الأرثوذكس ودولة لبنان الكبير – 2

كتبت “المسيرة” – العدد 1700

لبنان الحديث

ثمة إشكالية، ربما بأن لها بعض الجذور في المتصرفية، بدأت بالظهور وما تزال محور خيارات الأرثوذكس السياسية. هذه الإشكالية، باختصار، هي التالية: من هو المنافس للأرثوذكس ومن هو الحليف السياسي لهم بين المكوّنات الطائفية ـ الإجتماعية للبنان؟

مال الكثير من الأرثوذكس الى الجواب على هذا السؤال بأن المنافس للأرثوذكس هم الموارنة بالدرجة الأولى وسائر المسيحيين إلحاقاً. أما الحلفاء للأرثوذكس فهم المسلمون.

ثمة مدرسة ثانية عززتها التطورات الأخيرة في المنطقة وفي لبنان، تنادي بأن الحلفاء هم سائر المسيحيين الذي يجمع الأرثوذكس بهم وحدة المصير في شرق يضجّ بالأصولية الإسلامية.

نجد هذا الإنشطار في مواقف الأرثوذكس، سياسيين وإكليريكيين، عبر تاريخ لبنان الحديث. من أهم الوثائق التي تبيّن هذا الشرخ في البنية الأرثوذكسية تقرير بعثة كينغ ـ كراين.

وصلت البعثة التي انبثقت عن مؤتمر فرساي، الى ميناء حيفا في أوائل تموز 1919 وانتقلت بعدها الى دمشق حيث باشرت إستفتاءاتها. لكن اللجنة كانت قد باتت مكوّنة من عضوين أميركيين بعد أن قاطعتها فرنسا ولم تشترك فيها بريطانيا. إنتقلت اللجنة الى دمشق حيث باشرت أعمالها باستفتاء المسؤولين والوجهاء وممثلي الطوائف الدينية. وبعد دمشق جابت في المنطقة الى شرق المدينة ثم انتقلت الى الساحل إبتداء من بيروت فإلى طرابلس واللاذقية واسكندرون. وعادت لجنة كينغ ـ كراين بعد هذه الجولة في نهاية آب الى باريس فواشنطن.

إستقصاءات لجنة كينغ ـ كراين، على محدوديتها، تعطي وصفاً عامًا لرغبات المجموعات الدينية وأيضًا لمخاوفها. فقد إجتمعت اللجنة مع ممثلي حوالى 40 مدينة وبلدة ودوّنت رغباتهم، كما استلمت ما يزيد على 1800 عريضة تتضمن مطالب موقّعيها.

بما يتعلّق بلبنان، سعت اللجنة للوقوف على خيارات المجموعات الدينية الرئيسية. الموارنة والروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس على الجانب المسيحي، والسنّة والدروز و»المتاولة» حسب تعبير النص، على الجانب الإسلامي.

المكوّن الكاثوليكي، موارنة وروم كاثوليك، إنحازوا بما يقرب من الإجماع الى إستقلال لبنان، فإن كان لا خيار من سلطة منتدبة، لتكن فرنسا. الروم الأرثوذكس إنقسموا الى فريقين: الأول بتأثير من البطريرك غريغوريوس حداد الذي كان شديد التقدير للأمير فيصل إبن الحسين، طالبوا بقيام دولة عربية تضم الشام وولاية بيروت، وإن لم يكن من الإنتداب بد، فلتكن السلطة المنتدبة بريطانيا. يذكر يوسف الحكيم في الجزء الثالث من مذكراته «بناء على دعوة تلقاها رؤساء الأقليات الدينية من لجنة الإستفتاء، لبّوا الدعوة وأجابوا بما يتمتعون به من كامل الحرية والصراحة على أسئلة اللجنة، فكان جواب البطريرك الأرثوذكسي غريغوريوس حداد صريحًا بطلب إنتداب بريطانيا العظمى. ولما سأله رئيس اللجنة، بواسطة الوجيه توفيق شامية الذي كان يقوم بالترجمة بينهما، «ألا تريدون إنتداب فرنسا؟» أجابه: «سألتمونا ما نريده من إنتداب فأجبناكم بصراحة، فهل تشمل مهمتكم سؤالنا عما لا نريده؟». فابتسم الرئيس لهذا الجواب إبتسامة طويلة، شاكرًا ببشاشة الوجه براعة البطريرك في رد الإنتداب الفرنسي».

موقف أرثوذكس لبنان لم يكن موحّدًا. مطران بيروت جراسيموس مسرّة إنضم الى موقف البطريرك، فيما بعض وجهاء المدينة أخذوا الخيار الفرنسي وادّعوا أنهم يمثلون رأي الـ26000 أرثوذكسي في المدينة. أرثوذكس الكورة وقفوا الى جانب سائر المسيحيين في حين انقسم أرثوذكس طرابلس بين متضامن مع الأكثرية السنيّة في المدينة، وأقلية تفضل لبنان موسّعا مستقلاً مع إنتداب فرنسي في الفترة التحضيرية للإستقلال.

هذا الإنشطار الأرثوذكسي لا يزال نابضًا. في فترة لجنة الإستفتاء نُسب الى أحد وجهاء مرجعيون الحاج شحاده غلمية قوله «التركي ولا بكركي». الموقف عينه، ولكن بتعابير أخرى، أتى بعد نصف قرن على لسان المطران جورج خضر «عند الأرثوذكسي كره حشوّي للكاثوليك». كما أن النائب نجاح واكيم صرّح تعليقاً على مقررات الطائف عام 1989 «حرقنا دين الموارنة».

هذا الإنشطار في موقف الأرثوذكس، من قمة الهرم الى قاعدته، ما يزال قائمًا وإن خبا بعض الشيء، حين أدرك غلاة الرافضين للهيمنة المارونية أن الخيار الإسلامي ليس بأمثل. النتائج التي ينتهي إليها المدقق تقطع بأن القيادات السياسية الأرثوذكسية التي نشطت في إطار المعسكر المسيحي الأوسع، كانت أفضل أداء من بديلها الذي التحق بالمعسكر الإسلامي. حسبنا أن نقارن بين التراث السياسي الذي تركه وراءه شارل دباس، حبيب أبو شهلا، شارل مالك، فؤاد بطرس، ألبير مخيبر، غسان تويني وإيلي سالم من جهة، وممثلي الأرثوذكس على الطرف الآخر.

في المقابل، نجد عددًا كبيرًا من الأرثوذكس، أسسوا أحزابًا، أو لعبوا أدوارًا قيادية في أحزاب، أو انضموا الى أحزاب وتجمّعات سياسية نادت بتوجه علماني، لكن مسيرتهم السياسية إنتهت بهم في صفوف البنى السياسية الإسلامية: الحزب القومي السوري الإجتماعي بعد العام 1962، الحزب الشيوعي، بعض قيادات اليسار، ونواب وسياسيون مستقلّون.

إلا أن حرب لبنان (1975 ـ 1990) أبرزت الأرثوذكس كمجموعة تؤازر الذين يقاتلون المسيحيين في لبنان، ذلك أن عددًا كبيرًا من رموز الوحدة المسيحية بين الأرثوذكس كانوا قد توفّوا أو لعبوا دورًا ثانويًا في الحرب اللبنانية، يقابلهم البأس الإعلامي والمالي للفلسطينيين الذين رأوا مصلحة لهم في استثمار المنافسة التقليدية بين الأرثوذكس والموارنة، فجنّدوا عددًا من السياسيين الى جانب صحافيين ورجال دين أرثوذكس في تلك الصفوف. لعب الأرثوذكس في «مجلس كنائس الشرق الأوسط»، خاصة المطران جورج خضر والحركيين منهم، دورًا بالغ الأهمية في هذا الإطار.

في الفترة السورية (1983ـ 2005) توارى دور الموارنة بعد أن أفرغ السوريون حكم الرئيس أمين الجميل من سلطاته الفعلية، وفرضت دمشق بعده شخصيات مارونية تبوأت مختلف المراكز، بما فيها رئاسة الجمهورية، لا قاعدة شعبية لأي منهم في مجتمعهم، ما أفضى الى فراغ ملأه بعض الأرثوذكس خاصة الرئيس ميشال المر والرئيس عصام فارس والوزير بشارة مرهج الذي وقّع في العام 1994 مرسوم تجنيس أضاف ما يقدّر بحوالى الـ10 في المئة الى سكان لبنان قالبًا ديموغرافية لبنان الى حد لا سبيل لتقويمه.

(انتهى)

إقرأ أيضاً: الأرثوذكس ودولة لبنان الكبير – 1

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل