية ودائمًا بكمية من الأفعال التي تهواها وتجيدها وتدخل ضمن إطار التفجيرات والإغتيالات وتوزيع الأسلحة ومحاولة قلب نظام الحكم والخطف والإعتقال والتذويب بالأسيد.

قليلاً ما خرج بعض من تولى أدواراً في المخابرات السورية ليلقي الضوء على أفعالها. سامي جمعة واحد من هؤلاء المسؤولين في تلك الإستخبارات الذين نفذوا مهمات قذرة في لبنان، خصوصًا في مرحلة ما قبل أحداث 1958 وخلالها وما بعدها. من بين الأسماء التي اشتهرت في تلك المرحلة على عهد رئيس الشعبة الثانية في سوريا العقيد عبد الحميد السرّاج، كان عبد الوهاب الخطيب وبرهان أدهم وغيرهم.

سامي جمعة دوّن بعض مذكراته ونشرها في كتاب تحت عنوان «أوراق من دفتر الوطن 1946 ـ 1961» نشره في العام 2000، وهو يروي بعض ما قام به مع المخابرات السورية في تلك المرحلة التي لعب فيها دورًا مسؤولاً في الشعبة الثانية السورية قبل أن يحصل الإنقلاب على دولة الوحدة المصرية ـ السورية ويدخل الى السجن.

مقارنة مع ما كانت تقوم به تلك الإستخبارات في مرحلة نهاية الخمسينات، وبين ما واظبت على القيام به في السبعينات والثمانينات والتسعينات، نمط واحد في العمل ينبع من مدرسة واحدة وأسلوب واحد أيًا يكن حاكم دمشق، قبل أن يتولى حافظ الأسد السلطة في العام 1970 ومعه وبعده.

في أوراق سامي جمعة إتهام مباشر للرئيس المصري جمال عبد الناصر باغتيال الصحافي اللبناني في جريدة «العمل» فؤاد حداد (أبو الحن) ورواية لقصة خطفه الى سوريا ثم إعادته الى لبنان وقتله بعدما كان عملاء للنظام السوري قاموا بتصفية الصحافي غندور كرم.

في أوراقه أيضًا، قصة تفجير بغل محمّل بالمتفجرات قرب بيت الكتائب في زحلة، وكيفية دعم «الثوار» وزعماء الثورة عام 1958 بالمال والسلاح، ليستنتج أن تلك الثورة كانت فاشلة وأن الثوار كانوا مجموعة ينخرها الفساد، وقد كلفت الثورة سوريا خمسين مليون ليرة.

وفي أوراق سامي جمعة أيضًا، قصة إعتقال القائد الشيوعي فرج الله الحلو (أبو فياض) في أحد المقرات السرية في دمشق وقتله خلال التحقيق معه، ثم دفنه ثم نبش جثته وتقطيعها وإذابتها بالأسيد لإنكار التهمة من أساسها وإنكار أن يكون تم اعتقاله في سوريا.

من تلك الأمثال الواردة في أوراق سامي جمعة لا يمكن إلا الإقرار بأن أسلوب الإستخبارات السورية لم يتبدّل، وأن محاولات الإنكار لن تفيد في إخفاء الحقيقة، تلك الحقيقة المتعلقة بمئات المعتقلين المفقودين في المعتقلات السورية.

 

ثورة ينخرها الفساد

وهذا مثال آخر أسوقه للتعريف بمدّعي النضال. صحفي بارز يتجلبب بثوب الوطنية ويزاود على الجميع بوطنيته وثوريته، جاء ذات يوم وقابل السرّاج مدعيا أن لديه خمسمائة مقاتل بحاجة للسلاح وأنه يتعهد بحال إمداده بالسلاح بتطهير منطقة الهرمل حتى زحلة من القوميين السوريين، فصدقه السرّاج وأمر بتسليمه خمسمائة بندقية مع ذخيرتها من مستودع تلكلخ وعندما ذهب لاستلام السلاح لم يتوافر في المستودع سوى مائة بندقية، قَبِل أن يستلمها على أن يعود بعد مدة لاستلام الباقي.

بعد بضعة أيام نشبت معركة قرب مطار بيروت بين مقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي ومقاتلي كميل شمعون وقد انتهت تلك المعركة بانتصار الاشتراكيين الذين تمكنوا من أسر بعض عناصر شمعون مع أسلحتهم، وعند التدقيق بالسلاح تبيّن أنه من الكمية التي استلمها الصحفي المناضل من مستودع تلكلخ وقد باعها بمجملها لشمعون بمبلغ مئتي ألف ليرة لبنانية.

نموذج آخر من أولئك مدّعي الزعامة والنضال أسوقه هنا. فقد لجأ الى سورية زعيم جنوبي كبير كان يحتل في يوم من الأيام مركزًا كبيرًا جدًا وكان مشهورًا بمشيته المتعالية المتغطرسة، وحل ضيفاً على الدولة مع حاشية كبيرة في فندق بلودان وكان يدّعي كذبا أنه يدير معارك الجنوب التي لم تحصل قط من مركز قيادته حيث يقيم في الفندق وكان يحصل من الدولة على مبالغ طائلة وكميات كبيرة من الأسلحة، كان ينام طيلة النهار ويسهر طوال الليل وهو يلعب الكاراه والبلاك جاك والروليت متخذاً من تلك المقامرات ميادين لنضاله ضد شمعون وأعوانه، وفي منتصف إحدى الليالي أمرني رئيس الشعبة بالذهاب الى فندق بلودان وتسليم الزعيم المذكور مبلغ خمسين ألف ليرة سورية، إذ إن مقاتليه في لبنان بحاجة ماسة للمال وإنه يجب إرسال هذا المبلغ في الليلة نفسها، قلت لرئيس الشعبة إن هذا الكلام غير صحيح وإن عطوفة البك يمضي الليل بكامله وهو يقامر وأبلغته باعتقادي أن اضطراره للمال بهذه السرعة مرده لخسارة كبيرة في المقامرة وإنه يريد الأستمرار فيها، فقال لي: قد يكون ما تقوله صحيحًا ولكننا مضطرون لتصديقه.

ذهبت الى بلودان وسلمت البك المبلغ ولدى مغادرتي سألت المشرف على صالة القمار في الفندق عن أوضاع البك فقال لي إنه خسر في تلك الليلة حوالي مئة وخمسين ألف ليرة ومع ذلك فهو مستمر في اللعب، الجدير بالذكر أن البك المشار إليه كان خلال الحرب الأهلية اللبنانية من ألد أعداء سورية وتراوحت مواقفه بين الإنضمام لبشير الجميل والقوات اللبنانية وبين تأييد ميشال عون.

كانت تلك الثورة الفاشلة التي كلفت سورية أكثر من خمسين مليون ليرة سورية بخلاف عشرات الأطنان من الأسلحة والذخائر، ينخرها الفساد والتلاعب كما ينخر السوس الخشب بدءًا من مكتب شؤون لبنان الذي كان يديره برهان أدهم في دمشق، وحتى شواطئ الرملة البيضاء في بيروت، وكان الجميع يضحك فيها على الجميع، وقد رأيت رئيس الشعبة الثانية ذات مرة يصرخ بوجه أحد كبار المتزعمين لهذه الثورة قائلاً: ماذا تريدون منا؟ نمدكم بالمال والسلاح ألا يكفي ذلك؟ أم تريدون منا أن نرسل إليكم رجالا يقاتلون نيابة عنكم؟

كانت هناك ثورة وثوار ومناضلون شرفاء قاموا بواجبهم النضالي على أكمل وجه، ولكن كان هناك زعماء آخرون يدّعون الوطنية وكان نضالهم ينحصر بالحصول على المال من دمشق يحشون به جيوبهم. أما السلاح فكانوا يبيعونه للطرف الآخر كما سبق وذكرت.

وهنا لا بد من القول، وبضمير مرتاح ومن دون أن أظلم أو أحابي أحدًا، إن جميع الزعماء والمتزعمين ومدعي الزعامة خلال تلك الفترة في لبنان قد قبضوا أموالا من سورية، اللهم باستثناء سليمان فرنجيخ ورشيد كرامي ورينيه معوض وكمال جنبلاط ومعروف سعد وعبد الله اليافي.

 

فؤاد حداد «أبو الحن» ـ تابع…

سبق أن أشرت الى موضوع الصحفيين اللبنانيين غندور كرم وفؤاد حداد اللذين دأبا على مهاجمة الرئيس عبد الناصر في الصحف اللبنانية وكان الصحفي الأخير الأشرس في هجومه واستخدامه أبشع الألفاظ والشتائم، وقد أبدى الرئيس غضبًا شديدًا عندما قرأ في جريدة «العمل» الناطقة باسم الكتائب اللبنانية الزاوية التي كتبها حداد بمناسبة انتخاب اللبناني شارل مالك رئيسًا للجمعية العمومية في الأمم المتحدة بأكثرية مئة وسبعة وخمسين صوتاً، وفي ذاك المقال أشار حداد الى أن الأصوات التي حازها مالك بمثابة العدد نفسه من البصقات في وجه عبد الناصر الذي شدد على عبد الحميد السرّاج وجوب معاقبة الصحفي المذكور وإسكاته.

في أول زيارة للرئيس الى دمشق بعد ذاك الحديث أعلم السرّاج الرئيس بأن أبا الحن موجود في دمشق بعد ان اختطفته إحدى فصائل المقاومة الشعبية اللبنانية بقيادة خليل شهاب الدين من بيروت ونقلته الى دمشق، فأمر الرئيس بمعاقبته بما يستحقه، فأعيد الى لبنان وهناك لقي حتفه.قضية

 

فرج الله الحلو: التذويب بالأسيد

بعد النجاح الكبير الذي حققه برنامج تنوير الشيوعيين واقتناعهم بالمنجزات التي تحققت بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر، كان من الطبيعي أن يعمد الحزب الشيوعي الى إعادة بناء شبكة جديدة للعمل السري، لذلك لم نُفاجأ عندما بدأت بوادر العمل السري تظهر جلية عبر المنشورات والشعارات أخذت تُلصق و تُكتب بوتيرة متنامية على الجدران، وكذلك المظاهرات الصغيرة الطيارة. كنا نقبض على بعض موزعي المنشورات ولدى التحقيق معهم كنا دومًا نصل الى طريق مسدود، ومن خلال التعاون القائم مع رفيق رضا الذي تحدثت عنه في الفصل السابق (شيوعي تعاون مع المخابرات السورية)، كان الأخير يستعرض معي بعض الأسماء من رفاقه السابقين من الشيوعيين الذين يمكن أن يكونوا المسؤولين عن هذه الممارسات.

وبتاريخ 19/6/1959، حدثت مفاجأة لم نكن نتوقعها، عندما قامت إحدى دورياتنا المنتشرة في المدينة بتوقيف أحد الأشخاص في مقهى الحاجز، حيث كان يطالع علناً نشرة نضال الشعب التي كان يصدرها الحزب الشيوعي السوري وتوزع سرًا في دمشق، وتبيّن أنه يدعى صبحي الحبل، وهو لبناني من أهالي طرابلس، ولدى تفتيشه تبيّن حيازته لكمية من المنشورات الشيوعية. أُحضر المذكور الى مكتبي وتم إعلامي بالموضوع حيث استدعيت رفيق رضا لمقابلته، وما إن وقعت عينا رضا عليه حتى قال له: أهلين صبحي، فرد عليه الأخير: مرحبا أستاذ. ثم التفت إليّ قائلاً: أنا شيوعي وأعرف أنكم تعذبون من يقع في أيديكم، وأنا على إستعداد للإدلاء بمعلومات شديدة الأهمية، شرط ألا أتعرض للضرب والتعذيب.

قال الرجل ذلك ولم يمضِ على وصوله الى المفرزة أكثر من عشر دقائق. كانت الكلمات تنطلق من فمه بسرعة من دون أن يتعرض لأي ضغط نفسي أو مادي، وهذا التصرف لم أعهده من الشيوعيين، وبجرأة تشبه الوقاحة، سحب المقعد المقابل لمكتبي وجلس عليه والتفت إليّ قائلاً: هل تسمح لي بفنجان قهوة؟ ما إن رشف من فنجانه حتى باشر حديثه قائلاً:

أنا مقيم في دمشق وأشرف على بيت سري مخصص لإقامة ثلاثة من المسؤولين عن العمل السري للحزب، يأتون من بيروت بالتناوب أسبوعيًا والدور الآن على أبو فياض، وعندما سألته عن الإسم الكامل للمدعو أبو فياض، غمز بعينيه نحو رفيق رضا وقال: الأستاذ يعرفه، فأردف رضا بلهجة يشوبها التعجب والإستغراب: يقصد فرج الله الحلو. ثم أكمل صبحي كلامه قائلاً: لقد إتصل بي يوم الخميس وأخبرني أنه سوف يأتي الى دمشق في اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين من هذا الشهر (حزيران 1959). رافقنا الحبل الى البيت المذكور حيث أقمت فيه كميناً مؤلفاً من أربعة عناصر برئاسة الحاج شاهر نوناتي، وبعد أربعة أيام، أي في يوم 25/6/1959، تلقيت إتصالا من الحاج شاهر يُعلمني فيه أنه قد تم توقيف فرج الله الحلو عندما كان يهم بدخول البيت، وفي مكتبي في الطلياني رأيته لأول مرة، كان رجلاً بديناً طوله أقل من المتوسط وفي حوالى الستين من عمره، لدى تفتيشه تبيّن أنه يحمل هوية لبنانية باسم عساف منصور من أهالي بلدة جبيل، كما تم العثور على زجاجة تحوي مادة الكورامين وأخرى تحوي حبوب نتروغليسيرين، وبسؤاله عن هذه الأدوية قال إنه مريض في القلب ويستعمل هذه المواد في حالات إسعافية، كما تم العثور على بعض النقود ودفتر صغير يتضمن بعض الرموز وأرقام الهواتف.

دعوته للجلوس وطلبت له فنجان قهوة، وعندما همّ بتناول قهوته دخل رفيق رضا الى المكتب واتجه نحوه بالقول: مرحبا أبو فياض، فما كان من الأخير إلا أن هبّ واقفاً وبصق بوجهه قائلاً: خائن، فرد عليه رضا بالقول: أنت جاسوس ولا داعي لتذكيرك بأنك كنت تحرص دائمًا على حضور المؤتمرات التي كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي يعقدها في مدينة حيفا، وما لبث النقاش بينهما أن أخذ يتطور للإشتباك بالأيدي، فتدخلت بينهما وأنهيت مقابلتهما. إتصلت بعد ذلك برئيس الفرع السابع النقيب نعسان زكار وأعلمته بنبأ توقيف الحلو.

وصل النقيب زكار الى مفرزتي سريعًا وبدأ نقاشاً متصاعدًا مع الحلو حول موقف الحزب الشيوعي من الوحدة، وما حققته الأمة العربية من منجزات على يدي الرئيس جمال عبد الناصر، واغتنمت أول فرصة لأهمس للنقيب زكار بأن الرجل مريض في القلب ولا يمكن التعامل معه بالأساليب نفسها التي عومل بها زملاؤه، واقترحت عليه أن نقوم بنقله الى سجن المزة فوافق على ذلك.

غادر زكار المفرزة وعاد الحلو ورضا للنقاش ولكن بهدوء، وأخذ رضا يذكّر الحلو بما كان يلاقيه من اضطهاد الأستاذ خالد بكداش الذي كان يكرهه ويحقد عليه (أي على الحلو) بسبب مواقفه العروبية التي كان بكداش يفتقدها، وبالتالي كان يعتبر الحلو منافسًا له، كما أوضح رضا للحلو أنه لا يستغرب أن يكون بكداش قد أوفده الى دمشق ليلقى المصير الذي هو فيه الآن، مذكّرا بأن صبحي الحبل من أكثر الشيوعيين قربًا من بكداش وأنه كان يدلي بأقوله (أي الحبل) التي أدت للإيقاع بالحلو طواعية وكمن يؤدي مهمة كُلّف بتنفيذها.

هنا كاد الإثنان أن يتشاجرا مرة أخرى، فطلبت من رضا مغادرة الغرفة وعدت لتهدئة الحلو الذي بدا يستأنس بي، فتوجه إليّ بالقول: أنتم شباب وطنيون في أوائل أعماركم ولا تدركون أن جمال عبد الناصر عميل أميركي. ما إن فرغ الحلو من إكمال كلمته حتى كان عبد الوهاب الخطيب قد دخل المكتب وهو يحمل كأساً من الماء، وإزاء سماعه ما قاله الحلو بادر بقذف الكأس ومحتوياته بوجهه. تقدمت من عبد الوهاب الخطيب لأعلمه بأن الرجل مريض بالقلب، ثم خرجت الى البهو حيث كان يقف رفيق رضا وطلبت منه أن يدخل ليؤكد بأن الرجل مريض بالقلب، ثم غادرت الى منزلي تاركاً الخطيب مع بعض العناصر وعلى رأسه وجيه أنطاكلي.

وفي صبيحة اليوم التالي أحجمت عن الذهاب الى المكتب وذهبت الى مزرعتي حيث دعوت الدكتور شكيب الجابري لتناول طعام الفطور. وقبيل الظهيرة بقليل جاءني من دمشق السائق سعيد مخللاتي ليقول لي إنهم يريدونك في المكتب، ولما سألته عن الحلو أخبرني بأنه توفي في الصباح الباكر بين يدي الأنطاكلي، فقلت له: عد إليهم وأعلمهم أن يعتبروني مستقيلاً، وأنني سألازم بيتي من هذه اللحظة.

بقيت في بيتي ثلاثة أيام، إستدعاني بعدها المقدم عبد الحميد السرّاج ليسألني عن سبب إنقطاعي عن العمل، فقلت له: إنني نبّهت عدة مرات الى أن الرجل مريض وأنه سوف يموت إذا استمر الضغط عليه، فرفض الإستماع إليّ. قال لي السرّاج: وماذا تريد أن نفعل الآن؟ أجبته: الواجب يحتم علينا إعلام السلطات القضائية والطبيب الشرعي لتحديد أسباب الوفاة والمسؤول عنها. رد عليّ السرّاج قائلاً كمن يحدث نفسه: لا نستطيع فعل ذلك، إذ سوف تقوم قيامة الاتحاد السوفياتي وليس في مقدورنا مواجهة ذلك في هذه الظروف. ثم التفت نحوي مستدركاً: لماذا أنت خائف؟ ألست مؤمنا بالوحدة؟ أجبته بالقول: إنني مؤمن بالوحدة ولكن هذا الرجل الذي مات ليس شخصًا عاديًا، وسوف يستمرون بإثارة قضيته ولو بعد خمسين عامًا. عاد السرّاج ليكرر سؤاله عن سبب خوفي فقلت له: أنا الذي أوقف الرجل وقد توفي في مكتبي، فقال: إنك لم تشارك في التحقيق معه، وبالتالي فأنت لست مسؤولاً عن موته، فلم الخوف، أجبته: ها أنت تقول بنفسك أن لا علاقة لي بمقتل الرجل، ومع ذلك أريد الحصول على إقرار خطي موقع من كل الذين شاركوا يثبت عدم مسؤوليتي، فقال لي: عد الى عملك الآن وسوف نتدبر الموضوع. أصررت على موقفي قائلاً: إسمح لي أن أقول لك بأني ذاهب الى بيتي ولن أعود للعمل إلا بعد حصولي على الإقرار الذي طلبته، واستأذنت منصرفاً الى بيتي.

بعد يومين تسلمت الإقرار وعدت الى عملي، وعندما سألت عن وجيه أنطاكلي، قيل لي بأنه يعمل على التخلص من جثة فرج الله الحلو وإزالة كل آثار الموضوع. وعلمت في ما بعد أنه دفن الجثة في أرض عائدة لشقيقه في قرية دير سلمان، ثم عاد واستخرجها بعد بضعة أيام حيث قطّع الجثة وأذابها بالأسيد، ثم عاد الى مفرزة الطلياني لمباشرة عمله، فطلبت منه إلتزام بيته مع تعهدي بإرسال راتبه إليه نهاية كل شهر.

بقيت الأمور على هذه الحال، الى أن كُلِّف الأستاذ شتيوي سيفو بالإنتقال الى حلب للقيام بأعمال مكافحة الشيوعية هناك، وطلب إنتداب بعض العناصر لمعاونته في مهمته، فرشحت له وجيه أنطاكلي. فرح به الأستاذ سيفو واصطحبه معه الى حلب. وبعد مرور شهر واحد مات أحد الشيوعيين وهو الأستاذ بيير شادرفيان بين يدي الأنطاكلي، فأمر السرّاج بإجراء التحقيق اللازم في الموضوع، وتمت إحالة الأنطاكلي للقضاء، ولقاء وعد بأن يستمر راتبه الشهري جاريًا وأن يُعامل في السجن كأحد موظفيه، وأن يصدر مرسوم بالعفو عنه بعد سنة من توقيفه، وافق وجيه أنطاكلي على أخذ الموضوع على عاتقه وتحمّل المسؤولية وحده متسترًا على غيره من المسؤولين الذين أشرفوا على مراحل التحقيق. وأصدرت محكمة الجنايات حكمًا بسجن الأنطاكلي لمدة خمسة عشر عامًا تم تخفيضها الى سبعة أعوام ونصف، وقد برّ السرّاج بوعده له، فقد كان راتبه جاريًا كما اتُفق معه، وكان يتصرف في السجن وكأنه مدير له، ولولا وقوع الإنفصال بين سوريا ومصر لصدر مرسوم العفو الذي وُعد به.

مأساة فرج الله الحلو أصابتني بالإحباط والتقزّز ودفعتني لأن أعاهد نفسي على الإمتناع عن معالجة أي موضوع له صلة بالشيوعية والشيوعيين، فعهدت بهذه الأمور الى رفيق رضا عضو اللجنة المركزية السابق في الحزب الشيوعي السوري، واكتفيت بالإطلاع على عناوين المواضيع التي يُعالجها. أما بقية قصة فرج الله الحلو، فسوف أعرِّج عليها مرة خرى خلال سرد مجريات المحاكمات التي تمت عقب الإنفصال وتناولتني شخصيًا، كما تناولت المقدم عبد الحميد السرّاج وآخرين من ضباط المخابرات العامة.

 

أسباب إنكار السرّاج علمه فرج الله الحلو

بعد علمه بموضوع فرج الله الحلو، إتصل السيد عبد الحميد السرّاج بالرئيس جمال عبد الناصر وأعلمه بتفاصيل الحادث وبنيّته إحالة الذين حققوا مع الرجل الى القضاء، إلا أن الرئيس أمره بالتكتم على الموضوع وإزالة كل أثر للجريمة وبأية طريقة، وكانت حجة الرئيس أن الحلو شخص غير عادي، له مكانة في الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الإشتراكية، وأن الإعلان عن موته بهذه الطريقة سوف يؤثر على علاقة الجمهورية العربية المتحدة بالاتحاد السوفياتي بعد أن بدأت تلك العلاقة تتحسن بعد مرحلة فتور بسبب عبد الكريم قاسم، وقد يؤثر الموضوع سلبًا على المباحثات الجارية مع روسيا لتمويل وبناء السد العالي، خصوصًا وأن تلك المباحثات قد بلغت مراحلها الأخيرة.

بعد إختفاء فرج الله الحلو، وُجِّهت أصابع الإتهام لأجهزة الأمن السورية وبدأت الوفود تتقاطر على دمشق والقاهرة مطالبة بإطلاق سراح الحلو، وكان الجواب الدائم على هذه المطالب أن المذكور لم يدخل أراضي الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي أو الجنوبي.

شُكِّلت لجان عالمية أطلقت على نفسها إسم لجان الدفاع عن فرج الله الحلو، ضمت كُتّابًا وفنانين وشعراء من الهند وأستراليا وكندا وأميركا اللاتينية وكل دول المنظومة الإشتراكية.

كان الرئيس عبد الناصر خلال رحلاته الخارجية يقابل صحفيين وممثلين عن وكالات أنباء عالمية ويُسأل عن فرج الله الحلو حتى خروتشوف ونهرو وكاسترو سألوا الرئيس شخصيًا عنه، وكان جوابه دائمًا نفي أي علاقة للسلطات الأمنية في الجمهورية العربية المتحدة باختفاء المذكور، وقد صرح مرة لإحدى وكالات الأنباء العالمية أن ثمة صراعًا قويًا بين تياري الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان لأن أحد هذين التيارين عروبي والآخر شعوبي، ومن المحتمل أن يكون غياب الحلو بسبب هذا الصراع، وأن الحملة ضد الجمهورية العربية المتحدة بخصوص المذكور هي بهدف الإساءة لسمعتها.

لم يكن إصرار السرّاج على إنكار علمه بموضوع فرج الله الحلو رغم شهادة كل معاونيه بسبب خوفه من المسؤولية، إنما كان هذا الموقف وفاء للرئيس جمال عبد الناصر الذي آمن به زعيمًا، وحماية لمصداقيته أمام العالم، وخصوصًا حيال خروتشوف ونهرو وكاسترو وزعماء دول المنظومة الإشتراكية.

* من كتاب سامي جمعة أوراق من دفتر الوطن (1946 ـ 1961)

(انتهى)

من تاريخ المخابرات السورية في لبنان – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل