


كتبت “المسيرة” – العدد 1700
من كتاب «آل إده في التاريخ» للأب إميل إده
في 13 كانون الأول أرسل أعضاء الوفد اللبناني تلغرافاً الى الحكومة الفرنسية يعربون فيه عن أسفهم لعدم تمكنهم من الإشتراك في إفتتاح مؤتمر الصلح، 18 كانون الثاني 1919، وذكروا السبب.
أخيرًا أبحر الوفد في 15 كانون الثاني 1919 من بور سعيد فوصل الى مرسيليا في 23 منه، وبعد يومين وصل الى باريس. وفي اليوم نفسه أدلى رئيسه بتصريح لجريدة «Le Temps» جاء فيه: «إن لدى الوفد تفويضًا بطلب إعادة لبنان الى حدوده التاريخية والجغرافية وتأكيد إستقلاله الذاتي ومنحه مجلسًا تشريعيًا، وطلب المساعدة الفرنسية».
وبعد أن أعلن وأكد أن مجلس إدارة جبل لبنان يمثل اللبنانيين عمومًا، وأوضح أن الوطن الذي يسعى إليه هو لبنان الحر من كل قيد في حدوده القومية والطبيعية، مهّد لطلب المساعدة الأجنبية عبر إعترافه بعجز اللبنانيين عن تطوير اقتصادهم وتنظيم حريتهم بمعزل عن مساعدة دولة أجنبية. ثم أضاف قائلاً: «لا يمكن أن تكون هذه الدولة غير فرنسا وحدها التي دافعت في كل زمن، ودعمتنا، ووجّهتنا، وثقّفتنا وأنجدتنا».
لقاءات عديدة حققها الوفد اللبناني في باريس مع شخصيات سياسية ذات شأن شارحًا قضية لبنان ومطالبه. نذكر منها الإجتماع في أول شباط مع رئيس الجمهورية الفرنسية ريمون بونكاريه (Raymond Poincaré)، ثم اللقاء بعد يومين أو ثلاثة مع الوفد الأميركي، وفي 10 شباط مع وزير الخارجية الفرنسية (Mr Gout) ورئيس الوزارة كليمنصو الملقب بالنمر.
روى العميد ريمون إده مرارًا قصة لقاء الوفد مع كليمنصو وكيفية تخطيطه الحدود اللبنانية، كما أخبره والده. قال: «كانت خريطة الشرق الأدنى أمامه على الطاولة والقلم بيده. ردد قائلاً: «ماذا تريدون أنتم؟» وقلمه يشير ويعلّم على الخريطة: عكار… السلسلة الشرقية، بعلبك، الهرمل… وصعد بقلمه الى ناحية الشرق بعيدًا. فقال له إميل إده: «نرجوك توقف، توقف… فقد أعطيتنا دمشق».
إستغرب كليمنصو هذا الإعتراض، فشرح له المحامي أن دمشق عاصمة الخلافة الأموية العربية الإسلامية، فلا يمكن أن تدخل ضمن حدود لبنان.
اليوم الخامس عشر من شباط 1919 كان الأهم في مجريات الوفد اللبناني. عرض خلاله رئيس الوفد أمام مجلس العشرة بياناً بالمطالب اللبنانية مرفقاً بخريطة للحدود الطبيعية والتاريخية التي يطالب بها مجلس إدارة لبنان، إستنادًا الى خريطة أعدّتها الحملة الفرنسية العام 1861.
بحسب هذه الخريطة، يحدّ لبنان من الشمال النهر الكبير، ومن الجنوب نهر القاسمية، ومن الشرق السلسلة الشرقية عند حدود أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا، ومن الغرب البحر المتوسط. وهكذا، فإضافة الى لبنان الصغير، زمن المتصرفية، يجب أن يشمل لبنان مدن طرابلس وبيروت وصيدا وصور وأقضية عكار وبعلبك وحاصبيا ومرجعيون.
وقد اعتبر البيان أن السبب الأساسي لهجرة اللبنانيين مردّه قلّة السهول والموانئ البحرية. لذلك يأمل من توسيع الحدود زوال الضيق الاقتصادي بحيث تتأمن الحياة للبنانيين المقيمين كافة وتسهّل للمهاجرين طريق العودة الى الوطن.
علاوة على الأدلة التاريخية، أشار ممثلو لبنان الى رغبات سكان المناطق المعنية وأن لهم الحق بالحياة الكريمة.
وتعليقاً على خلو مهمة الوفد الأول من المطالبة بالإستقلال السياسي، يقول يوسف السودا:»إن هذا النقص هو الأخطر في الموضوع. لذلك لاقى الوفد معارضة شديدة، خصوصا من قبل اللجنة اللبنانية في باريس والاتحاد اللبناني في مصر».
ثمة سبب آخر لعدم نجاح الوفد الأول كما كان متوقعًا، وهو عدم الإنسجام بين أعضائه. يخبر العميد ريمون إده أن أباه لم يكن على وفاق مع داود عمّون حول تفسير مطالب مجلس الإدارة. أما عبد الحليم حجار، فمنذ وجوده في بور سعيد أعطى إنطباعًا للسلطات الفرنسية أنه غير مؤيّد تمامًا لفرنسا. فكتب عنه أحد المرافقين: «لتجنّب بعض المصاعب المزعجة من قبله سيكون من المفيد مراقبته وإشغاله بالنزهات».
وهذا الشعور تأكد أمام مجلس العشرة في 13 شباط. لاحظ ذلك إميل إده. وكان له لقاء في 26 شباط 1919 مع مساعد وزير الخارجية الذي طالب بترجمة دقيقة لمداخلة الحجار. وسُلّم هذا النص مع شروحات إضافية الى وزير الخارجية.
رغم كل السلبيات، فقد حقق الوفد لقاءات ظهرت أهميته في ما بعد. حاولوا القيام بكل ما بوسعهم وإن لم يحصلوا إلا على وعود كلامية من قبل مؤتمر الصلح والسلطات الفرنسية. فقرروا العودة وأبحروا من مرسيليا في 10 آذار 1919 باتجاه بيروت.
لم يكن لفرنسا سياسة واضحة حول البلدان التي احتلتها. لذا بعد لقاء تم بين فيصل ورئيس الوزارة الفرنسية كليمنصو في 16 نيسان 1919، حصل تقارب فرنسي ـ عربي نتيجة إعتراف فرنسا المبدئي بحق سوريا في الإستقلال بشكل إتحاد فدرالي يتألف من حكومات محلية تتمتع بالإستقلال الذاتي، بما يتناسب مع تقاليد السكان ورغباتهم. وإن فرنسا مستعدة تمام الإستعداد لتقديم عونها المادي والمعنوي لدعم هذا التحرّر الذي فازت به سوريا. وقد ساهم الكولونيل لورانس في التمهيد للتقارب الفرنسي ـ الفيصلي داعيًا كليمنصو للإتفاق مع فيصل على إستقلال سوريا. إلا أن تقاربًا ووفاقاً من هذا النوع كان لا بد له من إغاطة المسيحيين في لبنان، بخاصة الموارنة منهم، وهذا ما سبّب شكاً في نوايا فرنسا حول مستقبل البلاد.
بقدر ما كان يتضح خطر ذوبان لبنان في سوريا، كان «القوميون اللبنانيون» يعطون الأولوية للصراع ضد هذا الضم ولمصلحة لبنان الكبير. كما أن المجلس الإداري لجبل لبنان أخذ مبادرة مهمة في 20 أيار 1919 واضعاً القرار الثاني بخصوص مستقبل الوطن، والجديد فيه المناداة باستقلال لبنان السياسي بحدوده الجغرافية والتاريخية، واعتبار المقاطعات التي سُلحت منه سابقاً بلادًا لبنانية، وتقديم هذا القرار الى مؤتمر الصلح العام.
تم تشكيل الوفد الثاني من البطريرك الياس الحويك رئيسًا ومن المطارنة شكرالله الخوري، إغناطيوس مبارك، بطرس الفغالي، كيرلس مغبغب، تيودوسيوس معلوف والسيد لاوون الحويك شقيق البطريرك أعضاء.
يقول حكمت حداد: «وإذا بالصوت الأكبر ينطق بأكثر فاعلية ووضوحًا حيث تخطى المطالبة بالإستقلال الإداري الى التركيز على الإستقلال السياسي التام، عنيت به صوت البطريرك الماروني الياس بطرس الحويك الذي رأس الوفد اللبناني الثاني الى مؤتمر الصلح المنعقد في باريس…». وقد أجمعت كل التقديرات والحسابات على أنه القادر على محاورة رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، أقوى رجالات مؤتمر فرساي نفوذاً.
(يتبع)
إقرأ أيضاً: إميل إده ودولة لبنان الكبير – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]