فليُحاكم النظام السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية – 2

كتبت “المسيرة” – العدد 1696

جانب الأمم المتحدة…

إنها جريمة ضد الإنسانية

فليُحاكم النظام السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية (2)

*المذكرة القانونية التي سلمتها  جمعية المعتقلين اللبنانيين في سوريا‏ الى ممثل

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تحت علم وخبر رقم 799، بتاريخ  27 كانون الثاني 2012

 

مقدمة

يشكل الاخفاء والاحتجاز القسري لعدد كبير من المواطنين اللبنانيين في السجون السورية منذ سنوات عديدة إنتهاكا لمجموعة أساسية من حقوق الانسان هي الحق في الحياة، الحق في الحرية والأمان الشخصي، الحق في سلامة الجسد من التعذيب، الحق في محاكمة عادلة أمام قضاء عادل، وهي حقوق نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان،  فضلاً عن ان القانون الجنائي الدولي وقانون الحرب يعتبران ممارسة الإخفاء القسري على نحو منظم بمثابة جريمة ضد الإنسانية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ان حالة الطوارئ في سوريا لا تعفي الدولة السورية من مسؤوليتها

نصت المادة السابعة من الإعلان ذاته المتعلق بالاختفاء القسري على أنه:

“لا يجوز اتخاذ أي ظروف مهما كانت، سواء تعلق الأمر بالتهديد باندلاع حرب أو قيام حالة حرب أو عدم الإستقرار السياسي الداخلي أو أي حالة استثنائية أخرى، ذريعة لتبرير أعمال الاختفاء القسري.”

إلا أن إعلان حالة الطوارئ في سوريا منذ العام 1963، وما نجم عنها من تغييب القانون وسيطرة الأجهزة الأمنية على مناحي الحياة كافة وفقدان السلطة القضائية لاستقلاليتها، جعل من حالة الاختفاء القسري شائعة الحدوث وهي تتناول سوريين وغير سوريين على حدٍ سواء ولا تخضع لأية ضوابط قانونية، إلا ان حالة الطوارئ تلك لا يمكنها ان تعفي الدولة السورية من مسؤولياتها عن حالات الاختفاء تجاه القانون الدولي.

ثانياً: ان إستمرار إخفاء واحتجاز اللبنانيين في السجون السورية هو جريمة دولية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية

لا بد هنا من التمييز بين الوضع القانوني للأشخاص اللبنانيين الذين اختفوا أثناء الحرب اللبنانية وبين اللبنانيين المحكومين في سوريا وبين الأشخاص المخفيين والمعتقلين تعسفاً في السجون السورية، وذلك رفعاً لأي التباس قد تمارسه السلطات السورية في هذا المجال تهرباً من مسؤولياتها القانونية.

 

– التمييز بين الوضع القانوني للمعتقلين والمخفيين في السجون السورية ووضع المخفيين أثناء الحرب اللبنانية

أ‌- تنطبق على حالة المخفيين أثناء الحرب الأهلية “الإتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”  الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 كانون الأول 2006  والتي إنضم إليها لبنان في 6 شباط 2007 ولم يصادق عليها المجلس النيابي اللبناني بعد. وهذه الاتفاقية تشكل إطاراً قانونياً لمقاربة ملف المخفيين في لبنان بسبب الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أن هذه الإتفاقية لم تدخل حيّز التنفيذ بعد، فهي تعتبر إحدى اهم إتفاقيات حقوق الإنسان وتشكل ذروة الجهود المبذولة على صعيد القانون الدولي للدفاع عن هذه الحقوق، إذ تُلزم الاتفاقية الدول الأعضاء بإخضاع جريمة الإختفاء القسري للتشريع الوطني، وبضمان حق الضحايا بالتعويض المادي والمعنوي، وبضرورة ملاحقة ومحاكمة مرتكبي هذه الجريمة إذا تواجدوا على أراضي الدولة الموقعة أو أراضٍ خاضعة لسلطتها، أو تسليمهم إلى دولة أخرى أو محكمة دولية بهدف محاكمتهم. وتنص على وجوب تعقب مكان وجود “المختفين” ومعالجة آثار المشاكل التي تتعرض لها عائلاتهم.

– أما في حالة المخفيين والمعتقلين في السجون السورية، فتعتبر جريمة حرب بحسب الفقه القانوني الدولي والذي كرسته في ما بعد المادة 8 الفقرة 7 من نظام المحكمة الجنائية الدولية  (الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الحبس غير المشروع)؛ وأفعالاً ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية بحسب المادة 7 الفقرة ط (يقصد بـ”الاختفاء القسري للأشخاص” إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه. ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة).

ففي حالة المدنيين اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية، يشكل توقيفهم ونقلهم عبر الحدود وإحتجازهم إنتهاكاً واضحاً لإتفاقية جنيف الرابعة التي تعالج موضوع حماية المدنيين أثناء الحروب.

يعاقب القانون اللبناني على جرائم الاحتجاز غير المشروع حرمان الحرية في المواد /367/ و /569/ و /570/ من قانون العقوبات.

أما في حالة العسكريين والجنود المعتقلين، فيشكل التوقيف والنقل عبر الحدود والإحتجاز وحجب أية معلومات متعلقة بأعدادهم وهوياتهم وأماكن إحتجازهم العادلة عنهم إنتهاكاً للإتفاقية الثالثة التي تعنى بأوضاع أسرى الحرب والمقاتلين.

 

– ضرورة التمييز بين المحكومين اللبنانيين في السجون السورية وبين معتقلي الرأي والمخطوفين إبان الحرب في لبنان قبل وبعد تاريخ 13 تشرين 1990

كذلك يقتضي التمييز بين نوعي الإعتقال المذكورين، إذ يُخشى أن يشمل أي إتفاق الفئة الأولى دون الثانية. ففي حين تعترف السلطات السورية بوجود محكومين لبنانيين في سجونها، لا زالت حتى اللحظة تنكر وجود معتقلي رأي على الرغم من الزيارات أو مشاهدات بعض الأقرباء لهم. هذا الأمر الذي يزيد من إحتمالات تصفيتهم للتخلص من الدليل. وهنا، نُعيد التذكير بموجبات الدولة الحاجزة بحسب أحكام إتفاقيات جنيف والقانون الإنساني الدولي.

 

– في عدم سقوط مسؤولية الجهات التي ارتكبت جرائم الإخفاء القسري بمرور الزمن، أو العفو أو المحاكمات الصورية

لقد تم في السنوات الماضية تشكيل لجان رسمية في لبنان بهدف متابعة موضوع المعتقلين والمخفيين اللبنانيين في السجون السورية، وقد طلبت إحدى هذه اللجان من أهالي العسكريين المفقودين التوقيع على وثيقة وفاة أولادهم. حتى في مثل هكذا حالة، فإن مرتكبي جريمة الإختفاء القسري يبقون عرضة للملاحقة إذ أن مسؤوليتهم عن الجرم تبقى قائمة. هذا، وينص نظام روما في المادة 29 على أن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، والتي من ضمنها جريمة الإخفاء القسري، لا تسقط بمرور الزمن. كذلك، تبقى مسؤولية مرتكبي هذه الجريمة قائمة حتى ولو خضع هؤلاء، سواء أكانوا لبنانيين أم غير لبنانيين، لمحاكمات تبين أنها صورية وتمّ العفو عنهم لاحقاً، وذلك بحسب المادة 20 الفقرة (3) من نظام روما.

 

– الخلاصة والتوصيات:

تأخذ ظاهرة الإخفاء القسري للبنانيين في السجون السورية شكل الإنتهاك المنتظم والمستمر للقانون الدولي، ما يجعلها وفقا لإعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري وقانون الحرب القانون الإنساني الدولي، جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب فضلاً عن كونها مخالفة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خصوصا تلك التي صادقت عليها سوريا وأصبحت جزءا من قانونها الداخلي.

وعليه فإننا نتقدم منكم بهذه المذكرة طالبين اتخاذ الخطوات التالية على وجه السرعة لوضع حد لهذا الانتهاك السافر للحقوق الانسانية للمواطنين اللبنانيين وعائلاتهم:

اولاٍ: على صعيد الضغط الديبلوماسي والسياسي

بالنسبة للدولة السورية:

– الضغط على الحكومة السورية لايجاد حل عاجل لهذه القضية الانسانية المزمنة باشراف المفوضية العليا لحقوق الانسان والصليب الاحمر الدولي.

بالنسبة للدولة اللبنانية:

إن ما يخدم قضية المعتقلين والمخفيين اللبنانيين في السجون السورية من الناحية القانونية هو الضغط الديبلوماسي باتجاه المجلس النيابي اللبناني والطلب أن يكون التصديق على “الإتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري” من أولوياته. لقد كان لبنان من أوائل الدول المنضمة إلى هذه الإتفاقية غير أنه لم تتم بعد المصادقة عليها من قبل المجلس النيابي نظراً لحالة الشلل التي يعاني منها، وبالتالي لا يزال تطبيقها رهن هذه المصادقة ودخولها حيّز التنفيذ. لا بد من الضغط. تكمن أهمية الإتفاقية في أنها تلزم الدول الأعضاء بإخضاع جريمة الإخفاء القسري للتشريع الوطني ما يتيح لذوي المخفيين مراجعة القضاء اللبناني لملاحقة من يعتبرونهم مسؤولين عن اخفاء ذويهم.

 

على صعيد مجلس الأمن والقضاء الجنائي الدولي:

لقد إجتاز القانون الدولي شوطاً كبيراً لجهة مفهوم العدالة الجنائية الدولية وتطبيقها، حيث أصبح بإمكان هذه الأخيرة  تجاوز العدالة الداخلية لكل دولة والنظر في قضايا كانت تعتبر حتى الأمس القريب، وبشكل حصري، من إختصاص القضاء الخاص بكل دولة مما أفسح المجال أمام محاكمة الأفراد، سواء إنتموا إلى دول أو كيانات أخرى، مهما علا شأنهم. فسواء أكان الشخص المعني رئيس دولة أو وزير داخلية أو مدير مخابرات الخ أصبح بالإمكان توقيفه ومحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية ودون إمكانية التذرع بأي حصانة.

أن لبنان وسوريا لم ينضما بعد إلى إتفاقية روما، غير أن ذلك لا يحول دون اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية في موضوع المعتقلين والمخفيين اللبنانيين في السجون السورية بقرار من مجلس الأمن. فدولة السودان لم توقع على إتفاقية روما لكن المحكمة الجنائية الدولية تنظر في الوضع هناك بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي، تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبحسب المادة 13 الفقرة (ب) من نظام روما، القرار رقم 1593 (31 آذار 2005)  لإحالة الوضع في السودان إلى المدعي العام للمحكمة الذي اصدر مذكرات توقيف بحق الرئيس السوداني (عمر حسن البشير) وعدد من كبار المسؤولين. ونشير هنا الى انه وعلى الرغم من أن المادة 11 الفقرة (1) من نظام روما تنص على أنه ليس للمحكمة إختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام، فإن جريمة الإختفاء القسري جريمة متمادية في الزمن، وبالتالي يكون للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص النظر فيها. ويقتضي بالتالي التوجه إلى مجلس الأمن والطلب اليه تحويل ملف المعتقلين والمخفيين اللبنانيين في السجون السورية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وإننا إذ نأمل أن تلقى هذه المذكرة اهتمامكم، تفضلوا، سعادة الأمين العام، بقبول فائق التقدير والإحترام.

بيروت في27/1/2012

(انتهى)

 

إقرأ ايضاً: فليُحاكم النظام السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية – 1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل