







كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1697
لبنان وطناً للسياحة الدينية
ملايين الزوار طلبًا للشفاعة والسلام الروحي (2)
معروف أن السياحة في لبنان تشكل أكثر القطاعات نشاطًا، حتى في الظروف التي تتعثّر فيها حركة النشاطات الأخرى، إلا أنّ السياحة الدينية آخذة في النمو اللافت منذ عقود نظرًا لاعتبارات عديدة، ما جعلها تشكّل رافعة لأنواع السياحات الأخرى عندما تهتز الأوضاع أو تكثر المعوقات. فالمزيج اللبناني من أتباع مختلف الأديان والطوائف جعله زاخرًا بالمواقع الدينية لا سيما المسيحية منها والتي لا مثيل لها في أنحاء المنطقة ومقصدًا لهذه السياحة. فمنذ أن وطئت قدما السيد المسيح أرض لبنان وحصول أولى العجائب بتحويل الماء إلى خمر في قانا الجنوبية، وصولاً إلى رفع قوافل القديسين على مذابح الرب وآخرهم إعلان البطريرك الماروني الياس الحويك مكرّمًا، تتشكل طاقة روحية جاذبة للزائرين من مختلف البلدان والطوائف. يُضاف إلى ذلك أن ما حفل به التاريخ اللبناني من نضالات وبطولات اختلط فيها الحياتي بالروحي، رسّخت على مر السنين مواقع باتت زاخرة بالتميّز ومقصدًا مهمًّا وملهمًا للزوّار وإن كان كل منهم لاعتبارات تختلف عن الآخر. وقد ساهم في تفعيل ذلك، إدراج الفاتيكان لبنان بين وجهات الحج الديني للعام 2019.
في البترون يبرز طبعا كنيسة مار اسطفان الاثرية في المدينة، ودير مار يوحنا مارون – كفرحي، وهو من أقدم الأديار في لبنان. بناه سنة 685 القديس يوحنا مارون (أسقف بلاد البترون وجبل لبنان، وأوّل بطريرك ماروني عاش في الدير حتى وفاته سنة 707 ودفنه فيه). ويضم الدير ذخائر هامة القديس مارون. والمعلم الذي أعاده تقديس نعمة الله كساب الحرديني إلى دائرة الضوء كمقصد للسياحة الدينية، هو دير مار قبريانوس ويوستنيانوس – كفيفان الذي تولّته الرهبنة اللبنانية المارونية عام 1766 وحولته الى مركز للدراسات اللاهوتية والفلسفية، من طلابه مار نعمة الله الحرديني وتلميذه القديس شربل مخلوف. ودير مار يوسف – جربتا حيث ضريح ومزار القديسة رفقا. وهما ديران متجاوران ما يشجع المؤمنين والسياح على زيارة المنطقة، يشدهم التوق لزيارة أكثر من معلم سياحي وديني في بقعة جغرافية صغيرة وأبعاد متقاربة. وليس ببعيد منهما دخل دير راهبات العائلة المقدسة في عبرين كمزار يقصده المؤمنون خصوصاً بعد إعلان البطريرك الياس الحويك مكرّما الشهر الماضي، وكذلك منزله في حلتا. وعلى مقربة من المكان هناك كنيسة مار نوهرا الأثرية في سمار جبيل وكنائس أثرية في بلدة إده.
وفي جرد البترون تتميز بلدة حردين بعدد كنائسها ومحابسها وأديارها، ففيها 44 كنيسة ودير ومحبسة من أهمها كنيسة مار جرجس، كنيسة سيدة الإنتقال، كنيسة مار يعقوب، كنيسة مار سمعان ودير مار يوحنا الشقف، ودير مار إسطفان، ودير مار سركيس القرن الذي كان مقرًّا بطريركيًّا، ودير مار ريشا الذي مرّ به عدد من المطارنة، وكنيسة مار سركيس وباخوس المحفورة في الصخر والمعروفة بكنيسة العماد نسبة إلى جرن المعمودية الذي اعتمد فيه القديس نعمة الله الحرديني وما زال موجودا حتى اليوم، وكنائس، مار شليطا، ومار نهرا. وبالقرب من حردين، تتميز تنورين بدير حوب وبعدد كبير من الكنائس والمحابس المحفورة في الصخر ويعود تاريخها الى القرون الوسطى.
ومن الشمال إلى الجنوب حيث يشتهر كمقاصد سياحية العديد من المواقع الدينية ومنها، سيدة المنطرة في مغدوشة، التي تتناقل عنها الأساطير المتواترة أن السيدة العذراء كانت ترافق ابنها يسوع وهو يبشر في قانا وصيدا وصور والصرفند، وكانت تصعد الى تلك التلة من مغدوشة وتنتظر رجوعه من زياراته التبشيرية. وكنيسة مار نيقولاس – صيدا التي تم بناؤها في القرن الخامس عشر في حيّز للعبادة المسيحية يرقى إلى القرن السابع. فيها قبّة هي الأكبر في المدينة، ومذبح من العهد المملوكي، وفاصل أيقوني لافت من القرن الثامن عشر. كاتدرائية مار نقولا، وتعود إلى العام 1896. هذا إلى جانب الآثار التاريخية المسيحية في صور، حيث أسفرت المكتشفات الأثرية الحديثة عن آثار أول كنيسة في العالم. وتتالى إكتشاف الكنائس البيزنطية بفسيفساءاتها في محيط المدينة. فمن عهد الصلبيين بقايا كاتدرائية ترقى إلى القرن الرابع.
أما في البقاع فهناك دير ما مارون الأثري على العاصي، وهو كناية عن مغارة مثلثة الطبقات محفورة في الجبل، تعلو نحو 90 مترا فوق شير حاد، معروفة بمغارة الراهب. وكنيسة سيدة بشوات في دير الأحمر. ومغاور وادي الحبيس – الفرزل، وقد كانت ذات يوم كرسيًّا أسقفيًّا، كما كانت تضم نساكًا وحبساء.
لبنان أرض قداسة
إذا كانت السياحة الدينية تتنامى دوليًّا في شكل متسارع عامًا بعد عام، فإن لبنان هو الوجهة الأَولى في الإستئثار بنسبة راجحة من هذه الحركة. فالإهتمام يزداد عمومًا بالسياحة الدينية ولا سيما في العالم العربي حيث بدأت الحكومات تعدّل في قراراتها وتتخذ إجراءات تشجّع هذا النوع من السياحات بعد ملاحظة أهميته في الإقتصاد والعلاقات بين الشعوب.
وفي لبنان تُعتبر السياحة الدينيّة من أهم دعائم الأنشطة السياحية. فالبلد الذي يتميّز بتنوّعه العقائدي الديني يزخر بعدد كبير من المواقع الدينية التاريخية أو المقامات التي تستقطب الزوار من كل المذاهب والطوائف.
وبحسب مسؤولين في وزارة السياحية وقائمين على مؤسسات دينية إسلامية ومسيحية، يتدفق الزوار على مدار السنة لزيارة المواقع الدينية والمقامات في لبنان للتبارك والصلاة. وتزداد هذه الحركة في شكل مطّرد. لكن تبلغ ذروتها في شهر أيار وتستمر كثيفة حتى نهاية الصيف، من غير انقطاع في فصل الشتاء حتى لو شهدت بعض التراجع. وهذه الإستدامة تجعل منها قطاعًا ناشطًا وذا مردود على قطاعات وَجِهات متعددة كما على الخزينة العامة.
ومن عوامل نشاط السياحة الدينية في لبنان:
الأوضاع العامة واعتبار الناس أنهم باتوا في حاجة إلى معجزة، ما يدفعهم إلى زيارة الأماكن المقدسة.
تجميل مواقع الحج الديني ما جعلها مصدرًا للنزهة والراحة والأمان.
كثرة المواقع الدينية في لبنان وظاهرة توالي إعلان التقديسات.
وقد أدى ذلك بدوره إلى تنشيط دورة إقتصادية صغيرة مرافقة تشغّل آلاف الأيدي العاملة من حراس ومنظمين وموظفين، في مختلف أقسام هذه المراكز، كما للأثاث والمقتنيات التي تحتاجها. وبازدهار الحركة إليها نشأت أعمال موازية وهي تحقق نجاحًا كالمطاعم والملاهي، ومنها أيضا تلفريك جونية – حريصا الذي بات بحد ذاته مقصدًا سياحيًا وموردًا ماليًا ذا شأن.
ولمواكبة هذه الحركة الناشطة نجد توالي مشاريع ترميم هذه المواقع الدينية بحيث باتت ذات طابع جمالي وتراثي جاذب إضافة إلى جاذبيتها الدينية. وكذلك مشاريع الربط بشبكات الطرقات لتسهيل التنقل ما يزيد هذه الحركة ويسهلها، ومن هذه المشاريع توسيع طريق حاريصا الجاري العمل به حاليا، ومشروع «طريق القديسين» الذي يربط بين المزارات المقدسة في وسط البترون وأعالي جبيل، والذي صدر مرسوم تنفيذه واستُكملت مخططاته وينتظر التمويل للمباشرة بالتنفيذ.
ويعتبر المتابعون على صعيد السياحة الدينية أن أهمية هذه الحركة السياحية المتنامية تكمن في إثبات أن لبنان هو بحق أرض قداسة ووجهة سياحية دينية تمتاز بفرادتها بين الأمم. وعلاوة على ذلك فإن هذا القطاع الناشط خلق حركة إقتصادية مزدهرة في زمن غابت فيه باقي محفّزات الإقتصاد. وربما يعود ذلك الى أن هذا القطاع تديره المؤسسات الرهبانية والكنسية ولا يتم تقاضي أي بدل مادي للزيارة، بعكس ما هو حاصل في القطاع السياحي الرسمي والمواقع التاريخية التي تديرها الدولة.
المواقع الدينية الإسلامية
المواقع الدينية الإسلامية تتمتع هي الأخرى بتاريخ سحيق ومميزات جاذبة للزوار، وهي منتشرة في المناطق اللبنانية كافة. وأبرز هذه المواقع استقطابًا على سبيل المثال لا الحصر، في بيروت، الجامع العمري الكبير في وسط المدينة وهو أكبر جوامع قلب بيروت ويعود بناؤه لأكثر من ألف عام، وقد أطلق عليه هذا الاسم تكريماً للخليفة عمر بن الخطاب. وهناك جامع السرايا ويعرف أيضاً باسم جامع الأمير منصور عساف الذي أنشأه في مدّة إمارته التي امتدت من نهر الكلب إلى حماه البحري (1552- 1580). وجامع الأمير منذر بن سليمان التنوخي 1620 في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. وأبو بكر الصديق ومسجد محمد الأمين في قلب ساحة الشهداء وهو يتَّسع لـ 6250 مصلٍّ، في حَرَمه ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وأيضا جامع المجيدية الذي كان قلعة من قلاع بيروت البحرية، وبرجاً هاماً من أبراجها. ومسجد عين المريسة، ومسجد ومقام الإمام الأوزاعي.
وفي البقاع أيضا عدد كبير من الأماكن والمراكز الدينية، ومنها العتبات المقدسة التي يزورها الحجاج ويصلون فيها لنيل البركات. وأبرز تلك المواقع: الجامع الأموي الكبير في بعلبك، شُيّد في القرن الهجري الأول إبان العصر الأموي، على أنقاض كنيسة بيزنطية، وهو أكبر جوامع بعلبك على الإطلاق، ومقام النبي يوشع بن نون، ومقام النبي نجّوم في طاريا، ومقام النبي شيت في سرعين، ومقام النبي سليمان في يونين، كذلك مقام السيدة خولة في بعلبك، ومقام النبي أيلا بالقرب من زحلة والنبي نوح في الكرك.
في الشمال هناك الجامع المنصوري الكبير وهو أكبر جوامع طرابلس ولبنان على الإطلاق، بني عام 1294 في محلّة النوريّ. جامع طَين الأجمل وأفخم جوامع لبنان، وجامع البُرطاسي أيضا من أجمل مساجد ومدارس طرابلس المملوكية، يقع في محلّة باب الحديد، بناه الأمير «عيسى بن عمر البُرطاسي الكردي» قرابة العام 1310 ليكون مدرسة لطلبة العلم ومسجداً. وداخل قلعة طرابلس هناك 3 مساجد، أحدها فاطميّ مثمّن الأضلاع، والثاني جامع القلعة الكبير، والثالث مسجد «مصطفى آغا بربر» والي طرابلس.
من جهتها تزخر منطقة عكار بالعديد من المواقع الدينية الأثرية المقصودة ومنها: مسجد الشيخ عياش، مسجد البيرة، مسجد قبة بشمرا، المدرسة الحميدية في مشحة، ومسجد البرج في الجومة، وجامع الظاهر بيبرس في عكار العتيقة.
أما في الجنوب فنجد في صيدا الجامع العمري الكبير، ومسجد البحر، والجامع البراني الذي شيّده الأمير فخر الدين المعني الثاني عام 1634 خارج أسوار صيدا القديمة، فعرف بالبراني. ومسجد قطيش الذي يجمع الكثير من فن العمارة الإسلامية، ومسجد باب السراي وهو من أقدم المساجد القائمة في صيدا، إذ يرجع بناؤه الى العام 1201 ومسجد الإمام حسن العسكري وهو من أقدم المساجد في الجنوب، ويعود إلى العام 800.
وهناك جامع صور في وسط المدينة القديمة. ومقام النبي شعيب في النبطية وهو أحد ثلاث مزارات تحمل الإسم ذاته. الأول في مدينة عجلون الأردنية، والثاني في حطين في شمال فلسطين، والثالث في إقليم وادي التيم، قضاء حاصبيا. وفي جبل لبنان لا بد من الإشارة إلى جامع دير القمر في ساحة البلدة قرب أبنيتها الأثرية، لا سيما قصور الأمراء المعنيين والشهابيين، من القرن 17 وهو نموذج مثالي لجوامع جبل لبنان التي بنيت في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني. وجامع جبيل بجوار القلعة التاريخية.
وفي المواقع الدرزية تشتهر خلوات البياضة في حاصبيا وهي عبارة عن عدد من الأبنية البسيطة تبلغ نحواً من خمسين خلوة يقطنها طلاب العلوم الدينية لتصبح إلى جانب المجلس الكبير أشبه بجامعة روحية. ومقام السيد الأمير عبد الله التنوخي في عبيه، ويضم ضريح الأمير السيد عبد الله التنوخي وضريح ابنه الأمير سيف الدين عبد الخالق. ويعتبر الأمير السيد من كبار أولياء طائفة الموحدين الدروز لما اشتهر به من علم وتقوى. خلوة عين الشاوي في عبيه أيضا وتعتبر المدرسة الثانية بعد مدرسة السيد عبد الله التنوخي لكثرة ما يؤمها من متعبدين ومريدين.
يضاف إلى ذلك المقام الشريف (شمليخ) في شارون، وهو من الأمكنة الدينية الهامة عند الموحدين الدروز حيث تقام في رحابه ومجالسه إحتفالات المذاكرة التوحيدية. وخلوة المونسة في عرمون، وتشهد آثارها على قوة بنائها وهي من أولى الخلوات وأكبرها وأعلاها مقاما. وخلوات جرنايا شهدت في القرن التاسع عشر إجتماعات لمناسبات وطنية بين الدروز والمسيحيين. دمرها زلزال سنة 1956، فأعيد بناؤها الذي يؤمه اليوم عدد كبير من المؤمنين مساء كل جمعة للتعبد والذكر.
ومقام النبي أيوب في نيحا وهو مقام كبير ومشهور، أعيد بناؤه عدة مرات، وأضيفت إليه أبنية وقاعات وغرف تتسع لآلاف الزوار والمؤمنين الذين يأتون إليه للتبرك. يقام في باحة مسجده لقاء صلاة سنوي ومذاكرة لمشايخ الموحدين الدروز. وتتمثل الدولة رسمياً في هذه اللقاءات.
تبقى الإشارة إلى أن اللافت في هذه المقامات والمواقع أنها لا تخلق حركة سياحية كبيرة، بل يقتصر زوارها في الغالب على المستوى المحلي او في إطار جولات سياحية أشمل.
تأهيل وادي قاديشا لتنظيم وفادة السياح
يعمل نائبا بشري ستريدا جعجع وجوزف اسحاق على مشاريع إعادة تأهيل الوادي المقدس حفاظا على رمزيته وقدسيته من جهة، وتقديمه للسياح والزائرين بأفضل حال من جهة ثانية. فتأهيل طريق وادي القديسين المدرج على لائحة التراث العالمي سيجعله قبلة السياحة الدينية والتراثية من لبنان الى العالم أجمع. وبعد أن كان هذا الوادي مركز صمود لأهل الإيمان القديسين في الماضي، ها هو اليوم معلم سياحي تراثي سينعش المنطقة وأهلها عند الإنتهاء من تعبيد طريق الوادي بالحجر الطبيعي للمحافظة على بساطتها وعدم تغيير مسارها وشكلها والإبقاء على جمال هذا المعلم التاريخي. ويتضمّن المشروع إقامة مواقف للباصات وسيارات السياح والقادمين من خارج المنطقة على رأس الوادي، ويقدّم إتحاد بلديات بشري الباصات الصديقة للبيئة لنقل الزوار. وكل ذلك بالتعاون مع وزارة الثقافة والكنيسة المارونية.
وكان احتُفل في وقت سابق في الوادي المقدس، بمناسبة الإنتهاء من أعمال ترميم جدرانيات كنيسة دير سيدة قنوبين، بدعوة من جمعية المحافظة على جدرانيات الكنائس القديمة في لبنان، وشددت الكلمات على أن وادي قاديشا سيكون معلما سياحيا مسيحيا على لائحة التراث العالمي.
(انتهى)
إقرأ ايضاً: لبنان وطناً للسياحة الدينية – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]