البطاركة القدّيسون ومجد لبنان – 2

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1697

البطاركة القدّيسون ومجد لبنان

الحويك مكرّمًا… بطل جديد بين المقاومة والقداسة  (2)

 

عرف الكرسي البطريركي المتنقّل من كفرحي إلى قنوبين وإيليج ويانوح والديمان وبكركي، وغيرها من المقرّات القلاع والمحابس، العديد من البطاركة الذين ساروا على طريق القداسة، بل منهم من خطها وحفرها بالإيمان والنسك والمقاومة والشهادة. من البطريرك الأول مار يوحنا مارون الذي قاد الموارنة إيمانيا وكنسيا وميدانيا فبلغ مراتب القداسة، إلى سليل من البطاركة العظام ممن حُفِرت كراسيهم في ثنايا الصخور وأسماؤهم في صفحات التاريخ.

اليوم وبعد إعلان الفاتيكان تكريم بطريرك»لبنان الكبير» الياس الحويك في حزيران 2019، باتت للبنان محطة أخرى مع القداسة ومزيد من رفد السماء بأبطاله القديسين. فالبطريرك الحويك الذي دخل التاريخ بمواقفه وإنجازاته، ومنها تأسيس دولة لبنان الكبير ومحاربة الظلم ومساعدة الفقراء، يدخل اليوم مرتبة القديسين حاملا معه لبنان الكبير بقلبه الكبير إلى مصاف الخالدين.

 

اسطفان الدويهي

البطريرك اسطفان الدويهي (1670 – 1704)، بطريرك آخر على درب القداسة. فالبطريرك العلامة من أعظم عظماء الكنيسة المارونية عبر تاريخها الطويل، وصِيْت قداسته شاع عنه في حياته، والعجائب التي حصلت على يده كثيرة. ومعروف عن البطريرك الدويهي أنه «أب التاريخ اللبناني» و«مؤسس الرهبانيات اللبنانية» و«رائد الإصلاح الليتورجي» و«معلم الكنيسة المارونية الاكبر». واستنادا إلى كل ذلك وإلى غيره من المنجزات والمعجزات، حق له أن يرفع على المذابح وان يكون في عداد القديسين. وما حصل حتى الآن على صعيد دعوى التطويب يبشر بقرب إعلان طوباويته.

فملف الأعجوبة (شفاء من السرطان) التي تحققت منها المحكمة الروحية في لبنان وتم ختمه بالشمع الأحمر وأرسل الى مجمع القديسين في روما الذي سيحدد لاحقا موعدا للانعقاد لدراسة التقارير الواردة اليه والتدقيق في محتوياتها. وفي هذا المجال يقول طالب دعاوى القديسين الاب بولس قزي «لقد وقّع البطريرك الراعي ملف التحقيق في الأعجوبة المنسوبة الى البطريرك الدويهي وهو على نسختين، وارسل الى مجمع القديسين للتحقيق بالأعجوبة.

ويشير المطران سمير مظلوم، الى ان البطريرك الدويهي هو اول بطريرك ماروني تقدم له دعوى قداسة في روما، ولكن كثيرين من البطاركة الموارنة ومن بينهم البطريرك الدويهي فاحت رائحة قداستهم وذاع صيتهم شعبيا من مار يوحنا مارون البطربرك الأول الى بطاركة القرون السابقة وقد أصبحوا قديسين بنظر الشعب حتى ولو لم تعلن الكنيسة قداستهم، خصوصا بطاركة الحقبة ما قبل القرن السابع عشر. وطلب من جميع من تحصل له أعجوبة أو شفاء أو ينال نعمة من الله بواسطة شفاعة البطريرك الدويهي، ان يبلغ مؤسسة البطريرك الدويهي بها لكي تدوّن في السجل المخصص لذلك من أجل المساهمة في دعوى التقديس والاسراع بها.

وكانت مسيرة إعلان قداسة البطريرك الدويهي بدأت في العام 1982 مع موافقة المجمع البطريركي على دراسة إمكان إدخاله الى الدوائر المختصة في روما بغية إعلان قداسته، فتأسست رابطة البطريرك إسطفان الدويهي، وهي لا تنتمي الى عائلة أو أيدولوجية أو حزب، هدفها الوحيد متابعة ملف البطريرك ليصل الى دوائر التقديس في روما.

الدعوى التي يتولى متابعتها الأب بولس القزي بين لبنان والفاتيكان، كان بدأ البحث فيها على الصعيد الأبرشي في تشرين الثاني من العام 2000 وصدرت الموافقة على قبولها بعد عامين، ثم أعلن البطريرك مكرما في تموز 2008 لتبدأ بعد نحو عشر سنوات المرحلة الثانية التي يطلق عليها تسمية «دعوى العجائب»، بحسب الأب القزي، والتي تنظر فيها هيئة حاكمة تعمل وفق الأصول الكنسية وتضم رجال دين وعلم وأطباء واختصاصين في علم الآثار والأنتروبولوجيا يقدمون تقاريرهم تباعا تمهيدا لإثبات أعجوبة شفاء ليعلن بعدها التطويب.

يرأس اللجنة، التي تقرر تشكيلها بناء على مرسوم بطريركي أصدرته البطريركية المارونية ووقعه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، النائب البطريركي العام المطران جوزف نفاع يعاونه الخوري أنطونيوس جبارة بصفته محاميا للعدل، ومن «مؤسسة البطريرك الدويهي» جوزف رعيدي والمونسنيور اسطفان فرنجية والخوري حبيب صعب بصفته مسجلا، وكانت اللجنة أقسمت اليمين القانونية أمام البطريرك الراعي في بكركي لإتمام المهمة الموكلة اليها.

وإلحاقا بدعوى التطويب واعلان القداسة لاحقا، بدأت مرحلة التعرف الى جثمان البطريرك الدويهي وهي مرحلة تتطلب عملا وجهدا ووقتا كما يقول الأب القزي لناحية إجراء الفحوص التحليلية ولا سيما فحص الحمض النووي DNA الى الفحوص المخبرية الأخرى للتعرف الى رفات البطريرك الدويهي، وهي خطة تأتي عادة قبل إعلان التطويب.

ويشير علماء الآثار والبيولوجيا الى أن أعمال تنقيب حصلت على تسع طبقات أثرية داخل مغارة عميقة حيث يعتقد أن رفات البطريرك الدويهي مدفون في وادي قنوبين، وتم استخراج عدد كبير من العظام تم تنظيفها من الترسبات، ووضعت في أكياس وتم إيداعها في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان تمهيدا لفرزها على أن تلي هذه المرحلة عملية فحص الحمض النووي التي يتولاها الإختصاصي في علم الجينات والأمراض الوراثية البروفسور بيار زلوعة والذي سيعمد الى وضع ما يعرف ب data collection  أو جمع البيانات.

 

ماذا عن نصرالله صفير؟

أظهر الحس الجماعي للموارنة والمسيحيين والبعض من غير المسيحيين، أن هناك شريحة كبيرة من الناس أطلقت في شكل عفوي أو إيماني على البطريرك صفير إسم البطريرك القديس. وهذه علامة ظهرت مع من باتوا اليوم قديسين مكرسين على مذابح الرب.

واليوم، بعد انتقال البطريرك صفير (1986 – 2011) إلى حضن الآب السماوي، راحت تتردد بكثرة عبارة «البطريرك القديس». وثمّة من بدأ يعتبر أن هذا الموضوع ليس مجرد لحظة عاطفية في مناسبة وداعه، بل هو حدْس شعبي وشعور إيماني غالبا ما أصاب عبر التاريخ.

المسألة الأهم، هي على الصعيد الجماعي لا الفردي. وهي في أن هذا التاريخ من المقاومة والتنسك والبطولة، وهذه المسيرة العابقة بالبخور وتلك القافلة المقدسة، باتا عنوانا لجماعة انتفض أبناؤها على الظلم ونشدوا الحرية مع ما كلّفهم ذلك من تضحيات وأثمان كبيرة. لكن المكسب الأعظم أن الله ظل معهم، فجعل العديد منهم أبرارا في ملكوته السماوي وشفعاء لأبناء شعبهم على الأرض…

 

نبذة عن حياة البطريرك الياس الحويك

إلياس بطرس الحويك (1843 – 1931) هو البطريرك الماروني الـ72، وقد تولى السدة البطريركية بدءاً من العام 1899 وحتى العام 1931، في حبرية طويلة دامت زهاء 34 عاماً، لتكون بالتالي أطول ولاية بطريركية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

لعب دوراً قيادياً في عملية استقلال لبنان، وتأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، وهو أحد أربعة رجال اتفق المؤرّخون اللبنانيون على اعتبارهم «صناع لبنان». فهو إلى جانب فخر الدين المعني الثاني وبشير الثاني الشهابي ويوسف بك كرم، ساهموا بشكل فعّال في إرساء وجود لبنان المستقل.

هو أيضاً مؤسِّس رهبنة «راهبات العائلة المقدّسة المارونيات»، التي تعتبر أكبر رهبنة نسائية مارونية. وخلافًا للعادة حيث يدفن البطريرك بالقرب من أسلافه في مدافن بطريركية خاصة، فقد دُفِنَ البطريرك الحويّك في الدير الأم للرهبنة التي أسسها.

 

قائد روحي ووطني… وقديس

أعلن البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي يوم السبت 6 تموز الحالي 2019، في مؤتمر صحافي عقده في الصرح البطريركي في بكركي، قرار قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس تثبيت عيش بطولة الفضائل من قبل البطريرك مار الياس بطرس الحويّك (1843-1931) وأعلانه مكرّمًا. وقال الراعي: «ها هي السماء تحاكينا من جديد، البطريرك الكبير الياس الحويّك أب لبنان الكبير قد أعلنه قداسة البابا أنه عاش ببطولة الفضائل الإلهية والإنسانية والأخلاقية والاجتماعية. ونحن كنيسة ومؤمنين ولبنان وبطريركية وراهبات العائلة المقدّسة التي أسسها نفتخر به وها هو المرسوم الذي وقّعه الحبر الأعظم، أي أي الكنيسة أنهت مسار التحقيق في قداسته وأعلنت أن هذا المسار بلغ خاتمته.»

وتابع: «اليوم شاءت العناية الإلهية أن يتزامن فيه قرار الكنيسة مع بداية المئويّة الأولى للبنان الكبير الذي كان هو بطله وكان مترئسا في مؤتمر السلام في فرساي 1919 الوفد اللبناني وناضل من أجل الحصول على لبنان الكامل بكافة أراضيه، بما فيها الأراضي التي سلختها الدولة التركية عن لبنان وكانت السبب الأساسي في المجاعة الكبرى».

وكانت قلوب أبناء الكنيسة المارونية، عندما ارتفعت روح البطريرك الحويك ليلة عيد الميلاد من العام 1931، هتفت «قديس في الحال». ومنذ ذلك الوقت والمؤمنون يعتبرونه قديسًا ويسجّلون نعمًا نالوها بشفاعته، كما دُوِّنت أيضًا أعاجيب مباشرة بعد وفاته وبقي صوت الشعب وأمنيته أن يراه يومًا مكرمًا فوق المذابح. وقد تحققت الأمنية أخيرًا.

فهذا البطريرك طبع الكنيسة المارونية وتاريخ المنطقة المشرقية بطابع فريد لم تمحه الأيام ولا الأحداث. أثبت أنه قائد، ليس روحيًا فقط، بل وطني وتاريخي، وهو القائل «يا أبنائي لا تضيّعوا إرث الأجداد الثمين واستحقاق النساك القدّيسين ودم الشهداء الكريم».

(انتهى)

إقرأ أيضاً: البطاركة القدّيسون ومجد لبنان – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل